اتصل بنا
 

العراق: حقيقة القاعدة الإسرائيلية في صحراء النجف

نيسان ـ نشر في 2026-05-18 الساعة 12:53

نيسان ـ في العراق، لا تحتاج بعض القصص إلى كشف وثائق سرية بقدر حاجتها إلى اجابة على سؤال بسيط: كيف يمكن لبلد امتلأت أجواؤه بخطابات «المقاومة» أن يعجز عن اكتشاف موقع عسكري إسرائيلي قيل إنه أقيم في عمق الصحراء، على بعد نحو 150 كيلومترا فقط من النجف، المدينة التي تُقدَّم دائما باعتبارها قلب الجغرافيا الشيعية المقدسة؟ وكيف يمكن للفصائل المسلحة التي لم تترك منطقة سنية أو كردية إلا وأعلنت أن فيها «هدفا أمريكياً أو إسرائيلياً مشروعاً يجب أن يدك»، ومع ذلك فشلت في الإشارة ولو مرة واحدة إلى موقع بهذا الحجم والحساسية، بينما كانت تتحدث يوميا عن «السيادة» و»المواجهة المفتوحة» و»الردع الإقليمي»؟
القصة بدأت حين كشفت تقارير أمريكية وإسرائيلية وعربية عن وجود موقع عسكري سري في صحراء العراق استُخدم خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. التقارير تحدثت عن قاعدة مؤقتة أُنشئت في منطقة صحراوية تقع بين النجف وكربلاء، وتمتد باتجاه النخيب وعرعر، استخدمت كمركز لوجستي وكمحطة لقوات خاصة وفرق إنقاذ إسرائيلية تحسبا لسقوط طيارين داخل الأراضي الإيرانية. بعض التقارير تحدث عن مدرج مؤقت بطول 1.6 كيلومتر أُقيم فوق أرض بحيرة جافة، ثم أزيل لاحقا لإخفاء آثاره، فيما أظهرت صور الأقمار الصناعية تغيرات واضحة في المنطقة بين مطلع مارس ومنتصف أبريل، قبل أن تختفي معالم الموقع تماما لاحقا.
اللافت أن الحكومة العراقية لم تنفِ الحادثة بالكامل، بل تعاملت معها بطريقة مرتبكة. فمرة قيل أن القوات العراقية اشتبكت مع «قوة مجهولة غير مرخصة»، ومرة أخرى جرى الحديث عن «حادث عابر»، ثم خرج مسؤولون عسكريون ليقولوا أن «قوة صغيرة» كانت موجودة بالفعل لكنها لم تبق أكثر من 48 ساعة. هذا التناقض وحده يكشف أن شيئا كبيرا حدث هناك، حتى إن جرى تغليفه لاحقا بلغة الإنكار السياسي المعتادة.
أخطر ما كشفته حادثة صحراء النجف، ليس احتمال وجود قاعدة إسرائيلية، بل احتمال أن تكون «المقاومة» نفسها قد تحولت إلى سردية بدأت تفقد قدرتها على الإقناع أكثر منها مشروع مواجهة
التقارير العراقية نفسها تؤكد أن قوة من الجيش العراقي تعرضت لهجوم جوي مباشر، عندما حاولت الاقتراب من الموقع بعد بلاغ عن تحركات غامضة في الصحراء. قُتل جندي وأصيب آخران، فيما تحدث ضباط عراقيون عن وجود قوة مدعومة جويا «تفوق قدرات وحداتهم». هذه ليست رواية عن شائعة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل عن اشتباك حقيقي دفع بغداد إلى إطلاق عمليات «فرض السيادة» وإرسال قوات واسعة إلى المنطقة بعد تصاعد الجدل الإعلامي والسياسي.
ولم يأت الحديث عن القاعدة من فراغ إعلامي عابر، فالإشارات الإسرائيلية نفسها بدت لافتة. قائد سلاح الجو الإسرائيلي السابق تومر بار تحدث خلال الحرب مع إيران عن «عمليات خاصة قد تشعل الخيال»، في تلميح فهمه كثيرون بوصفه إشارة إلى نشاطات خلف خطوط المواجهة. كما أن وسائل إعلام إسرائيلية تحدثت لاحقا عن معرفة أطراف عربية بوجود الموقع في الصحراء العراقية، فيما التزمت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية صمتا لافتا، تجاه التقارير التي تحدثت عن القاعدة. وفي العادة، لا يُقرأ الصمت الإسرائيلي في مثل هذه الملفات بوصفه نفيا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعمليات سرية، أو نشاطات استخباراتية خارج الحدود. وهنا تحديدا بدأت الأسئلة العراقية تتجه نحو الداخل أكثر من الخارج: كيف جرى كل ذلك من دون أن تلتقطه الفصائل التي ملأت البلاد بخطاب «المقاومة»؟ الأكثر إثارة أن اكتشاف الموقع لم يأت عبر أجهزة استخباراتية معقدة، بل عبر راعٍ عراقي لاحظ حركة مروحيات ونشاطا غير مألوف في الصحراء. الروايات المتداولة تقول إن الراعي صوّر الموقع وأبلغ السلطات، قبل أن يُعثر عليه لاحقا مقتولا داخل سيارته المحترقة في ظروف غامضة. وفي بلد تُرفع فيه يوميا شعارات «الموت لإسرائيل»، يبدو المشهد أقرب إلى مفارقة سوداء: راعٍ بسيط استطاع أن يقترب مما لم تقترب منه الفصائل، التي تمتلك الصواريخ والطائرات المسيّرة وأجهزة الاستخبارات والشبكات المسلحة المنتشرة في البلاد.
لكن القضية لا تتعلق فقط بوجود موقع إسرائيلي محتمل، بل بما كشفته الحادثة عن طبيعة الخطاب السياسي والعسكري الذي حكم العراق طوال عقدين. فمنذ صعود الفصائل المسلحة الموالية لطهران، تحولت «مقاومة إسرائيل» إلى شعار يومي يبرر كل شيء تقريبا: السيطرة على السلاح، اختراق مؤسسات الدولة، قصف البعثات الأجنبية، واستهداف مناطق عراقية بأكملها تحت ذريعة وجود قواعد أمريكية، أو مراكز استخبارات إسرائيلية. في كل مرة كانت المحافظات السنية، أو مدن إقليم كردستان تُقدَّم بوصفها «منصات للعدو»، بينما جرى تصوير الوسط والجنوب الشيعي على أنه فضاء مغلق ومحمي من أي اختراق خارجي.
غير أن قصة صحراء النجف تقلب هذه الرواية بالكامل، فإذا كانت إسرائيل قادرة فعلا على إنشاء موقع عسكري مؤقت في عمق هذه الجغرافيا الحساسة، والعمل فيه تحت غطاء جوي، ثم الانسحاب من دون أن تكشفه الفصائل، التي تتباهى يوميا بـ»العيون المفتوحة»، فإن ذلك يطرح سؤالا قاسيا: هل كانت تلك الفصائل مشغولة فعلا بمواجهة إسرائيل، أم بإدارة سردية سياسية عن إسرائيل؟
هنا تحديدا لم تعد القضية مرتبطة بما إذا كانت القاعدة موجودة أم لا، بل بما كشفته الرواية كلها عن طبيعة الخطاب المسلح في العراق، السنوات الماضية كشفت أن معظم عمليات هذه الجماعات لم تتجه نحو إسرائيل، بقدر ما اتجهت نحو الداخل العراقي نفسه. فالصواريخ والطائرات المسيّرة التي قيل إنها «رسائل مقاومة» سقطت مرارا قرب مطارات أربيل وقواعد في الأنبار ومناطق مختلطة، بينما بقيت الحدود العراقية مفتوحة أمام الاختراقات الإقليمية والدولية. حتى عندما كانت إسرائيل تنفذ ضربات داخل العراق ضد مواقع مرتبطة بالحشد الشعبي، كان الرد غالبا خطابيا أكثر منه عمليا، فيما ظل الحديث عن «المواجهة الكبرى» يتكرر بلا نتيجة حقيقية.
ولعل أخطر ما في هذه القضية أنها تكشف هشاشة مفهوم السيادة في العراق. فالدولة التي نفت وجود القاعدة، عادت وأطلقت عمليات عسكرية للبحث عنها. والجيش الذي قال أن «لا قواعد أجنبية موجودة»، تحدث في الوقت نفسه عن اشتباك مع قوة مدعومة جويا داخل أراضيه. والسياسيون الذين هاجموا التقارير الإعلامية، عاد بعضهم ليتحدث عن «فضيحة أمنية كبرى» وعن «اختراق خطير للسيادة». في الحقيقة، لا تبدو أزمة العراق هنا مرتبطة فقط بإسرائيل أو الولايات المتحدة أو إيران، بل ببنية سياسية كاملة قامت على تحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. الجميع يتحدث عن السيادة، لكن السيادة نفسها تبدو غائبة. والجميع يرفع راية المقاومة، لكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن العراق تحول إلى منطقة عبور ومسرح نفوذ أكثر منه دولة تمتلك قرارها الأمني الكامل. الأدهى أن بعض الأصوات المقربة من الفصائل حاولت تحويل القضية إلى مادة للمزايدة السياسية، لا إلى لحظة مراجعة حقيقية. فبدلا من السؤال عن كيفية اختراق هذه المنطقة، جرى التركيز على تحميل الخصوم المسؤولية أو استخدام القضية في صراع تشكيل الحكومة، وتوزيع الوزارات والنفوذ الأمني. وكأن المشكلة ليست في احتمال وجود نشاط عسكري إسرائيلي داخل العراق، بل فيمن سيستثمر الفضيحة سياسيا أولا.
هناك أيضا مفارقة أخرى يصعب تجاهلها، فالفصائل التي قدمت نفسها طويلا باعتبارها «حامية الشيعة والمراقد المقدسة» لم تتحدث بجدية عن احتمال وجود نشاط إسرائيلي قرب واحدة من أكثر المدن قداسة لدى الشيعة، بل إن بعض التقارير الإعلامية كانت أكثر جرأة في الحديث عن الموقع من القوى المسلحة نفسها، وهذا وحده يكشف أن خطاب «المقاومة» لم يكن دائما موجها ضد إسرائيل بقدر ما كان موجها للاستهلاك المحلي وتثبيت النفوذ داخل العراق.
ربما لا يعرف العراقيون حتى الآن الحجم الحقيقي لما حدث في تلك الصحراء، وربما تبقى بعض التفاصيل غامضة لسنوات، لكن المؤكد أن القضية أسقطت الكثير من الأقنعة دفعة واحدة. فهي كشفت حدود القوة الحقيقية للفصائل، وفضحت هشاشة الدولة، وأظهرت أن الشعارات التي ملأت الشوارع والشاشات طوال عقدين قد تكون أقل صلابة بكثير مما بدا عليه الأمر. وفي بلد يعيش منذ سنوات على فائض الخطابات، تبدو قصة «القاعدة الإسرائيلية» في صحراء النجف أكثر من مجرد حادثة أمنية؛ إنها اختبار قاسٍ لفكرة «المقاومة» نفسها. لأن أخطر ما كشفته حادثة صحراء النجف، ليس احتمال وجود قاعدة إسرائيلية، بل احتمال أن تكون «المقاومة» نفسها قد تحولت إلى سردية بدأت تفقد قدرتها على الإقناع أكثر منها مشروع مواجهة.

نيسان ـ نشر في 2026-05-18 الساعة 12:53


رأي: صادق الطائي

الكلمات الأكثر بحثاً