اتصل بنا
 

ما مدى قانونية ادعاءات إيران في مضيق هرمز؟

محام وكاتب فلسطيني

نيسان ـ نشر في 2026-05-25 الساعة 12:48

نيسان ـ من الواضح أن قضية مضيق هرمز أصبحت المشكله الأكثر تعقيداً في مسار الصراع الإيراني- الصهيوأمريكي في منطقة الخليج. فمن خلال المضيق يمرّ 27% من النفط و22% من الغاز، فضلاً عن الأسمده والمواد البلاستيكية الأخرى. وهذا الاختناق يسبب أزمة طاقة وأزمة غذاء في الوقت ذاته، وعلى المستوى العالمي.
كان المضيق مفتوحاً للملاحة الدولية بلا عوائق، إلى أن وقع العدوان الأمريكي- الإسرائيلي في الثامن والعشرين من فبراير 2026، ولم يكن لذلك العدوان أية مبررات دفاعية، بل كان عدواناً، بكل المواصفات القانونية، كان عدواناً «مسلحاً» فاضحاً. ومن أهم مخرجات ذلك العدوان، أن أعلنت إيران بسط سيطرتها على المضيق، وأنشأت سلطة اسمتها «سلطة مضيق الخليج الفارسي»، تقوم على إدارة الملاحة وتنظيم المرور عبر مضيق هرمز، ووزعت إيران نموذجاً على مالكي ومشغلي السفن، الذين عليهم تعبئته وإرساله الى سلطة المضيق، فإن وافقت عليه السلطة سمحت لها بالمرور، وإلاّ فإنها ترفضه وتمنع مرور تلك السفن.
ولم يرد في النموذج شرط دفع الرسوم، ويُقال أن إيران غيّرت المسمّى بأنه رسم مقابل خدمات. ومع ذلك، ما زال العدوان مستمراً رغم خفوت صوت السلاح. وقبل الدخول في مناقشة الموقف الأمريكي، لا بدّ من الإشارة إلى أن موقف دول الخليج العربية، باعتبارها دولاً مشاطئة ولها حقوق مرور عبر زمن طويل وعُرف مستقر، لها حق المرور دون عوائق، أو حتى تعبئة نماذج فهي صاحبة حق أصيل في المرور، وتملك مواقف قانونية قوية في مواجهة إيران.
كان المضيق مفتوحاً للملاحة الدولية بلا عوائق، إلى أن وقع العدوان الأمريكي- الإسرائيلي ولم تكن له أية مبررات دفاعية، بل كان عدواناً، بكل المواصفات القانونية، كان عدواناً «مسلحاً» فاضحاً
احتجت الولايات المتحدة على التصرف الإيراني، وأثار بعض الكتاب والمعلقين المؤيدين للولايات المتحدة وإسرائيل، بأن ما قامت به إيران خرق لاتفاقية البحار الدولية، وأن المرور البريء مسموح ومصان بموجب تلك الاتفاقية، إلاّ أنهم يغفلون أن إيران لم تصادق على تلك الاتفاقية، وبالتالي هي غير ملزمة إلاّ بمبادئ القانون الدولي العرفي، فالأعراف القانونية ملزمة للدول، ولو أنها لم تشارك في صياغتها، بعكس الالتزامات الناتجة عن اتفاقيةعلى تعاقدية. ومع ذلك، فإن المادة (39) من الفصل الخاص بالمضائق البحرية تنص في الفقرة الأولى على أن على السفن والطائرات التي تطير فوق المضائق أن تعبر من دون تأخير. أما الفقرة الثانية منها، فقد نصت على أن على السفن والطائرات «أن تمتنع عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السيادة الوطنية والوحدة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول المشاطئة للمضيق».
إن الولايات المتحدة وعلى لسان رئيسها، وهو القائد العام لقواتها المسلحة، يهدد باستمرار، وفي أكثر من مناسبة، بإعادة إيران إلى العصر الحجري، أو أنه سيفتح أبواب جهنم عليها ويستهزئ حتى بمعتقداتها الدينية. وهذه أقوال رسمية لرئيس الدولة، وهي تهديدات بـ»الإبادة» المطلقة، ذلك أن إعادة مجتمع بأكمله إلى العصر الحجري لا يعني إلاّ إبادة كل شيء في الدولة المستهدفة. لذلك، ما لجأت إليه إيران من إنشاء سلطة المضيق، ما هو إلاّ اجراء دفاعي واضح. فضلاً عن أن الرئيس ترامب لم يقتصر على «التهديد» باستخدام القوه، بل استخدمها فعلاً مرتين في أقل من عام.
وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى التواطؤ الأمريكي- الإسرائيلي للعدوان على إيران، لحرمانها من حقوقها الطبيعية في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، وقد أجازت اتفاقية منع انتشار السلاح النووي للدول الأعضاء- وإيران واحدة من هذه الدول- على التخصيب للأغراض السلمية. وللعلم، فإن إسرائيل ترفض الانضمام لهذه المعاهدة. وقد سجّل الدكتور محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة النووية، في كتابه «سنوات الخداع» هذا التواطؤ وخذلان إيران المستمر من الدول الغربية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، ويشير البرادعي إلى أن حسن روحاني، وكان آنذاك الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني وقّع مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا على اتفاقية تتعهد هذه الدول فيها بتزويد إيران بالتكنولوجيا النووية للأغراض السلمية وتتوقف إيران عن التخصيب مقابل ذلك. وأخلّت هذه الدول بالتزاماتها وأخيراً عرضت تكنولوجيا للأغراض البحثية فقط. وفي لقائه مع الرئيس بوش الابن قال البرادعي، إن بوش اعترف له بأنه يخشى من قيام إسرائيل بضرب إيران، ولذلك يقوم بالضغط على إيران. ولكننا نعلم الآن علم اليقين أن إسرائيل لا تستطيع القيام بعملية عسكرية ضد إيران من دون الولايات المتحدة. وينقل البرادعي عن جناح الصقور في الإدارة الأمريكية أيام بوش أنه كان لديهم التصميم على ضرورة «توجيه ضربة لإيران وتغيير النظام»، لأن إيران «تهدد الوجود الإسرائيلي.» ومع ذلك ينقل عن جورج تينيت، مدير المخابرات الأمريكية، إنه كان مقتنعاً بأن إيران تسعى لإنتاج أسلحة نووية»، ولكن لا دليل لديه باعترافه».
ويؤكد البرادعي «أن أحداً في الغرب ليس لديه الدليل على أن إيران تطور سلاحاً نووياً». وهذه أدلة تؤكد القصد المبرمج لدى الولايات المتحدة بالاعتداء على إيران خدمةً لإسرائيل، ما يعزز جديّة تهديد الرئيس ترامب بتدمير إيران تدميراً شاملاً.
وتجد إيران أيضاً سنداً ومرتكزاً قانونياً آخر في السابقة التاريخية التي ابتدأتها الولايات المتحدة في عام 1950. فمع اندلاع الحرب الباردة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لجأت الولايات المتحدة إلى فرض «منطقة التعريف الجوي»، وهي منطقة تمتد الى (250) ميلاً من الشاطئ الشرقي والمسافة ذاتها من الشاطئ الغربي للسواحل الأمريكية، وفرضت الحكومة الأمريكية على كل طائرة مدنية متجهة الى أيٍ من المطارات الأمريكية، أن تعرّف عن جنسيتها وطبيعة رحلتها وأية بيانات أخرى مطلوبة لنقطة اتصال أمريكية محددة، وهي نقطة اتصال عسكرية وليست تابعة لسلطة الطيران المدني الأمريكية. وللعلم، هناك أكثر من عشرين دولة في مختلف القارات اتبعت النموذج الأمريكي وأعلنت عن «مناطق التعريف الجوي» في شواطئها ولمسافات مختلفة ولم نسمع عن احتجاجات على هذه التصرفات.
فإذا كانت الولايات المتحدة تسيطر وتفرض إدارتها على حوالي خمسمئة ميل من المجال الجوي في طرفي الولايات المتحدة، وهو مجال جوي خارج السيطرة والسيادة الأمريكية، أليس من المقبول أن تفرض إيران سيطرتها على مياهها الإقليمية، لاسيما وأنها تقع ابتداءً من مدخل المضيق من جهة بحر العرب إلى شمال الخليج؟

نيسان ـ نشر في 2026-05-25 الساعة 12:48


رأي: أنيس فوزي قاسم محام وكاتب فلسطيني

الكلمات الأكثر بحثاً