لماذا تحول مربو الماشية إلى العدو رقم واحد للشعوب المغاربية؟
ناصر جابي
كاتب جزائري
نيسان ـ نشر في 2026-06-01 الساعة 12:13
نيسان ـ الاختلافات الحاضرة بين الدول والشعوب المغاربية لأسباب سياسية في الغالب، لم تمنعها هذه المرة من تحديد عدو واحد مشترك لها، وهو مربي الماشية المتهم بحرمانها من أضحية العيد هذه السنة التي أصبح فيها من الصعب الحصول على كبش العيد، بسعر معقول يراعي القدرة الشرائية الضعيفة للمواطن، عند هذه الشعوب التي تدين بالإسلام وتصر على احترام شعيرة ذبح الاضحية في هذه المناسبة الدينية المهمة لديها، حتى وهي تدخل المدن للعيش فيها، داخل مساكن عصرية غير مؤهلة لاحتضان ممارسة هذه الشعيرة، التي يريد البعض أن يصل بها إلى مكان إقامته بدول المهجر، كما تظهرها الصور المضحكة التي تصلنا من ديار الغربة، لنكون أمام شعيرة تحولت مع الوقت إلى ممارسة اجتماعية تهم في المقام الأول أفراد العائلة، وعلى رأسهم الأطفال الصغار.
شعوب ترسخت لديهم عادة أكل اللحوم الحمراء، تحولت مع الوقت إلى ممارسة غذائية وثقافية أساسية، منذ فجر التاريخ، في ربط واضح بالأكلة الشعبية التقليدية عند هذه الشعوب، الكسكسي، الذي تحول إلى طبق يومي غير قابل للنقاش، شعوب جعلها الغلاء الذي يمس الذبيحة، المستفحل هذه السنة، تعود للاهتمام بأزمة الزراعة في بلدانها، رغم الاختلافات الحاضرة بين دولة وأخرى في الميدان الزراعي، عرف فيه المغرب استقرارا كبيرا في أساليب التسيير والملكية، عكس ما هو موجود في الجزائر، التي عاشت تجربة عدم استقرار كادت أن تقضي تماما على زراعتها وفلاحيها، أثرت على الملكية العقارية التي انتقلت فيها بشكل كبير جدا، لا استبعد انه كان وراء الكثير من مظاهر عدم الاستقرار السياسي والعنف الذي عاشه البلد بداية من عقد التسعينيات، عكس تونس التي تمكنت من تجاوز ما عاشته من تحولات لفترة في أساليب التسيير والملكية تحت تأثير الأفكار اليسارية السائدة في البلد والمنطقة خلال عقد الستينيات بهدوء أكثر، عبّر عن العقيلة التونسية الهادئة، بالبراغماتية المعروفة بها.
أزمة متعددة المظاهر، بينت أن غلاء أسعار المواشي، ما هو إلا مظهر بسيط لأزمة أكثر عمقا يعيشها نمط الإنتاج الرعوي الذي ارتبط بتاريخ شعوب المنطقة المغاربية، منذ فجر التاريخ
رغم هذه الاختلافات في العلاقة التاريخية مع المسألة الزراعية، وأساليب تسييرها للعقار داخل هذه البلدان الثلاث وهي تطرح مسألة ملكية الأرض بين أبناء هذه الثقافة المقدسة للملكية الخاصة، اشتركت في أزمة ارتفاع أسعار الأضحية هذه السنة، على غرار السنوات الماضية، لتشابه الأسباب العميقة وراء أزمة الغلاء هذه، التي تكوًن اتجاهات عامة ثقيلة يصعب تجاهلها، لن نركز فيها على الاعتبارات المعروفة المتعلقة بتغيير المناخ، التي أصبحت اتجاها ثقيلا يصعب الإفلات من تبعاته طويلة المدى، في وقت استمر فيه التسيير التقليدي للقطاع الزراعي الرعوي بالأساليب القديمة نفسها مقارنة حتى مع بعض النشاطات الزراعية التي أدخلت عليها تحسينات كثيرة وعصرنة أدت إلى تحسن في إنتاجها كما ونوعا، كما هو حاصل في أكثر من قطاع، كما هو الشأن في قطاع الفواكه والخضر والبقول والحبوب جزئيا. في وقت عرفت فيه هذه الشعوب تحولات من كل نوع بما فيها الزيادة الديموغرافية التي أدت موضوعيا إلى رفع الطلب على المنتوجات الفلاحية، تزامنت مع تحولات ثقافية وفكرية، كما حصل مع ارتفاع مستوى تعليم المواطنين، الذي لم ينعكس بالدرجة نفسها داخل القطاعات الزراعية المختلفة تميز فيها الرعي بتخلف واضح نتيجة لاعتبارات ثقافية وأنثروبولوجية صمدت أمام موجات التغيير التي مست المدينة أكثر من الريف، كما هو ظاهر أكثر في حالة المغرب الذي بقي فيه الريف – عكس الجزائر وتونس جزئيا – بعيدا عن الاستفادة من مظاهر العصرنة التي أنجزتها الدولة الوطنية بعد الاستقلال.
لجأت الدولة إلى حلول مختلفة في التعامل مع أزمة غلاء الأضحية هذه السنة، تميزت فيها الجزائر باللجوء إلى استيراد حوالي مليون رأس غنم اعتمادا على توفر المال العام، استعملت فيه النقل الجوي خوفا من عدم الوفاء بهذا التعهد في التوقيت المناسب، قبل العيد، تحول ذلك لدى وزير الفلاحة الشاب إلى إنجاز كبير، هو الذي كان المفروض أن يحسن في إنتاجية قطاع الرعي والتطرق إلى معوقاته الأساسية، بدل الاكتفاء بصرف المال العام في هذا النمط التسييري الريعي، الذي يُسهل من مهام هؤلاء المسيرين بشكل واضح، عكس المسيرين التونسي والمغربي اللذين لم تسمح لهما وضعية البلد المالية باللجوء إلى هذا النوع من الإجراءات المتممة، من قبل جزء من الرأي العام بطابعه الشعبوي، جعلتهما يعيشان فترة العيد تحت ضغط شعبي كبير، قابلة للتكرار في السنوات المقبلة، نظرا لاستمرار الأسباب نفسها.
فشلت الدول الثلاث في وضع سياسة جدية للتعامل مع ظاهرة غلاء الأضحية التي تبقى أحد مظاهر أزمة قطاع الرعي، الذي يعيش حالة تفكك طويل المدى وانحسار كبير كنمط إنتاج تقليدي، منذ عقود، قام بتشريحه الكثير من الدراسات الذي اهتمت بالمسألة الزراعية في هذه البلدان، منذ ما قبل الاستقلال، في علاقة بالقوى الاجتماعية الريفية المرتبطة به، المالكة والأجيرة في هذا القطاع الذي بقي محصورا في مناطق لم تصلها أشكال العصرنة المشوهة التي كانت وراءها الدولة الوطنية بعد الاستقلال، استمرت في إهمال المناطق التي يوجد فيها كـ»بلد سيبة»، كما يصفه إخواننا في المغرب، عمم عليه أبناء المنطقة المغاربية ـ من سكان المدن تحديدا – نظرة فوقية فيها الكثير من التعالي، رغم الدور الاقتصادي المنجز من قبل هذه الفئات الريفية المنتجة بكل ما تعرفه من صعوبة في الحياة وقلة استفادة من التعليم والحماية الصحية عقودا بعد الاستقلال.
أزمة متعددة المظاهر، بينت بشكل لا لبس فيه أن غلاء أسعار المواشي، ما هو إلا مظهر بسيط لأزمة أكثر عمقا يعيشها نمط الإنتاج الرعوي هذا الذي ارتبط بتاريخ شعوب المنطقة المغاربية، منذ فجر التاريخ، لم نعرف رغم ذلك كيف نحافظ داخله على الكثير مما يميزنا كمنطقة وشعوب، على غرار فشلنا في حماية السلالات الوطنية من الأغنام وإطارها الإيكولوجي الذي تعيش ضمنه، نراه يوميا ينهار أمام أعيننا، لم نفعل الشيء الكثير لوضع سياسة تغذية جديدة ومبتكرة نقترحها للمواطن تتجه نحو التنوع والتوازن بين المصادر النباتية والحيوانية، بالزيادة في حصة منتوجات البحر غير المستغل لدى هذه الشعوب، التي تدير ظهرها له، رغم سعة الساحل الذي تملكه هذه البلدان، في وقت تستفحل فيه بشكل كبير المساوئ الصحية لهذه التغذية الفاقدة للتوازن – كالسمنة وبعض الأمراض الخطيرة الأخرى التي تفشت بشكل ظاهر – التي تعتمد عليها تقليديا هذه الشعوب بعد أن فقدت مع الوقت التنوع الذي كانت تمتلكه، قبل مظاهر العصرنة الكاذبة الطاغية في المدينة، التي تسكنها أغلبية سكان المنطقة المغاربية، التي ما زال يوحدها الكسكسي مرة في الأسبوع على الأقل، ليسيطر باقي أيام الأسبوع السندويتش فريت…
مقاربة تتطلب جرأة من صاحب القرار.
كاتب جزائري
شعوب ترسخت لديهم عادة أكل اللحوم الحمراء، تحولت مع الوقت إلى ممارسة غذائية وثقافية أساسية، منذ فجر التاريخ، في ربط واضح بالأكلة الشعبية التقليدية عند هذه الشعوب، الكسكسي، الذي تحول إلى طبق يومي غير قابل للنقاش، شعوب جعلها الغلاء الذي يمس الذبيحة، المستفحل هذه السنة، تعود للاهتمام بأزمة الزراعة في بلدانها، رغم الاختلافات الحاضرة بين دولة وأخرى في الميدان الزراعي، عرف فيه المغرب استقرارا كبيرا في أساليب التسيير والملكية، عكس ما هو موجود في الجزائر، التي عاشت تجربة عدم استقرار كادت أن تقضي تماما على زراعتها وفلاحيها، أثرت على الملكية العقارية التي انتقلت فيها بشكل كبير جدا، لا استبعد انه كان وراء الكثير من مظاهر عدم الاستقرار السياسي والعنف الذي عاشه البلد بداية من عقد التسعينيات، عكس تونس التي تمكنت من تجاوز ما عاشته من تحولات لفترة في أساليب التسيير والملكية تحت تأثير الأفكار اليسارية السائدة في البلد والمنطقة خلال عقد الستينيات بهدوء أكثر، عبّر عن العقيلة التونسية الهادئة، بالبراغماتية المعروفة بها.
أزمة متعددة المظاهر، بينت أن غلاء أسعار المواشي، ما هو إلا مظهر بسيط لأزمة أكثر عمقا يعيشها نمط الإنتاج الرعوي الذي ارتبط بتاريخ شعوب المنطقة المغاربية، منذ فجر التاريخ
رغم هذه الاختلافات في العلاقة التاريخية مع المسألة الزراعية، وأساليب تسييرها للعقار داخل هذه البلدان الثلاث وهي تطرح مسألة ملكية الأرض بين أبناء هذه الثقافة المقدسة للملكية الخاصة، اشتركت في أزمة ارتفاع أسعار الأضحية هذه السنة، على غرار السنوات الماضية، لتشابه الأسباب العميقة وراء أزمة الغلاء هذه، التي تكوًن اتجاهات عامة ثقيلة يصعب تجاهلها، لن نركز فيها على الاعتبارات المعروفة المتعلقة بتغيير المناخ، التي أصبحت اتجاها ثقيلا يصعب الإفلات من تبعاته طويلة المدى، في وقت استمر فيه التسيير التقليدي للقطاع الزراعي الرعوي بالأساليب القديمة نفسها مقارنة حتى مع بعض النشاطات الزراعية التي أدخلت عليها تحسينات كثيرة وعصرنة أدت إلى تحسن في إنتاجها كما ونوعا، كما هو حاصل في أكثر من قطاع، كما هو الشأن في قطاع الفواكه والخضر والبقول والحبوب جزئيا. في وقت عرفت فيه هذه الشعوب تحولات من كل نوع بما فيها الزيادة الديموغرافية التي أدت موضوعيا إلى رفع الطلب على المنتوجات الفلاحية، تزامنت مع تحولات ثقافية وفكرية، كما حصل مع ارتفاع مستوى تعليم المواطنين، الذي لم ينعكس بالدرجة نفسها داخل القطاعات الزراعية المختلفة تميز فيها الرعي بتخلف واضح نتيجة لاعتبارات ثقافية وأنثروبولوجية صمدت أمام موجات التغيير التي مست المدينة أكثر من الريف، كما هو ظاهر أكثر في حالة المغرب الذي بقي فيه الريف – عكس الجزائر وتونس جزئيا – بعيدا عن الاستفادة من مظاهر العصرنة التي أنجزتها الدولة الوطنية بعد الاستقلال.
لجأت الدولة إلى حلول مختلفة في التعامل مع أزمة غلاء الأضحية هذه السنة، تميزت فيها الجزائر باللجوء إلى استيراد حوالي مليون رأس غنم اعتمادا على توفر المال العام، استعملت فيه النقل الجوي خوفا من عدم الوفاء بهذا التعهد في التوقيت المناسب، قبل العيد، تحول ذلك لدى وزير الفلاحة الشاب إلى إنجاز كبير، هو الذي كان المفروض أن يحسن في إنتاجية قطاع الرعي والتطرق إلى معوقاته الأساسية، بدل الاكتفاء بصرف المال العام في هذا النمط التسييري الريعي، الذي يُسهل من مهام هؤلاء المسيرين بشكل واضح، عكس المسيرين التونسي والمغربي اللذين لم تسمح لهما وضعية البلد المالية باللجوء إلى هذا النوع من الإجراءات المتممة، من قبل جزء من الرأي العام بطابعه الشعبوي، جعلتهما يعيشان فترة العيد تحت ضغط شعبي كبير، قابلة للتكرار في السنوات المقبلة، نظرا لاستمرار الأسباب نفسها.
فشلت الدول الثلاث في وضع سياسة جدية للتعامل مع ظاهرة غلاء الأضحية التي تبقى أحد مظاهر أزمة قطاع الرعي، الذي يعيش حالة تفكك طويل المدى وانحسار كبير كنمط إنتاج تقليدي، منذ عقود، قام بتشريحه الكثير من الدراسات الذي اهتمت بالمسألة الزراعية في هذه البلدان، منذ ما قبل الاستقلال، في علاقة بالقوى الاجتماعية الريفية المرتبطة به، المالكة والأجيرة في هذا القطاع الذي بقي محصورا في مناطق لم تصلها أشكال العصرنة المشوهة التي كانت وراءها الدولة الوطنية بعد الاستقلال، استمرت في إهمال المناطق التي يوجد فيها كـ»بلد سيبة»، كما يصفه إخواننا في المغرب، عمم عليه أبناء المنطقة المغاربية ـ من سكان المدن تحديدا – نظرة فوقية فيها الكثير من التعالي، رغم الدور الاقتصادي المنجز من قبل هذه الفئات الريفية المنتجة بكل ما تعرفه من صعوبة في الحياة وقلة استفادة من التعليم والحماية الصحية عقودا بعد الاستقلال.
أزمة متعددة المظاهر، بينت بشكل لا لبس فيه أن غلاء أسعار المواشي، ما هو إلا مظهر بسيط لأزمة أكثر عمقا يعيشها نمط الإنتاج الرعوي هذا الذي ارتبط بتاريخ شعوب المنطقة المغاربية، منذ فجر التاريخ، لم نعرف رغم ذلك كيف نحافظ داخله على الكثير مما يميزنا كمنطقة وشعوب، على غرار فشلنا في حماية السلالات الوطنية من الأغنام وإطارها الإيكولوجي الذي تعيش ضمنه، نراه يوميا ينهار أمام أعيننا، لم نفعل الشيء الكثير لوضع سياسة تغذية جديدة ومبتكرة نقترحها للمواطن تتجه نحو التنوع والتوازن بين المصادر النباتية والحيوانية، بالزيادة في حصة منتوجات البحر غير المستغل لدى هذه الشعوب، التي تدير ظهرها له، رغم سعة الساحل الذي تملكه هذه البلدان، في وقت تستفحل فيه بشكل كبير المساوئ الصحية لهذه التغذية الفاقدة للتوازن – كالسمنة وبعض الأمراض الخطيرة الأخرى التي تفشت بشكل ظاهر – التي تعتمد عليها تقليديا هذه الشعوب بعد أن فقدت مع الوقت التنوع الذي كانت تمتلكه، قبل مظاهر العصرنة الكاذبة الطاغية في المدينة، التي تسكنها أغلبية سكان المنطقة المغاربية، التي ما زال يوحدها الكسكسي مرة في الأسبوع على الأقل، ليسيطر باقي أيام الأسبوع السندويتش فريت…
مقاربة تتطلب جرأة من صاحب القرار.
كاتب جزائري
نيسان ـ نشر في 2026-06-01 الساعة 12:13
رأي: ناصر جابي كاتب جزائري


