الكرد بين أنقرة ودمشق: تعثر الدمج وحسابات السياسة
نيسان ـ نشر في 2026-05-19 الساعة 12:54
نيسان ـ في حوار أجرته معه عنبرين زمان من «المونيتور» قال قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي إن ثمة تحضيرات جارية لزيارة سيقوم بها قريباً إلى أنقرة، ومن المحتمل أن يزور، خلالها، سجن جزيرة إيمرالي للقاء بعبد الله أوجلان. وكانت مواقع إعلامية قد استبقت الأمور فزعمت أن زيارة إيمرالي قد جرت فعلاً في شهر آذار الماضي، وأن عبدي تلقى خلالها «توبيخاً» شديداً من قائده السجين أوجلان.
بمناسبة هذه التصريحات والمزاعم، هذه محاولة لقراءة المشهد الكردي في كل من تركيا وسوريا، حيث لا يمكن تجاهل الترابط بينهما.
ففي تركيا، جاءت تصريحات عبدي، والأخبار الملفقة بشأن حدوث زيارته، في وقت يسوده الجمود في العملية السياسية التي تسميها السلطة «تركيا خالية من الإرهاب» تزداد القناعة في الرأي العام حول سببه المتعلق بالمستقبل السياسي لأردوغان. ففي حين قام أوجلان بكل ما طلب منه بشأن حل حزب العمال الكردستاني وتخليه النهائي عن السلاح، لجأت السلطة إلى التباطؤ وجرجرة الأقدام فيما يتوجب عليها القيام به لتكتمل العملية، فـ»لا يمكن للطائر أن يطير بجناح واحد» على حد تعبير مهندس هذه العملية والمبادر إليها دولت بهجلي – زعيم حزب الحركة القومية المتشددة وشريك الائتلاف الحاكم الذي ما فتئ يضغط على أردوغان لحثه على المضي قدماً في متطلبات العملية، من إيجاد مخرج لآلاف المقاتلين المتمركزين في جبال قنديل، وكذا آلاف آخرين في السجون التركية والمنافي الأوروبية، وشرعنة «وضع قانوني» مناسب لأوجلان بما يتيح له قيادة التحول في بيئة حزبه من الكفاح المسلح إلى الحياة السياسية الشرعية، بما في ذلك الفرع السوري للحزب في عملية إدماجه في الدولة السورية المفترضة.
من منظور أردوغان الطامح لتمديد إقامته في القصر الرئاسي لولاية جديدة، في الوقت الذي يدرك فيه تراجع حظوظه باطراد في تحقيق ذلك، سواء بسبب العقبة الدستورية التي قد يتمكن من تذليلها، أو بسبب تراجع احتمالات فوزه أمام مرشح قوي من المعارضة، فهو يأمل في أن تخدمه الظروف الإقليمية المضطربة أو أن يتمكن من استثمار العملية السياسية باشتراطات على الشريك الكردي تجعل من عملية السلام رهينة المساومات معه. وفي غضون ذلك يمضي قدماً في إضعاف حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، من خلال إجراءات قضائية مسيسة بصورة مكشوفة، واستقطاب المزيد من نواب هذا الحزب ورؤساء بلدياته إلى صفه، من خلال ابتزازهم بدعاوى قضائية كيدية، أو – وهذا هو الأخطر – من خلال قضية «البطلان» كما تسمى في وسائل الإعلام التركية، وهي تتعلق بإلغاء نتائج المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري الذي عقد قبل عامين وأزيح فيه الرئيس السابق للحزب كمال كلجدار أوغلو لمصلحة الرئيس الحالي أوزغور أوزال، بدعوى شائبة فساد. ويريد أردوغان من هذه القضية أن تنتهي بإعادة كلجدار أوغلو إلى رئاسة الحزب المعارض ليضمن فوزه عليه كما فعل في الانتخابات الرئاسية السابقة.
في الأول من شهر تموز تبدأ العطلة التشريعية للبرلمان، فإذا استطاع أردوغان الاستمرار في تجميد العملية إلى حينه، تأجل كل شيء إلى مطلع شهر تشرين الأول. وحينها سيكون عليه إدخال البلاد في مرحلة التحضير لانتخابات مبكرة من خلال إجراءات دستورية معينة، الأمر الذي من شأنه أن يضغط على الجانب الكردي لتقديم تنازلات تخص موضوع ولاية أردوغانية جديدة مقابل تخفيف القيود عن أوجلان، وربما إطلاق سراح عدد محدود من معتقلي حزب العمال الكردستاني، أو غيرها مما يمكن ملء الفراغ السياسي به لكسب مزيد من الوقت. غير أن كل ذلك قد لا ينفع
عسر عملية الدمج لا يقتصر على موضوع اللغة، بل يتضمن أموراً أخرى، كموضوع الاعتراف بالشهادات الدراسية، وتعيين القضاة، ومصير موظفي الإدارة الذاتية
أردوغان في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية التي يمتلئ التاريخ بأمثلة على كون الاقتصاد هو العامل الأول في التأثير على السلوك الانتخابي للناخبين.
فإذا انتقلنا إلى الجانب السوري من الحدود للاحظنا أن «عملية الدمج» وفقاً لاتفاق 29 كانون الثاني، لا تمضي إلى الأمام بصورة مثالية كما رسمت على الورق، وإن كانت قد تقدمت بخطوات كثيرة، وبخاصة على صعيد الدمج العسكري والأمني، وإن كنا نفتقد إلى الشفافية بخصوص التفاصيل. أما الدمج بالمعاني الإدارية والسياسية فمن الواضح أنه يعاني من عسر غير مفاجئ في جو يسوده التوتر العام وخطاب الكراهية والهويات والاضطراب الأمني. وكانت حادثة لافتة القصر العدلي في الحسكة بمثابة كشاف لما يعتمل في داخل «العملية السياسية». لجأت «الشبيبة الثورية» التابعة لقسد إلى تخريب اللافتة الجديدة التي علقتها الحكومة وخلت من اللغة الكردية، المعتبرة «لغة وطنية» في المرسوم الذي أصدره الشرع في منتصف كانون الثاني، بعدما كانت بثلاث لغات، الكردية والعربية والسريانية، طوال سنوات سيطرة قسد على مناطق شرقي الفرات. إن من يقرأ بيان وزير العدل بخصوص ما حدث سيظن أن إزالة اللافتة الجديدة هي إعلان حرب على مؤسسة القضاء في «سوريا الجديدة»! الغريب أن وجود اللغة الإنكليزية على اللافتة المرضي عنها لم يثر حفيظة الوزير، مقابل كل هذا التهويل بشأن اللغتين الكردية والسريانية، مع العلم أن الإنكليزية ليست «لغة وطنية» ولا بالطبع لغة رسمية.
الواقع أن عسر عملية الدمج لا يقتصر على موضوع اللغة أو اللافتة، على أهمية موضوع اللغة من حيث ثقلها المعنوي كتأكيد على الهوية المتطلبة للاعتراف، بل يتضمن أموراً أخرى أكثر مساساً بحياة الناس في تلك المناطق، كموضوع الاعتراف بالشهادات الدراسية التي كانت خاضعة لإطار مختلف، وتعيين القضاة، ومصير موظفي الإدارة الذاتية، ودمج وحدات حماية المرأة، والسلطات المحلية بصورة عامة، وعلاقة تلك المناطق بالمركز من النواحي الاقتصادية والإدارية والمالية وغيرها. وأخيراً برز موضوع «الحصة الكردية» في مقاعد مجلس الشعب كموضوع خلافي جديد، ليس مع قسد بل مع الكرد ككل.
والحال أن سلطة دمشق قد تنطحت لمهمة تتجاوز قدراتها بشأن السيطرة على مختلف مناطق البلاد التي ظلت خارج سيطرة المركز طوال عقد ونصف. ولا نعني بالقدرات حجم القوة العسكرية أو الأمنية أو الإدارية فقط، بل كذلك من حيث الكفاءات والعقلية الإيديولوجية النابذة لمفهوم الدولة العمومية.
بمناسبة هذه التصريحات والمزاعم، هذه محاولة لقراءة المشهد الكردي في كل من تركيا وسوريا، حيث لا يمكن تجاهل الترابط بينهما.
ففي تركيا، جاءت تصريحات عبدي، والأخبار الملفقة بشأن حدوث زيارته، في وقت يسوده الجمود في العملية السياسية التي تسميها السلطة «تركيا خالية من الإرهاب» تزداد القناعة في الرأي العام حول سببه المتعلق بالمستقبل السياسي لأردوغان. ففي حين قام أوجلان بكل ما طلب منه بشأن حل حزب العمال الكردستاني وتخليه النهائي عن السلاح، لجأت السلطة إلى التباطؤ وجرجرة الأقدام فيما يتوجب عليها القيام به لتكتمل العملية، فـ»لا يمكن للطائر أن يطير بجناح واحد» على حد تعبير مهندس هذه العملية والمبادر إليها دولت بهجلي – زعيم حزب الحركة القومية المتشددة وشريك الائتلاف الحاكم الذي ما فتئ يضغط على أردوغان لحثه على المضي قدماً في متطلبات العملية، من إيجاد مخرج لآلاف المقاتلين المتمركزين في جبال قنديل، وكذا آلاف آخرين في السجون التركية والمنافي الأوروبية، وشرعنة «وضع قانوني» مناسب لأوجلان بما يتيح له قيادة التحول في بيئة حزبه من الكفاح المسلح إلى الحياة السياسية الشرعية، بما في ذلك الفرع السوري للحزب في عملية إدماجه في الدولة السورية المفترضة.
من منظور أردوغان الطامح لتمديد إقامته في القصر الرئاسي لولاية جديدة، في الوقت الذي يدرك فيه تراجع حظوظه باطراد في تحقيق ذلك، سواء بسبب العقبة الدستورية التي قد يتمكن من تذليلها، أو بسبب تراجع احتمالات فوزه أمام مرشح قوي من المعارضة، فهو يأمل في أن تخدمه الظروف الإقليمية المضطربة أو أن يتمكن من استثمار العملية السياسية باشتراطات على الشريك الكردي تجعل من عملية السلام رهينة المساومات معه. وفي غضون ذلك يمضي قدماً في إضعاف حزب المعارضة الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري، من خلال إجراءات قضائية مسيسة بصورة مكشوفة، واستقطاب المزيد من نواب هذا الحزب ورؤساء بلدياته إلى صفه، من خلال ابتزازهم بدعاوى قضائية كيدية، أو – وهذا هو الأخطر – من خلال قضية «البطلان» كما تسمى في وسائل الإعلام التركية، وهي تتعلق بإلغاء نتائج المؤتمر العام لحزب الشعب الجمهوري الذي عقد قبل عامين وأزيح فيه الرئيس السابق للحزب كمال كلجدار أوغلو لمصلحة الرئيس الحالي أوزغور أوزال، بدعوى شائبة فساد. ويريد أردوغان من هذه القضية أن تنتهي بإعادة كلجدار أوغلو إلى رئاسة الحزب المعارض ليضمن فوزه عليه كما فعل في الانتخابات الرئاسية السابقة.
في الأول من شهر تموز تبدأ العطلة التشريعية للبرلمان، فإذا استطاع أردوغان الاستمرار في تجميد العملية إلى حينه، تأجل كل شيء إلى مطلع شهر تشرين الأول. وحينها سيكون عليه إدخال البلاد في مرحلة التحضير لانتخابات مبكرة من خلال إجراءات دستورية معينة، الأمر الذي من شأنه أن يضغط على الجانب الكردي لتقديم تنازلات تخص موضوع ولاية أردوغانية جديدة مقابل تخفيف القيود عن أوجلان، وربما إطلاق سراح عدد محدود من معتقلي حزب العمال الكردستاني، أو غيرها مما يمكن ملء الفراغ السياسي به لكسب مزيد من الوقت. غير أن كل ذلك قد لا ينفع
عسر عملية الدمج لا يقتصر على موضوع اللغة، بل يتضمن أموراً أخرى، كموضوع الاعتراف بالشهادات الدراسية، وتعيين القضاة، ومصير موظفي الإدارة الذاتية
أردوغان في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية التي يمتلئ التاريخ بأمثلة على كون الاقتصاد هو العامل الأول في التأثير على السلوك الانتخابي للناخبين.
فإذا انتقلنا إلى الجانب السوري من الحدود للاحظنا أن «عملية الدمج» وفقاً لاتفاق 29 كانون الثاني، لا تمضي إلى الأمام بصورة مثالية كما رسمت على الورق، وإن كانت قد تقدمت بخطوات كثيرة، وبخاصة على صعيد الدمج العسكري والأمني، وإن كنا نفتقد إلى الشفافية بخصوص التفاصيل. أما الدمج بالمعاني الإدارية والسياسية فمن الواضح أنه يعاني من عسر غير مفاجئ في جو يسوده التوتر العام وخطاب الكراهية والهويات والاضطراب الأمني. وكانت حادثة لافتة القصر العدلي في الحسكة بمثابة كشاف لما يعتمل في داخل «العملية السياسية». لجأت «الشبيبة الثورية» التابعة لقسد إلى تخريب اللافتة الجديدة التي علقتها الحكومة وخلت من اللغة الكردية، المعتبرة «لغة وطنية» في المرسوم الذي أصدره الشرع في منتصف كانون الثاني، بعدما كانت بثلاث لغات، الكردية والعربية والسريانية، طوال سنوات سيطرة قسد على مناطق شرقي الفرات. إن من يقرأ بيان وزير العدل بخصوص ما حدث سيظن أن إزالة اللافتة الجديدة هي إعلان حرب على مؤسسة القضاء في «سوريا الجديدة»! الغريب أن وجود اللغة الإنكليزية على اللافتة المرضي عنها لم يثر حفيظة الوزير، مقابل كل هذا التهويل بشأن اللغتين الكردية والسريانية، مع العلم أن الإنكليزية ليست «لغة وطنية» ولا بالطبع لغة رسمية.
الواقع أن عسر عملية الدمج لا يقتصر على موضوع اللغة أو اللافتة، على أهمية موضوع اللغة من حيث ثقلها المعنوي كتأكيد على الهوية المتطلبة للاعتراف، بل يتضمن أموراً أخرى أكثر مساساً بحياة الناس في تلك المناطق، كموضوع الاعتراف بالشهادات الدراسية التي كانت خاضعة لإطار مختلف، وتعيين القضاة، ومصير موظفي الإدارة الذاتية، ودمج وحدات حماية المرأة، والسلطات المحلية بصورة عامة، وعلاقة تلك المناطق بالمركز من النواحي الاقتصادية والإدارية والمالية وغيرها. وأخيراً برز موضوع «الحصة الكردية» في مقاعد مجلس الشعب كموضوع خلافي جديد، ليس مع قسد بل مع الكرد ككل.
والحال أن سلطة دمشق قد تنطحت لمهمة تتجاوز قدراتها بشأن السيطرة على مختلف مناطق البلاد التي ظلت خارج سيطرة المركز طوال عقد ونصف. ولا نعني بالقدرات حجم القوة العسكرية أو الأمنية أو الإدارية فقط، بل كذلك من حيث الكفاءات والعقلية الإيديولوجية النابذة لمفهوم الدولة العمومية.
نيسان ـ نشر في 2026-05-19 الساعة 12:54
رأي: بكر صدقي


