أوروبا في زمن ترامب: سقوط وهم الحليف الأمريكي
لطفي العبيدي
كاتب تونسي
نيسان ـ نشر في 2026-05-29 الساعة 15:17
نيسان ـ لم تعد الأزمة التي تعيشها أوروبا مجرّد خلافات عابرة داخل المعسكر الغربي، بل تحوّلت إلى أزمة وجود سياسي واستراتيجي، تكشف هشاشة القارة العجوز أمام التحوّلات الكبرى في النظام الدولي. فعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لم تكن مجرّد تغيير في الإدارة الأمريكية، بل بدت وكأنّها زلزال سياسي أعاد طرح أسئلة كانت أوروبا تتجنّب مواجهتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: هل ما تزال الولايات المتحدة حليفا يمكن الوثوق به؟ وهل كان المشروع الأوروبي مستقلا فعلا، أم مجرّد امتداد سياسي وأمني للمظلة الأمريكية؟
لقد بنت أوروبا الحديثة جزءا كبيرا من استقرارها على افتراض بدا لسنوات غير قابل للنقاش، وجوهره أنّ واشنطن ستظل الضامن النهائي للأمن الغربي، وأنّ حلف الناتو يمثل تحالفا استراتيجيا ثابتا يتجاوز تغيّر الإدارات والرؤساء، لكن ما يحدث اليوم يكشف أنّ هذه القناعة لم تكن سوى وهم سياسي طويل الأمد، فترامب لا يتعامل مع التحالفات بعقلية الجغرافيا السياسية التقليدية، بل بعقلية رجل الأعمال الذي يقيس العلاقات الدولية بمنطق الربح والخسارة، ولذلك لم يتردّد في وصف حلف الناتو بأنّه «عبء مكلف»، ولم يُخفِ امتعاضه من استمرار الولايات المتحدة في تحمّل كلفة الدفاع عن أوروبا، بينما تستفيد العواصم الأوروبية من المظلة الأمريكية، من دون أن تدفع الثمن الكافي، وفق منطقه.
هذا التحوّل لم يربك الأوروبيين فقط، بل أصابهم بصدمة استراتيجية حقيقية، لأنّ القارة التي اعتادت الحديث عن «القيم الغربية المشتركة» اكتشفت فجأة أنّ المصالح الأمريكية يمكن أن تتغير بسرعة أكبر مما كانت تتصوّر، وأنّ التحالفات الكبرى ليست مقدّسة كما كانت تعتقد. الأكثر خطورة أنّ إدارة ترامب لم تكتفِ بإعادة النظر في العلاقة مع أوروبا، بل ذهبت أبعد من ذلك نحو إعادة تعريف الصراع نفسه مع روسيا، فبينما كانت الحكومات الأوروبية تتبنّى خطاب المواجهة المفتوحة مع موسكو، بدا ترامب أكثر ميلا إلى منطق «الصفقة» مع بوتين، حتى ولو جاء ذلك على حساب أوكرانيا نفسها، وهنا ظهرت المأساة الأوروبية بوضوح. أوروبا التي اندفعت إلى الحرب الاقتصادية والسياسية ضد روسيا، وراكمت العقوبات، وتحمّلت أزمات الطاقة والتضخم وارتفاع الأسعار، تجد نفسها اليوم أمام احتمال أن تُحسم التسوية الكبرى بين واشنطن وموسكو فوق رأسها، أي أنّ القارة التي تصرفت باعتبارها شريكا أساسيا في الصراع، قد تتحوّل في النهاية إلى مجرّد متفرّج على صفقة تُصاغ خارج إرادتها.
لم تعد القارة العجوز تخشى روسيا فقط، بل احتمال أن تصبح وحيدة في عالم يعاد تشكيله بسرعة تتحوّل فيه التحالفات إلى صفقات، وتُقاس العلاقات الدولية بميزان المصالح الباردة لا بشعارات القيم المشتركة
لقد أظهرت الحرب الأوكرانية أنّ الاتحاد الأوروبي، رغم قوّته الاقتصادية الهائلة، لا يزال عاجزا عن التحوّل إلى قوة جيوسياسية مستقلة بالكامل. فالتكتل الذي يضم سبعا وعشرين دولة، يبدو منقسما ومتردّدا في اتخاذ قرارات استراتيجية موحدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأمن والطاقة والعلاقات مع روسيا. وفي العمق، كشفت الأزمة أنّ أوروبا لم تنجح طوال عقود في بناء استقلال استراتيجي حقيقي عن الولايات المتحدة، لقد اعتادت القارة على الحماية الأمريكية إلى درجة أنّها أهملت بناء رؤية أمنية مستقلة، وظلت تتصرف داخل المظلة الأطلسية باعتبارها قدرا دائما لا يمكن تغييره، لكن ترامب جاء ليقول للأوروبيين بوضوح قاسٍ: الولايات المتحدة ليست جمعية خيرية.
هذا الخطاب، مهما بدا صادما، يعكس تحوّلا أعمق داخل المزاج الأمريكي نفسه، فواشنطن التي قادت النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد تنظر إلى دورها الدولي بالطريقة ذاتها، هناك تيار أمريكي متزايد يرى أنّ الحروب الخارجية والتحالفات المكلفة تستنزف الاقتصاد الأمريكي، وأنّ الأولوية يجب أن تكون للداخل الأمريكي لا لحماية الحلفاء، ولهذا تبدو أوروبا اليوم وكأنها تدفع ثمن عقود طويلة من التبعية السياسية والعسكرية. الحرب في أوكرانيا كشفت أيضا مفارقة كبرى. فبينما كانت أوروبا تتحدّث عن عزل روسيا وإنهاكها، استطاعت موسكو التكيّف مع العقوبات بدرجات مختلفة، بل استفادت أحيانا من الانقسامات الغربية ومن أزمة الطاقة التي ضربت الاقتصادات الأوروبية نفسها، وهكذا وجدت الحكومات الأوروبية نفسها تحت ضغط داخلي متزايد: تضخم، ارتفاع أسعار، احتجاجات اجتماعية، وتراجع ثقة الشارع بالنخب السياسية. وفي المقابل، بدا بوتين أكثر قدرة على استثمار التناقضات الغربية، فهو يدرك أنّ الزمن قد لا يعمل ضد روسيا بالضرورة، خصوصا مع تصاعد الانقسامات داخل الغرب نفسه، وعودة الخطابات القومية والشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة. لكن ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا أنّ الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بروسيا، أو أوكرانيا، بل بمستقبل النظام الدولي كله، فالعالم يدخل تدريجيّا مرحلة تتراجع فيها الهيمنة الغربية التقليدية، بينما تصعد قوى جديدة مثل الصين التي باتت تمثل التحدي الأكبر للولايات المتحدة اقتصاديا وتكنولوجيا واستراتيجيا. ولهذا يرى كثير من المراقبين أنّ واشنطن بدأت تعيد ترتيب أولوياتها، الصين أولا، ثم تأتي بقية الملفات.
ومن هنا يمكن فهم جزء من براغماتية ترامب تجاه روسيا، فهو لا يرى في موسكو الخطر المركزي على المدى البعيد بقدر ما يرى أنّ المواجهة الكبرى القادمة ستكون مع بكين، ولذلك يبدو مستعدّا لتخفيف التوتر مع روسيا إذا كان ذلك يسمح للولايات المتحدة بالتركيز على احتواء الصين. لكن هذه البراغماتية الأمريكية تضع أوروبا في مأزق حقيقي. فالقارة التي بنت استراتيجيتها الأمنية على الشراكة المطلقة مع واشنطن، تجد نفسها اليوم أمام إدارة أمريكية لا تتردّد في إعادة حساباتها وفق منطق المصالح المباشرة، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف الحلفاء التقليديين. والأخطر أنّ الأوروبيين يدركون أنّ المشكلة ليست في ترامب كشخص فقط، بل في التحوّل البنيوي داخل السياسة الأمريكية نفسها، فحتى لو غادر ترامب، فإنّ فكرة «أمريكا أولا» لم تعد مجرد شعار انتخابي، بل أصبحت تعبيرا عن مزاج سياسي أمريكي آخذ في التوسع، لهذا تبدو أوروبا اليوم وكأنّها تعيش نهاية مرحلة تاريخية كاملة، نهاية اليقين الأمريكي.
لم تعد القارة العجوز تخشى روسيا فقط، بل تخشى أيضا احتمال أن تصبح وحيدة في عالم يعاد تشكيله بسرعة، عالم تتحوّل فيه التحالفات إلى صفقات، وتُقاس فيه العلاقات الدولية بميزان المصالح الباردة لا بشعارات القيم المشتركة. وفي قلب هذه الفوضى، تبدو أوروبا أمام سؤال وجودي لم تعد قادرة على تأجيله: هل تستطيع التحوّل إلى قوة مستقلة فعلا، أم أنها ستبقى مجرد تابع استراتيجي داخل لعبة القوى الكبرى؟ ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي الذي تركه ترامب على طاولة الأوروبيين. سؤال أخطر بكثير من الحرب نفسها.
لقد بنت أوروبا الحديثة جزءا كبيرا من استقرارها على افتراض بدا لسنوات غير قابل للنقاش، وجوهره أنّ واشنطن ستظل الضامن النهائي للأمن الغربي، وأنّ حلف الناتو يمثل تحالفا استراتيجيا ثابتا يتجاوز تغيّر الإدارات والرؤساء، لكن ما يحدث اليوم يكشف أنّ هذه القناعة لم تكن سوى وهم سياسي طويل الأمد، فترامب لا يتعامل مع التحالفات بعقلية الجغرافيا السياسية التقليدية، بل بعقلية رجل الأعمال الذي يقيس العلاقات الدولية بمنطق الربح والخسارة، ولذلك لم يتردّد في وصف حلف الناتو بأنّه «عبء مكلف»، ولم يُخفِ امتعاضه من استمرار الولايات المتحدة في تحمّل كلفة الدفاع عن أوروبا، بينما تستفيد العواصم الأوروبية من المظلة الأمريكية، من دون أن تدفع الثمن الكافي، وفق منطقه.
هذا التحوّل لم يربك الأوروبيين فقط، بل أصابهم بصدمة استراتيجية حقيقية، لأنّ القارة التي اعتادت الحديث عن «القيم الغربية المشتركة» اكتشفت فجأة أنّ المصالح الأمريكية يمكن أن تتغير بسرعة أكبر مما كانت تتصوّر، وأنّ التحالفات الكبرى ليست مقدّسة كما كانت تعتقد. الأكثر خطورة أنّ إدارة ترامب لم تكتفِ بإعادة النظر في العلاقة مع أوروبا، بل ذهبت أبعد من ذلك نحو إعادة تعريف الصراع نفسه مع روسيا، فبينما كانت الحكومات الأوروبية تتبنّى خطاب المواجهة المفتوحة مع موسكو، بدا ترامب أكثر ميلا إلى منطق «الصفقة» مع بوتين، حتى ولو جاء ذلك على حساب أوكرانيا نفسها، وهنا ظهرت المأساة الأوروبية بوضوح. أوروبا التي اندفعت إلى الحرب الاقتصادية والسياسية ضد روسيا، وراكمت العقوبات، وتحمّلت أزمات الطاقة والتضخم وارتفاع الأسعار، تجد نفسها اليوم أمام احتمال أن تُحسم التسوية الكبرى بين واشنطن وموسكو فوق رأسها، أي أنّ القارة التي تصرفت باعتبارها شريكا أساسيا في الصراع، قد تتحوّل في النهاية إلى مجرّد متفرّج على صفقة تُصاغ خارج إرادتها.
لم تعد القارة العجوز تخشى روسيا فقط، بل احتمال أن تصبح وحيدة في عالم يعاد تشكيله بسرعة تتحوّل فيه التحالفات إلى صفقات، وتُقاس العلاقات الدولية بميزان المصالح الباردة لا بشعارات القيم المشتركة
لقد أظهرت الحرب الأوكرانية أنّ الاتحاد الأوروبي، رغم قوّته الاقتصادية الهائلة، لا يزال عاجزا عن التحوّل إلى قوة جيوسياسية مستقلة بالكامل. فالتكتل الذي يضم سبعا وعشرين دولة، يبدو منقسما ومتردّدا في اتخاذ قرارات استراتيجية موحدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأمن والطاقة والعلاقات مع روسيا. وفي العمق، كشفت الأزمة أنّ أوروبا لم تنجح طوال عقود في بناء استقلال استراتيجي حقيقي عن الولايات المتحدة، لقد اعتادت القارة على الحماية الأمريكية إلى درجة أنّها أهملت بناء رؤية أمنية مستقلة، وظلت تتصرف داخل المظلة الأطلسية باعتبارها قدرا دائما لا يمكن تغييره، لكن ترامب جاء ليقول للأوروبيين بوضوح قاسٍ: الولايات المتحدة ليست جمعية خيرية.
هذا الخطاب، مهما بدا صادما، يعكس تحوّلا أعمق داخل المزاج الأمريكي نفسه، فواشنطن التي قادت النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد تنظر إلى دورها الدولي بالطريقة ذاتها، هناك تيار أمريكي متزايد يرى أنّ الحروب الخارجية والتحالفات المكلفة تستنزف الاقتصاد الأمريكي، وأنّ الأولوية يجب أن تكون للداخل الأمريكي لا لحماية الحلفاء، ولهذا تبدو أوروبا اليوم وكأنها تدفع ثمن عقود طويلة من التبعية السياسية والعسكرية. الحرب في أوكرانيا كشفت أيضا مفارقة كبرى. فبينما كانت أوروبا تتحدّث عن عزل روسيا وإنهاكها، استطاعت موسكو التكيّف مع العقوبات بدرجات مختلفة، بل استفادت أحيانا من الانقسامات الغربية ومن أزمة الطاقة التي ضربت الاقتصادات الأوروبية نفسها، وهكذا وجدت الحكومات الأوروبية نفسها تحت ضغط داخلي متزايد: تضخم، ارتفاع أسعار، احتجاجات اجتماعية، وتراجع ثقة الشارع بالنخب السياسية. وفي المقابل، بدا بوتين أكثر قدرة على استثمار التناقضات الغربية، فهو يدرك أنّ الزمن قد لا يعمل ضد روسيا بالضرورة، خصوصا مع تصاعد الانقسامات داخل الغرب نفسه، وعودة الخطابات القومية والشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة. لكن ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا أنّ الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بروسيا، أو أوكرانيا، بل بمستقبل النظام الدولي كله، فالعالم يدخل تدريجيّا مرحلة تتراجع فيها الهيمنة الغربية التقليدية، بينما تصعد قوى جديدة مثل الصين التي باتت تمثل التحدي الأكبر للولايات المتحدة اقتصاديا وتكنولوجيا واستراتيجيا. ولهذا يرى كثير من المراقبين أنّ واشنطن بدأت تعيد ترتيب أولوياتها، الصين أولا، ثم تأتي بقية الملفات.
ومن هنا يمكن فهم جزء من براغماتية ترامب تجاه روسيا، فهو لا يرى في موسكو الخطر المركزي على المدى البعيد بقدر ما يرى أنّ المواجهة الكبرى القادمة ستكون مع بكين، ولذلك يبدو مستعدّا لتخفيف التوتر مع روسيا إذا كان ذلك يسمح للولايات المتحدة بالتركيز على احتواء الصين. لكن هذه البراغماتية الأمريكية تضع أوروبا في مأزق حقيقي. فالقارة التي بنت استراتيجيتها الأمنية على الشراكة المطلقة مع واشنطن، تجد نفسها اليوم أمام إدارة أمريكية لا تتردّد في إعادة حساباتها وفق منطق المصالح المباشرة، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف الحلفاء التقليديين. والأخطر أنّ الأوروبيين يدركون أنّ المشكلة ليست في ترامب كشخص فقط، بل في التحوّل البنيوي داخل السياسة الأمريكية نفسها، فحتى لو غادر ترامب، فإنّ فكرة «أمريكا أولا» لم تعد مجرد شعار انتخابي، بل أصبحت تعبيرا عن مزاج سياسي أمريكي آخذ في التوسع، لهذا تبدو أوروبا اليوم وكأنّها تعيش نهاية مرحلة تاريخية كاملة، نهاية اليقين الأمريكي.
لم تعد القارة العجوز تخشى روسيا فقط، بل تخشى أيضا احتمال أن تصبح وحيدة في عالم يعاد تشكيله بسرعة، عالم تتحوّل فيه التحالفات إلى صفقات، وتُقاس فيه العلاقات الدولية بميزان المصالح الباردة لا بشعارات القيم المشتركة. وفي قلب هذه الفوضى، تبدو أوروبا أمام سؤال وجودي لم تعد قادرة على تأجيله: هل تستطيع التحوّل إلى قوة مستقلة فعلا، أم أنها ستبقى مجرد تابع استراتيجي داخل لعبة القوى الكبرى؟ ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي الذي تركه ترامب على طاولة الأوروبيين. سؤال أخطر بكثير من الحرب نفسها.
نيسان ـ نشر في 2026-05-29 الساعة 15:17
رأي: لطفي العبيدي كاتب تونسي


