اتصل بنا
 

عن شاليه دير علا وكهنة الهتك العلني … إنه زمن المتلصصين الكبار

نيسان ـ نشر في 2026-05-25 الساعة 17:11

عن شاليه دير علا وكهنة الهتك
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
ثمة جرائم لا تصدمك لبشاعتها فقط، بل لأنها تكشف إلى أي حد يمكن للإنسان أن يسقط أخلاقيا حين يتحول فضول السلطة أو المال أو النزوة إلى انتهاك كامل لحرمة الآخرين وخصوصيتهم.
وأنا أقرأ قرار محكمة الجنايات الكبرى الأردنية في قضية صاحب الشاليه في دير علا، شعرت أنني لا أقرأ مجرد ملف جنائي، بل أقرأ قصة انهيار أخلاقي كامل؛ رجل لم يجد وسيلة للتكسب أو لإشباع مرضه النفسي سوى زرع كاميرات خفية في غرف النوم والصالونات، ليتحول إلى متلصص محترف على خصوصيات الناس وأسرارهم ولحظاتهم الأكثر هشاشة.
تخيلوا حجم الانحطاط الإنساني في أن يجلس شخص خلف شاشة، يراقب عائلات جاءت باحثة عن الراحة والطمأنينة، بينما هو يسرق أمنها النفسي، ويهتك سترها في أكثر اللحظات خصوصية. الجريمة هنا لا تتعلق بالكاميرا فقط، بل بالخيانة؛ خيانة الثقة، وخيانة الشعور بالأمان.
لكن بينما كنت أتابع هذه القضية المقززة، قفز إلى ذهني مشهد آخر أكبر وأكثر رعبا: المشهد السياسي العالمي نفسه.
قلت لنفسي فجأة إن صاحب شاليه دير علا، على رداءة فعله، ليس سوى تلميذ صغير في مدرسة "الهتك العلني" التي يديرها اليوم كهنة السياسة في واشنطن وتل أبيب.
الفرق الوحيد أن الرجل أخفى كاميراته داخل الجدران، بينما تُنصب كاميرات القوى الكبرى اليوم على الهواء مباشرة، أمام العالم كله، لتوثق هتك القانون الدولي، وكرامة الشعوب، وسيادة الدول، دون خوف من محكمة أو مجلس أمن أو ضمير إنساني.
انظروا إلى غزة، إلى بيروت، إلى المدن التي تحولت إلى شاشات مفتوحة للموت المجاني. القتل يُبث بالصوت والصورة، والدمار يعرض كأنه مشهد اعتيادي في نشرة أخبار، فيما يقف العالم متفرجا، عاجزا أو متواطئًا.
وفي الخلفية، هناك دائما عقلية واحدة تحكم المشهد:
عقلية المتلصص الذي يرى الناس مجرد أدوات، والأوطان مجرد خرائط قابلة للبيع والشراء، والبشر مجرد أرقام في لعبة النفوذ.
هؤلاء أيضا يمارسون فعل "التعرية"، لكن على مستوى أمم كاملة.
يعرّون عجز النظام الدولي، ويكشفون هشاشة القانون العالمي، ويفضحون ضعف النظام العربي الذي بدا أحيانًا كأنه اعتاد دور الضحية المراقَبة.
والأخطر من الجريمة نفسها… هو خطاب التبرير.
صاحب الشاليه ربما أقنع نفسه بمرض نفسي أو منفعة مالية. أما كهنة السياسة في واشنطن وتل أبيب، فيبررون كل هذا الخراب بخرافات دينية، وأوهام توراتية، وصفقات انتخابية، وتحالفات مع اليمين المتطرف، وكأن مصائر ملايين البشر مجرد قرابين تُقدّم على مذبح السلطة.
نعم، نحن نعيش فعلا في زمن "الشاليه الكبير".
عالم مكشوف بالكامل، تُراقب فيه الشعوب بالطائرات والكاميرات والأقمار الصناعية، بينما يحتكر "المتلصصون الكبار" أزرار التحكم بالمصائر والحروب والسرديات.
وإذا كان القضاء الأردني قد أنصف العدالة وأدان صاحب شاليه دير علا، فإن البشرية كلها ما تزال تنتظر عدالة أكبر؛ عدالة تعيد للإنسان ستره، وللشعوب كرامتها، وللعالم شيئا من أخلاقه التي سقطت تحت أقدام القوة والغطرسة.
فبعض الجرائم لا تُرتكب في الغرف المغلقة فقط…
بل أحيانا تُرتكب على الهواء مباشرة، أمام العالم كله.

نيسان ـ نشر في 2026-05-25 الساعة 17:11

الكلمات الأكثر بحثاً