اتصل بنا
 

مهرجان جرش...تشتيت العروض خارج المدينة العتيقة..وتشويش هوية المهرجان

نيسان ـ نشر في 2026-05-25 الساعة 18:18

مهرجان جرش.. .تشتيت العروض خارج المدينة
نيسان ـ يقف مهرجان جرش اليوم أمام أزمة هوية حقيقية، لا تتعلق بتراجع فني عابر أو بملاحظات تنظيمية موسمية، بل بمسار كامل من التشويش الذي أصاب فلسفة المهرجان ومعناه الثقافي. فالمشكلة لم تعد في عدد الحفلات أو طبيعة الأسماء المشاركة، وإنما في الطريقة التي يُعاد فيها تفكيك صورة جرش التاريخية وتحويلها تدريجيًا إلى موسم ترفيهي فاقد للخصوصية، يمكن نقله إلى أي مدينة دون أن يخسر شيئًا من شكله الحالي. وهنا تحديدًا تكمن الخطورة.
لقد تأسس مهرجان جرش بوصفه حدثًا مرتبطًا بالمكان؛ بالمدينة الأثرية، بالمسارح الرومانية، وبذلك التداخل النادر بين الفن والتاريخ. هذه العلاقة هي التي صنعت فرادته عربيًا، ومنحته صورته الراسخة في الوعي الثقافي. أما التوسع المستمر في إقامة الحفلات خارج المدينة العتيقة، فقد سحب من المهرجان جوهره الأساسي، وحوّل اسمه إلى مجرد عنوان إداري لا أكثر. والأسوأ أن معظم الحفلات التي أُقيمت في المحافظات خارج فضاء جرش الأثري لم تحقق أصلًا حضورًا جماهيريًا حقيقيًا، وهنا يصبح السؤال مشروعًا: ما الجدوى من هذا التوسع إذا كان يستهلك الميزانيات ويُضعف هوية المهرجان، دون أن يصنع أثرًا جماهيريًا أو ثقافيًا ملموسًا؟.
في المقابل، يثير الإصرار على تكراروتدوير أسماء فنية بعينها مؤخرا، كثيرًا من الأسئلة التي لم تعد قابلة للتجاهل. فالمهرجانات الكبرى تُقاس بقدرتها على التجدد وفتح المجال أمام تجارب حقيقية ومتنوعة، لا بتحويل منصاتها إلى دائرة مغلقة تتكرر فيها الأسماء نفسها مهما تبدلت الظروف وتراجعت القيمة الفنية لبعضها. هذا التكريس المستمر لفنانين محددين يخلق انطباعًا بأن المسألة لم تعد مرتبطة بالمعيار الفني وحده، بل بشبكة مصالح وعلاقات واعتبارات غير واضحة.
والأخطر أن المنصة "جرش"التي كانت يومًا معيارًا للذائقة الفنية العربية أصبحت مهددة بالانزلاق نحو منطق الاستهلاك السريع. فليس كل من يحقق انتشارًا رقميًا مؤقتًا يستحق الوقوف على مسرح جرش. المهرجان ليس مساحة للضجيج العابر، ولا لتقديم عروض قائمة على إعادة تدوير الأغاني أو استثمار شعبية مؤقتة صنعتها وسائل التواصل الاجتماعي. جرش يفترض أن يحافظ على مكانته بوصفه منصة للفنان صاحب المشروع والتجربة والأثر، لا منصة للظواهر المؤقتة.
أما ملف الأجور الفنية، فقد تجاوز حدود الجدل إلى مستوى الاستفزاز الثقافي والاقتصادي. وإذا كانت الأرقام المتداولة حول بعض العقود صحيحة، فنحن أمام حالة إنفاق غير مبررة بالكامل، خصوصًا في ظل غياب المنافسة العربية الحقيقية بين المهرجانات كما كان يحدث سابقًا. الحديث عن مئات آلاف الدولارات المدفوعة لبعض الأسماء"تامر حسني -ماجدة الرومي – احمد سعد – جورج وسوف"(اذا صحت الاخبار المتسربه عن المهرجان حول هذه الاسماء)، يكشف خللًا عميقًا في ترتيب الأولويات. فالمهرجان ليس شركة إنتاج تجارية، ولا ساحة مزايدات مالية، بل مشروع ثقافي وطني يفترض أن تُدار موارده بمنطق المسؤولية لا بمنطق الاستعراض، والعلاقات.
وان اطلاق مهرجانات موازية للسينما أو المسرح داخل جرش جزءًا من المشكلة نفسها، فالمهرجانات المتخصصة لا تُبنى بالرغبات الإعلامية أو بالشعارات الفضفاضة، وإنما بخبرات احترافية وبنى تنظيمية قادرة على إنتاج حدث حقيقي. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات فعلية على وجود هذه البنية في المهرجان ، خاصة أن وزارة الثقافة تمتلك أصلًا مهرجاناتها المسرحية والسينمائية الخاصة، والتي تُدار تقريبًا بالآليات والشروط ذاتها المطروحة اليوم. ولذلك فإن إضافة عناوين جديدة دون امتلاك أدواتها لن تنتج سوى مزيد من التشتيت واستنزاف الموارد. وتحويل جرش من مهرجان يمتلك شخصية واضحة، إلى مظلة فضفاضة لكل شيء، وبالتالي إلى مهرجان بلا ملامح محددة ولا روح متماسكة.
المطلوب اليوم من إدارة جرش الجديدة ليس توسيع المهرجان، بل إنقاذ هويته. وأول خطوة حقيقية تبدأ بإعادة المهرجان إلى مسارحه التاريخية داخل المدينة الأثرية، ووقف تحويله إلى حفلات متناثرة بلا روح ولا خصوصية.
وإعادة النظر في عقود الفنانين أصبحت ضرورة لا خيارًا؛ عبر وضع سقف مالي واضح، وربط الأجور بالقيمة الفنية فالمهرجان ليس مؤسسة لتمويل النجوم على حساب المال العام. ومن حق الإدارة الجديدة مراجعة أي عقود مبالغ فيها، وإلغاء الاتفاقات غير المتوازنة التي تستنزف الميزانية ..
كذلك، يفترض بالإدارة أن تنهي سياسة تكرار الأسماء نفسها، وأن تعيد الاعتبار للمعيار الفني ولنوعية المشروع الذي يقدمه الفنان، أو علاقاته. فجرش يحتاج اليوم إلى استعادة هيبته الثقافية وحضوره في المشهد الاردني والعربي ..

نيسان ـ نشر في 2026-05-25 الساعة 18:18

الكلمات الأكثر بحثاً