دردشة مع وزير إيراني
نيسان ـ نشر في 2026-05-21 الساعة 12:52
نيسان ـ خرج وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف بمقال طويل نسبياً، بعنوان «دروس من الحرب: دعوة إلى إعادة تقييم استراتيجي في غرب آسيا»، حمل فيه بالمجمل دول الخليج العربي المسؤولية الكاملة عن تدهور العلاقات العربية الإيرانية، وسرد عدداً من الأحداث التي نظر إليها من زاوية إيرانية، ليؤكد من خلال سرده أن العرب تواطؤوا وتآمروا، وبالتالي فهم يتحملون المسؤولية عن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وذلك ليبرر هجمات بلاده على دول الخليج.
ليس مستغرباً أن يحمل ظريف – جرياً على المنوال الإيراني – الدول العربية مسؤولية الهجمات على بلاده، لتبرير هجماتها على تلك الدول، لكن لا يمكن أن يكون هذا طرح من يدعو «إلى إعادة تقييم استراتيجي في غرب آسيا»، حسب عنوان مقال الوزير الإيراني، ذلك أن من يطرح هذا الطرح يفترض به أن يشير إلى الأخطاء والخطايا التي ارتكبها نظامه، في حق جيرانه العرب، بدلاً من تحميلهم مسؤولية الهجوم الذي أدانه العرب، والذي نتج عن سوء تقدير لموازين القوى الدولية.
ذكرني مقال ظريف بالرواية الإيرانية أثناء الحرب الإيرانية العراقية، وهي الرواية التي كانت تطلق تسمية «العدوان العراقي» على عملية تحرير الفاو من الاحتلال الإيراني الذي كان يُسمى «الجهاد المقدس». هذه المغالطات الإيرانية قد تكون مفيدة، إزاء إضفاء قدر من الطمأنينة الذاتية ومفيدة للدعاية الداخلية التي تحاول الإقناع بصوابية الموقف، لكن تلك المغالطات لا يمكن أن تشكل دعوة حقيقية لإعادة النظر في طبيعة العلاقات العربية الإيرانية.
وقد صدَّر ظريف مقاله باقتباس من بيان لمجلس التعاون لدول الخليج العربية يقول: «الهجمات الإيرانية أدت أيضا إلى فقدان حاد في ثقة دول المجلس بإيران، الأمر الذي يستلزم من إيران المبادرة ببذل جهود جادة لإعادة بناء الثقة»، صدّر الوزير السابق المقال بهذه العبارة لا ليناقشها، بل لينقضها وينفيها، بطريقة لا توحي بإرادة حقيقية «لإعادة تقييم استراتيجي» يطالب به ظريف، ولكن على الطريقة الإيرانية التي ترى في حروبها الطائفية في المنطقة ضرباً من «الجهاد المقدس»، وترى في البراميل المتفجرة التي سقطت على السوريين، وأكثر من مليون لغم زرعت في الأراضي اليمنية، ترى في ذلك ضرباً من «نصرة المستضعفين».
وبعد الاقتباس التصديري في المقال يرد ظريف على بيان مجلس التعاون بالعبارة «وبينما تُعد إعادة بناء الثقة في منطقتنا هدفا ساميا وأساسيا، وبينما لطالما بادرت إيران في هذا الصدد، فإنه من الضروري أن تُقر جميع الأطراف بدورها في هذا الوضع المؤسف الراهن»، وقد يتوهم القارئ أن عبارة «أن تقر جميع الأطراف بدورها في هذا الوضع المؤسف الراهن»، تشي بقدر من الموضوعية التي تحمل جميع الأطراف المسؤولية، إلا أن مضمون المقال يذهب مذهباً آخر، باعتبار أن الأطراف المعنية التي يجب أن تقر بدورها في هذا الوضع هي الأطراف العربية، لأن المقال ذهب لإثبات جدلية واحدة، تقوم على أساس براءة إيران من مسؤولية الوصول إلى هذا الوضع، وتحميل الأطراف العربية المسؤولية كاملة.
ينبغي لإيران التفريق بين «الجهاد المقدس» و»العدوان الواضح»، بين «الفتن الطائفية» و»الوحدة الإسلامية»، بين «نصرة المستضعفين» و»التدخل في الشؤون الداخلية»، بين «التعاون الإقليمي» و«الطموح الإمبراطوري»
كان على ظريف أن يعمد إلى ضبط المصطلح للتفريق بين «الجهاد المقدس» و»العدوان الواضح»، بين «الفتن الطائفية» و»الوحدة الإسلامية»، بين «نصرة المستضعفين» و»التدخل في الشؤون الداخلية»، بين «التعاون الإقليمي» و»الطموح الإمبراطوري»، بين العلاقات الطبيعية مع الحكومات، والعلاقات الشاذة مع الميليشيات، بين الموضوعية في الطرح الأكاديمي والذاتية في الخطاب السياسي، وعندما يتوصل هذا النظام الإيراني إلى الفهم الطبيعي المعقول، فإنه يمكن أن يتحدث بطريقة متوازنة، عوضاً عن الطريقة التي تأتي على قاعدة قلب الحقائق والمفاهيم والمصطلحات.
دعونا هنا نوجه بعض الأسئلة التي ربما تسلط الضوء على نقاط لا يراها، أو لا يريد أن يراها الوزير ظريف:
هل أنشأ العرب ميليشيات مزقت النسيج المجتمعي في إيران؟ هل أرسلوا الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة لميليشيات أنشؤوها لقتل الإيرانيين؟ هل تدخل العرب في الشأن الداخلي لإيران؟ هل لدى أي دولة عربية مصطلحات، مثل «تصدير الثورة»، أو «ولي أمر المسلمين» المفوض من «الإمام المهدي» بالتدخل في الشؤون الداخلية؟ ثم من تفاخر بسيطرة بلاده على أربع عواصم عربية؟
وحتى الحرب الإيرانية على العراق تثبت الوثائق التاريخية أن إيران بعد مجيء الخميني هي من بدأتها، بالاستهداف اليومي للقوات العراقية، عبر الحدود، وحتى لو سلمنا بأن العراق هو من بدأها فإن العراق قبل وقف إطلاق النار في العام الأول، وظل الخميني يرفض سفك الدماء سبع سنوات بعدها.
وهناك سؤالان مهمان لحضرة الوزير: من وظف فلسطين، وهي أقدس قضايانا العربية والإسلامية، من وظفها توظيفاً نفعياً، لاختراق المجتمعات العربية، وبسط هيمنة طهران؟ ومع من وقفت إسرائيل في الحرب العراقية الإيرانية، ولصالح من عقدت صفقات الأسلحة؟ ثم ألم تزود إيران إسرائيل بمعلومات وصور عن المفاعل النووي العراقي الذي دمرته إسرائيل، في ضربة جوية؟ ألم يتحدث المسؤولون الإيرانيون عن مساعدتهم لأمريكا، في غزو العراق وأفغانستان؟
وغير هذا: ألم يكن السنة والشيعة في العراق ولبنان وغيرهما من البلدان العربية يعيشون إجمالاً في وئام، إلى أن جاء نظام الخميني، وأشعل الحرائق الطائفية في كل مكان وصل إليه؟ ثم هل المطلوب من العرب الوقوف مع إيران لمجرد أنها اختلفت مع إسرائيل على تقاسم النفوذ في المشرق العربي؟
يقول المسيح عليه السلام: «لماذا تنظر إلى القشة في عين أخيك، ولا تبالي بالخشبة في عينك؟…يا مُرائي، أخرج الخشبة من عينك أولًا، حتى تُبصر جيدًا، فتُخرج القشة من عين أخيك». وفي هذه العبارة نصيحة ذهبية لظريف ومن ورائه النظام في طهران، حيث يمكن للقادة الإيرانيين أن يبصروا جيداً إذا أخرجوا الخشبة من أعينهم، وحينها يمكن بسهولة تناول القشة من عيون الآخرين وإخراجها، حال وجودها.
ليس مستغرباً أن يحمل ظريف – جرياً على المنوال الإيراني – الدول العربية مسؤولية الهجمات على بلاده، لتبرير هجماتها على تلك الدول، لكن لا يمكن أن يكون هذا طرح من يدعو «إلى إعادة تقييم استراتيجي في غرب آسيا»، حسب عنوان مقال الوزير الإيراني، ذلك أن من يطرح هذا الطرح يفترض به أن يشير إلى الأخطاء والخطايا التي ارتكبها نظامه، في حق جيرانه العرب، بدلاً من تحميلهم مسؤولية الهجوم الذي أدانه العرب، والذي نتج عن سوء تقدير لموازين القوى الدولية.
ذكرني مقال ظريف بالرواية الإيرانية أثناء الحرب الإيرانية العراقية، وهي الرواية التي كانت تطلق تسمية «العدوان العراقي» على عملية تحرير الفاو من الاحتلال الإيراني الذي كان يُسمى «الجهاد المقدس». هذه المغالطات الإيرانية قد تكون مفيدة، إزاء إضفاء قدر من الطمأنينة الذاتية ومفيدة للدعاية الداخلية التي تحاول الإقناع بصوابية الموقف، لكن تلك المغالطات لا يمكن أن تشكل دعوة حقيقية لإعادة النظر في طبيعة العلاقات العربية الإيرانية.
وقد صدَّر ظريف مقاله باقتباس من بيان لمجلس التعاون لدول الخليج العربية يقول: «الهجمات الإيرانية أدت أيضا إلى فقدان حاد في ثقة دول المجلس بإيران، الأمر الذي يستلزم من إيران المبادرة ببذل جهود جادة لإعادة بناء الثقة»، صدّر الوزير السابق المقال بهذه العبارة لا ليناقشها، بل لينقضها وينفيها، بطريقة لا توحي بإرادة حقيقية «لإعادة تقييم استراتيجي» يطالب به ظريف، ولكن على الطريقة الإيرانية التي ترى في حروبها الطائفية في المنطقة ضرباً من «الجهاد المقدس»، وترى في البراميل المتفجرة التي سقطت على السوريين، وأكثر من مليون لغم زرعت في الأراضي اليمنية، ترى في ذلك ضرباً من «نصرة المستضعفين».
وبعد الاقتباس التصديري في المقال يرد ظريف على بيان مجلس التعاون بالعبارة «وبينما تُعد إعادة بناء الثقة في منطقتنا هدفا ساميا وأساسيا، وبينما لطالما بادرت إيران في هذا الصدد، فإنه من الضروري أن تُقر جميع الأطراف بدورها في هذا الوضع المؤسف الراهن»، وقد يتوهم القارئ أن عبارة «أن تقر جميع الأطراف بدورها في هذا الوضع المؤسف الراهن»، تشي بقدر من الموضوعية التي تحمل جميع الأطراف المسؤولية، إلا أن مضمون المقال يذهب مذهباً آخر، باعتبار أن الأطراف المعنية التي يجب أن تقر بدورها في هذا الوضع هي الأطراف العربية، لأن المقال ذهب لإثبات جدلية واحدة، تقوم على أساس براءة إيران من مسؤولية الوصول إلى هذا الوضع، وتحميل الأطراف العربية المسؤولية كاملة.
ينبغي لإيران التفريق بين «الجهاد المقدس» و»العدوان الواضح»، بين «الفتن الطائفية» و»الوحدة الإسلامية»، بين «نصرة المستضعفين» و»التدخل في الشؤون الداخلية»، بين «التعاون الإقليمي» و«الطموح الإمبراطوري»
كان على ظريف أن يعمد إلى ضبط المصطلح للتفريق بين «الجهاد المقدس» و»العدوان الواضح»، بين «الفتن الطائفية» و»الوحدة الإسلامية»، بين «نصرة المستضعفين» و»التدخل في الشؤون الداخلية»، بين «التعاون الإقليمي» و»الطموح الإمبراطوري»، بين العلاقات الطبيعية مع الحكومات، والعلاقات الشاذة مع الميليشيات، بين الموضوعية في الطرح الأكاديمي والذاتية في الخطاب السياسي، وعندما يتوصل هذا النظام الإيراني إلى الفهم الطبيعي المعقول، فإنه يمكن أن يتحدث بطريقة متوازنة، عوضاً عن الطريقة التي تأتي على قاعدة قلب الحقائق والمفاهيم والمصطلحات.
دعونا هنا نوجه بعض الأسئلة التي ربما تسلط الضوء على نقاط لا يراها، أو لا يريد أن يراها الوزير ظريف:
هل أنشأ العرب ميليشيات مزقت النسيج المجتمعي في إيران؟ هل أرسلوا الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة لميليشيات أنشؤوها لقتل الإيرانيين؟ هل تدخل العرب في الشأن الداخلي لإيران؟ هل لدى أي دولة عربية مصطلحات، مثل «تصدير الثورة»، أو «ولي أمر المسلمين» المفوض من «الإمام المهدي» بالتدخل في الشؤون الداخلية؟ ثم من تفاخر بسيطرة بلاده على أربع عواصم عربية؟
وحتى الحرب الإيرانية على العراق تثبت الوثائق التاريخية أن إيران بعد مجيء الخميني هي من بدأتها، بالاستهداف اليومي للقوات العراقية، عبر الحدود، وحتى لو سلمنا بأن العراق هو من بدأها فإن العراق قبل وقف إطلاق النار في العام الأول، وظل الخميني يرفض سفك الدماء سبع سنوات بعدها.
وهناك سؤالان مهمان لحضرة الوزير: من وظف فلسطين، وهي أقدس قضايانا العربية والإسلامية، من وظفها توظيفاً نفعياً، لاختراق المجتمعات العربية، وبسط هيمنة طهران؟ ومع من وقفت إسرائيل في الحرب العراقية الإيرانية، ولصالح من عقدت صفقات الأسلحة؟ ثم ألم تزود إيران إسرائيل بمعلومات وصور عن المفاعل النووي العراقي الذي دمرته إسرائيل، في ضربة جوية؟ ألم يتحدث المسؤولون الإيرانيون عن مساعدتهم لأمريكا، في غزو العراق وأفغانستان؟
وغير هذا: ألم يكن السنة والشيعة في العراق ولبنان وغيرهما من البلدان العربية يعيشون إجمالاً في وئام، إلى أن جاء نظام الخميني، وأشعل الحرائق الطائفية في كل مكان وصل إليه؟ ثم هل المطلوب من العرب الوقوف مع إيران لمجرد أنها اختلفت مع إسرائيل على تقاسم النفوذ في المشرق العربي؟
يقول المسيح عليه السلام: «لماذا تنظر إلى القشة في عين أخيك، ولا تبالي بالخشبة في عينك؟…يا مُرائي، أخرج الخشبة من عينك أولًا، حتى تُبصر جيدًا، فتُخرج القشة من عين أخيك». وفي هذه العبارة نصيحة ذهبية لظريف ومن ورائه النظام في طهران، حيث يمكن للقادة الإيرانيين أن يبصروا جيداً إذا أخرجوا الخشبة من أعينهم، وحينها يمكن بسهولة تناول القشة من عيون الآخرين وإخراجها، حال وجودها.
نيسان ـ نشر في 2026-05-21 الساعة 12:52
رأي: محمد جميح


