اتصل بنا
 

ما الذي تريده إسرائيل من لبنان؟

*كاتب وأكاديمي لبناني

نيسان ـ نشر في 2026-05-24 الساعة 13:53

نيسان ـ تسود في الكثير من المواقف اللبنانية الراهنة تجاه إسرائيل مقولات تتجاهل وجود سياسات تعتمدها الأخيرة تجاه محيطها المباشر، أو على الأقل، تعدّ السياسات هذه مجرّد ردود أفعال يمكن على الدوام تجنّبها.
والأرجح أن هذه المواقف، إن استثنينا من يطلقها من المُجاهرين بتوقهم لسلام وتطبيع مع إسرائيل، تبدو غالباً ردّاً على مقولات مضادة سادت لفترة وما زالت اليوم لسان حال حزب الله، ومفادها أن إسرائيل لا تنتظر أبداً ذريعة لشنّ الحروب، وأن الحكي عن مسؤولية «إسناد غزة» أو «الثأر للولي الفقيه» في استجلاب العدوان لا صحة ولا قوام له.
تعدّد أسباب العدوان
على أن مراجعةً لتاريخ الحروب الإسرائيلية في لبنان تُبيّن تهافت المواقف المذكورة بشقّيها.
فليس صحيحاً على الدوام أن إسرائيل لا تحتاج لذرائع لشن حروبها، رغم استثنائية الدعم الأمريكي لها. ويُفترض، في أي حال، بكل طرف سياسي أو عسكري أن يفعل ما بوسعه لتجنّب الحروب هذه، خاصة وأن التجارب جميعها أظهرت حجم الأثمان المدفوعة في كل حرب، وفارق القوة النيرانية والتكنولوجية المستمرّ في الاتساع. وهذا بالطبع ما لم يفعله حزب الله، ومن خلفه إيران، منذ تحرير الجنوب العام 2000.
في المقابل، ليس صحيحاً أن إسرائيل لا تتصرّف إلا وفق إيقاعات خصومها أو جيرانها، وتبعاً لإراداتهم، وكأنها لا تبادر إلا بمقدار المبادرات تجاهها. ففي قول أمر مشابه جهل بحيثيات سلوك دولة نشأت على معادلتين: معادلة احتلال الأراضي والتوسّع فيها، ومعادلة «ردع» الجيران عبر إنزال أكبر الخسائر دورياً فيهم لإبقائهم تحت سطوتها والخشية من أفعالها.
ولتنفيذ ذلك، عمدت تل أبيب على الدوام إلى التهجير والقتل والتدمير وسرقة المياه وحرق الزراعة، وإلى التحالف مع جيران الجيران لمحاصرتهم (إيران الشاه وتركيا العسكر وإثيوبيا لفترة طويلة، وأذربيجان والهند وإثيوبيا تكراراًمنذ سنوات)، والاتكال على الدعم الأوروبي في الخمسينات والستينات ثم الدعم الأمريكي ابتداءً من السبعينات لفرض هيمنتها.
هكذا، شنت الجماعات الصهيونية بعد مجازر العامين 1947 و1948 وعمليات الاستيلاء على الأراضي والتطهير العرقي في فلسطين والمواجهة الأولى لدولة إسرائيل مع بعض الجيوش العربية (وما تخلّلها من هجمات داخل الجنوب اللبناني والقتل في بلدة حولا)، حرباً على مصر العام 1956 بالتحالف مع فرنسا وبريطانيا لأسباب لا «علاقة مباشرة» لها بها (تأميم قناة السويس ودعم عبد الناصر لحرب التحرير في الجزائر)، وإنما من أجل ضرب الدولة العربية الأكبر ومنع تحوّلها إلى قوة سياسية وعسكرية واقتصادية فاعلة. وهكذا أيضاً، شّنت حربها الخاطفة، بذرائع استباقية وعلى أساس التحجّج بإجراءات مصرية وتهديد سوري، العام 1967، فاحتلّت القدس الشرقية والضفة وغزة ثم سيناء والجولان ومزارع شبعا (المملوكة من لبنانيين والواقعة داخل الأراضي السورية).
وبين أواخر الستينات والعام 1978، هاجمت إسرائيل مطار بيروت ودمّرت الطائرات المدنية فيه بحجة تسلّل مقاتلين فلسطينيين منه لتنفيذ عملية في أثينا (وهي ذريعة لا مثيل لها في العالم، إذ يكفي تخيّل المطارات التي يمكن لدول قصفها إن اتّهمت مسافراً باستخدامها في تنقّلاته السابقة لخطفٍ أو لعمل أمني)! وقصفت بلدات جنوبية لبنانية رداً على عمليات فلسطينية عبرها بعد صعود الكفاح المسلّح وتركّزه في جنوب لبنان. وهذا يُعتبر «عقوبة جماعية»، أي أنه جريمة حرب في القانون الدولي الإنساني. ويجدر بنا التذكير هنا بثلاثة أمور حول القتال الفلسطيني وقتها. الأول أنه لم يحصل سوى بعد عشرين عاماً من تهجير الفلسطينيين إلى لبنان، وبعد فقدان الأمل بالحلول السياسية وبقرار الأمم المتحدة للعام 1949 الخاص بحق العودة. والثاني أنه جاء في وقت كان الفلسطينيون المحرومون من كامل حقوقهم المدنية منذ وصولهم إلى بيروت (وحتى اليوم) يعانون من تضييق أمني إضافي على مخيماتهم المنتشرة فوق الأراضي اللبنانية. والثالث أنه تصاعد بعد الصدام العام 1970 مع الجيش الأردني في المملكة الهاشمية التي «وطّنت» أو «جنّست» جميع اللاجئين إليها قبل العام 1967، فباتوا أكثرية ديموغرافية نسبية بين مواطنيها.
وبعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية العام 1975، بات للجيش الإسرائيلي عمليات مباشرة داخل الأراضي اللبنانية دعماً لميليشيات تحوّلت لاحقاً إلى جيش لبنان الحر ثم جيش لبنان الجنوبي، وكانت درعه اللبناني المباشر. تخلّل نشوءَها وتحوّلاتها اجتياحا العامين 1978 و1982 وجرائمهما وإنشاء الشريط الحدودي ورحيل المقاتلين الفلسطينيين وتتابُع حقبات الحرب اللبنانية والتدخّلات السورية وهيمنة نظام الأسد على أجزاء من لبنان، ونشوء حزب الله وتحوّله بعد سنوات قاد فيها اليسارُ مقاومة إسرائيل إلى القوة الرئيسية في هذه المقاومة،لأسباب إقليمية وداخلية، حتى التحرير العام 2000.
ولعلّ ما جرى بعد التحرير يدفعنا إلى تقييم جديد لصفحةٍ ما زالت مفاعيلها تعصف بلبنان اليوم في حرب تدميرية لم يسبق أن شهد البلد والمنطقة ما يماثلها من قبل، باستثناء غزة، لجهة التدمير الكامل لقرى وبلدات وتهجير لجميع سكّانها على نحو يصعب تخيّل عودتهم في المقبل من الأشهر، وربما من السنوات.
إسرائيل و»الشرق الأوسط الجديد»
استمرّ حزب الله بعد العام 2000، ثم بعد تحرّر لبنان من الهيمنة السورية العام 2005، على سلاحه ضد إرادة قسم كبير من اللبنانيين. وربط مصير السلاح بأمور خرجت عن منطق «حماية جنوب لبنان» لتصبح ربطاً واضحاً بمصالح إيران في المنطقة. فبعد الحرب العام 2006 التي بدأها بحجّة أسر جنود إسرائيليين لمبادلتهم بأسرى لبنانيين في السجون الإسرائيلية في عزّ الكلام عن برنامج نووي إيراني، وبعد إرساله الآلاف من مقاتليه إلى سوريا دعماً لنظامها لأسباب إيرانية ولتأمين خطّ إمداده بالسلاح، وبعد سنوات من التوترات السياسية والأمنية والانهيارات المالية والاقتصادية وانفجار مرفأ بيروت، أعلن الحزب «حرب إسناد» لغزة العام 2023. أفضت الحرب التي لم يُحسن الخروج منها قبل تصاعدها الميداني، أو لم تسمح له إيران بذلك، إلى تدمير إسرائيلي واسع لبلدات في الجنوب والبقاع والضاحية، وإلى اغتيال أمين عام الحزب ومعظم قيادات الصف الأول العسكرية والأمنية والتنظيمية، وإلى تعطيل جزء كبير من قوته الصاروخية غير القادر اليوم على استبدالها أو مدّها بما تحتاج إليه لتشغيلها بعد السقوط الأسدي وإقفال الحدود السورية. ولم تؤدّ الحرب إلى أي إسناد لغزة، حيث أتمّت إسرائيل تدميرها الكامل للقطاع ونفّذت فيه جريمة إبادة جماعية ما زالت مستمرة إلى الآن.
مع ذلك، أعلن الحزب العام 2026 فتح جبهة «إسناد» لإيران هذه المرة، فتحوّلت الحرب الإسرائيلية عليه، التي لم تتوقّف فعلياً بعد «وقف إطلاق النار» أواخر العام 2024، إلى حرب شاملة لإبادة العمران الجنوبي وضرب الضاحية والعاصمة واحتلال منطقة واسعة محروقة ومفرغة من السكان.
على أن الاكتفاء بقول ما سبق لا يقدّم صورة أمينة للأوضاع.
ذلك أن إنفاق إسرائيل لموازنات طائلة وتشغيلها لأجهزتها المخابراتية وتوظيفها لبرامج الذكاء الاصطناعي منذ سنوات طويلة سابقة لحرب الإسناد العام 2023، بما فيها اختراق الحزب في سوريا وصفقة البايجرز التي أعدّتها للتجسّس عليه ثم تفجير آلاف الأجهزة استهدافاً لعناصره وعائلاتهم، ورصد مواقعه وأماكن إقامة مسؤوليه، واختراق منظوماته الأمنية وكاميراته في الجنوب والضاحية، وتحضير الأسلحة المناسبة للتعامل مع مراكزه كافة، تحت الأرض وفوقها، تظهر أن الخيار العسكري ضده كان خياراً مطروحاً ومعدّاً وتجري بلورته تدريجياً منذ عقدين من الزمن، وينتظر التنفيذ في لحظة إعلان إسرائيل الحرب على إيران. والأخيرة حرب كانت لتقع ما أن تقترب طهران من الصناعة النووية الحربية، خاصة أن إسرائيل كانت تعتبر، بلسان رئيس حكومتها، منذ العام 2020، أي بموازاة اتفاقات أبراهام المرعية من قبل ترامب لفرض «شرق أوسط جديد»، تختفي فيه فلسطين من الخريطة (التي أبرزها نتنياهو أكثر من مرة في محافل دولية)، أن إزالة «الخطر الإيراني» المتمثّل بالبرنامج النووي وبالصواريخ البالستية و»الأذرع الإقليمية» هو ما سيوفّر السلام والاستقرار في المنطقة. ولا شك أن حكومة اليمين المتطرّف التي نشأت بعد العام 2022 حملت برنامج حربٍ شاملة على الفلسطينيين، خاصة في القدس والضفة، مع إبقاء غزة تحت الحصار وتحت رحمة السماح بدخول المأكل والدواء وبعض التمويل إليها. ولا شكّ أيضاً أنها كانت تعدّ العدّة للمواجهة الحاسمة مع طهران.
التطوّرات بعد ذلك معروفة، وحسابات حركة حماس أخطأت تماماً بالتعامل مع الاستراتيجية الإسرائيلية، ومثلها حسابات حزب الله ثم إصرار إيران على دفعه لمواجهة جديدة تواكب الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها. فعوض بناء مقاربات فلسطينية ولبنانية (وإيرانية) لتجنّب الأسوأ، أو السعي لذلك، جرى الاندفاع نحو تسريع الصدام العسكري الذي حوّلته إسرائيل إلى إبادة جماعية وعمرانية.
ما العمل لبنانياً اليوم بعد كل ما جرى؟ هذا سؤال لا يمكن الإجابة عنه دون الأخذ بعين الاعتبار أن إسرائيل تريد فرض هيمنة على البلد، استكمالاً لمشروعها الإقليمي، وفيه توسّعها الميداني في سوريا، وتعزيز «تحالفاتها» مع الهند والإمارات وقبرص (واليونان) وإدخال لبنان ضمن جغرافيا نفوذها وإلزام الحكم في بيروت بالتنسيق الأمني معها، من دون التعهّد بالانسحاب الكامل أو بالسماح بعودة السكان إلى المناطق المحتلة والمدمرة.
وهذا يعني أننا أمام مرحلة شديدة الصعوبة، لا قدرة على مجابهتها من دون التفكير بدبلوماسية لبنانية جديدة تركّز على التعامل مع دول المنطقة، لا سيّما السعودية ومصر وتركيا وسوريا وباكستان، ومع أكبر عدد من الدول الأوروبية ومع الصين واليابان وغيرها، عوض الرهان على دونالد ترامب لوحده، كما تبدو الأمور اليوم، من أجل حشد كل دعم للبنان.
وهذا يعني أيضاً القيام بأي جهد ممكن مع طهران، بموازاة حوار داخلي لبناني، لفصل جبهة الجنوب عن الحرب في الخليج، وصولاً إلى تسلمّ الجيش اللبناني السلاح والأمن، بعد أن اتّضح بالملموس عدم تغيير الوقائع الجنوبية المأساوية لأي شيء في المسار العسكري الخليجي.
وهذا يعني أخيراً وليس آخراً الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية ليكون ممكناً مقاضاة إسرائيل على جرائمها واستخدام الأمر للضغط عليها.
وإذ يصعب تخيّل كل ما ورد اليوم على اعتباره «غير واقعي»، يمكن الجزم في المقابل، أن «الواقع» المُستَسلم له لا يبدو فعالاً في إيقاف الحرب، أو الحدّ من النزيف الداخلي، ولا هو يُتيح بسط الدولة لسلطتها المنشودة…
*كاتب وأكاديمي لبناني

نيسان ـ نشر في 2026-05-24 الساعة 13:53


رأي: زياد ماجد *كاتب وأكاديمي لبناني

الكلمات الأكثر بحثاً