قضايا فلسطين والسلام والمشروع الصهيوني
نيسان ـ نشر في 2026-06-01 الساعة 12:14
نيسان ـ توصيفات عديدة يمكن إطلاقها على ما يمكن اعتباره حربا مفتوحة بين أمريكا وإيران، ولكن الأهم من التسمية ما سيترتب عليها من آثار ونتائج.
الواضح أن الطرفين مصمّمان على خوض النزاع المسلّح، كلٌّ لأسبابه. فأمريكا أسّست نفوذها في العالم على أساس امتلاك القوّة العسكرية التي لا تُقهر، بينما تسعى إيران لردع «الشيطان الأكبر» الذي ما فتئ يخطّط لضربها وإسقاط نظامها. بل أن أمريكا أحدثت من الدمار البشري والمادّي في إيران ما لم تفعله جهة أخرى منذ قيام الجمهورية الإسلامية قبل قرابة الخمسين عاما. ولضمان استمرار القدرة على الصمود والتصدّي وسّع الطرفان دائرة نزاعهما، وتوجّهتا لأهداف أخرى من أجل إشغال الطرف الآخر أو إنهاكه. والواضح أن الطرفين تحاشيا استهداف النفط ومصادره ومساراته البحريّة، نظرا لما له من أهمّية لكليهما. فهذه السلعة يمكن استهدافها بسهولة، بضرب منابعه أو موانئه أو شاحناته. وتكفي الإشارة إلى أن غلق مضيق هرمز بضعة أيام أدّى لارتفاع أسعار بنزين السيارات في العواصم الغربية بمعدل الربع، وهو أمر شاقّ على المستهلكين الغربيين. وهكذا يبقى النفط عاملا جوهريا في مسار الصراع، حتى أصبح عاملا مرجّحا في التوازن السياسي والعسكري. ومع أن هذه الحقيقة ليست جديدة إلا أن مصاديقها العملية التي ظهرت في الأزمة الحالية أضافت أبعادا جديدة لذلك.
جوهر الأزمة ما يزال مشوّشا لدى الكثيرين. وهناك أبعاد عديدة لذلك، يمكن حصر بعضها بالمصالح الإسرائيلية والتوازن العسكري المستقبلي في المنطقة، والدور الأمريكي في العالم خصوصا في الشرق الأوسط، بالإضافة للنفط الذي لا يمكن فصله عن أي صراع. هذه الأبعاد الأربعة تفرض نفسها على المخطّطين الأمريكيين والغربيين، وتوجّه، بقدر كبير، سياساتهم في الشرق الأوسط. ولذلك هناك استغراب كبير من الإصرار الغربي على حماية «إسرائيل» التي لم تعد قادرة على حماية مصالحهم في المنطقة، بعد أن أصبح الدفاع عنها عبئا سياسيا وعسكريا على الغرب. ومن المؤكد أن السياسات الإسرائيلية لا تضع مصالح الغرب ضمن خططها، فكل ما يهمها الدفاع عن وجود الاحتلال حتى لو اقتضى ذلك انتهاك القوانين الدولية وضرب الآثار التاريخية. وفي الأسبوع الماضي ثارت ضجّة دولية «صامتة» بعد أن استهدفت القوات الإسرائيلية قلعة الشقيف التاريخية في لبنان وألحقت بها أضرارا بليغة. وتعتبر القلعة التي بنيت قبل 900 عام في حقبة الحروب الصليبية تراثا تاريخيا مسجّلًا لدى اليونيسكو كإرث عالمي يجب المحافظة عليه. ومن المؤكد أن استهداف القلعة لم يكن خطأ عملياتيا، بل رسالة مفادها أن قوات الاحتلال غير معنية بمراعاة القوانين وأخلاقيات الحرب. ويشجعها على ذلك ما تراه من صمت عالمي حتى عندما ترتكب جرائم حرب مكشوفة. ففي الأسابيع الأخرى قامت بجرف عشرات القرى في الشريط الحدودي بالإضافة لحملات القصف التي طالت أغلب المناطق اللبنانية، ونجم عن ذلك آلاف اللاجئين الذين تفرّقوا في الأصقاع.
إن من الصعب استيعاب السياسات الغربية والدولية إزاء ما يحدث في الشرق الأوسط. فالواضح أن «إسرائيل» تنفّذ خططها بدون أي اعتبار للآخرين. ولكن الواضح أيضا أن تلك الخطط يتم وضعها من قبل الجنرالات الإسرائيليين الذين يتعاملون مع الوضع كمسرح للعمليات، بعيدا عن الاعتبارات السياسية. وفي ذلك تهديد للأمن الإقليمي من جهة ومصالح الغرب من جهة آخرى. فهذه الخطط تصطدم مع محاولات إحلال السلام في الشرق الأوسط، وذلك ضروري لمنع تفاقم الأزمات التي من شأنها تهديد مصالح الغرب خصوصا في مجالات النفط والعلاقات السياسية مع دول المنطقة، وخلق توازن سياسي في الشرق الأوسط يحمي، قدر الإمكان، المصالح الغربية. ولكن غياب الاهتمام الدولي اللائق لا ينسجم مع ما تمثله الخطط الإسرائيلية من تهديد لتلك المصالح. هذا بالإضافة لما ينجم عن تلك الخطط من مآس إنسانية. وتكفي الإشارة إلى أن عدد ضحايا الاعتداءات الإسرائيلية منذ اجتياح الجنوب يقترب من 3300 شهيد بالإضافة إلى أضعاف ذلك العدد من الجرحى. ومع اضطراب الخطط الهادفة لإحلال الأمن خصوصا بعد ما حدث في المنطقة من تغيرات، لم يعد إحلال السلام خيارا يمكن أن يتحقق مع استمرار العدوان الإسرائيلي.
إن السلام الذي طال الحديث عنه مطلب معقّد لأنه مسرح تتصارع فيه الرؤى السياسية والحقيقة الجغراسياسية. وما لم يتم الإبحار فيه بقدر كبير من الحذاقة فقد يتحول إلى وهم لا يمكن تحقيقه. المبادرات الدبلوماسية التاريخية كانت تهدف أحياناً إلى احتواء الأزمات بدلاً من معالجة جذورها العميقة، مثل قضية اللاجئين، والحدود، ووضع القدس. ومع تباين السياسات والرؤى يعتبر البعض هذا السلام ضرورة للأمن القومي الشامل، بينما يعطي البعض الآخر أولوية لاستعادة الأرض وتحقيق قدر من السيادة ومنح الفلسطينيين حق تقرير المصير. ومع استمرار الأزمة وتقاعس الحكومات عن تحمّل المزيد من الأعباء تتوسع الفجوة بين شعوب المنطقة وحكوماتها، وبذلك تضعف احتمالات تحقيق السلام. وليس جديدا القول إن التطلعات للسلام كثيرا ما تصطدم بواقع العالم العربي من جهة وغياب الإرادة الدولية من جهة ثانية، والهيمنة الصهيونية على القرار الغربي خصوصا الأمريكي من جهة ثالثة. وما لم تتوجه الحكومات العربية نحو العمل العربي المشترك
تلعب اللوبيات الصهيونية والمنظمات الداعمة لإسرائيل دوراً رئيسياً ومكثفاً في ممارسة الضغوط السياسية والقانونية والإعلامية على الحكومات
بشكل حقيقي، وربط ذلك العمل بدور إسلامي أوسع فستظل القضية تراوح مكانها، وستبقى «إسرائيل» اللاعب السياسي الأقوى حتى ضمن عالم المسلمين.
إن مشروع تحرير فلسطين ليس خاصا بأهلها، لأن الاحتلال تهديد للمنطقة وأمن شعوبها، وتهميش دور حكوماتها. ولذلك يقتضي المنطق أمورا عديدة. أولها إبقاء التحرير، كما كان، شعارا عاليا ترفعه الجماهير بدون تردد، ويتم تسخير الإمكانات السياسية والثقافية للتغنّي به كمشروع للأمّة وجماهيرها، ويعود لموقعه في التراث الثقافي والأدبي. ثانيها: أن يجري العمل للحفاظ على الزخم الدولي لمشروع تحرير فلسطين، فهو ما يزال عنوانا للنضال الدولي من أجل الحرّيّة والعدالة، وما تزال قضية فلسطين معروفة لدى شعوب العالم قاطبة. ثالثها: عدم الترويج لمشاريع التسوية التي تنطلق من الغرب والتي تضع حماية الاحتلال وأمن «إسرائيل» على رأس أولوياتها. ولطالما سعى الغربيون لإزالة اسم فلسطين من الخريطة السياسية، بل أن رفع علمها في التظاهرات التي تخرج في العواصم الغربية يتعرض للمنع والتجريم. رابعها: أن هناك أرضية أخلاقية مناسبة لمحاصرة الاحتلال بسبب ما ارتكبه من جرائم ضد الإنسانية في تعامله مع أهل الأرض في غزّة وسعيه لتوسيع بناء المستوطنات في الضفة الغربية. خامسها: صحيح أن الدول الغربية تشهد تحوّلا في المزاج الشعبي أكثر تضامنا مع قضية فلسطين، ولكن الهيمنة الأمريكية على القرار الغربي، خصوصا في عهد ترامب، تمنع حدوث تغيرات جوهرية في السياسات الغربية تجاه فلسطين. مع ذلك فقد انتشر وعي شعبي واسع في السنوات الأخيرة دفع الكثيرين إلى مواقف عملية تدعم القضية. والمسيرات العملاقة تؤكد ذلك. كما يؤكده حالة الانزعاج لدى مجموعات الضغط الصهيونية التي أدركت خطر انتشار هذه الظاهرة وأصبحت تضغط على الحكومات لتشديد الخناق على التوجهات التحرّرية لتحجيم التظاهرات التي تؤثر، بدون شك، على الرأي العام إزاء القضية. وسعت لتجريم رفع علم فلسطين نظرا لما في ذلك من زخم للقضية.
ما بين العمل الميداني الهادف لتحرير الأرض من الاحتلال، والنشاط السياسي والإعلامي المتصاعد لغير صالح «إسرائيل» أصبح المجتمع الغربي يمر بحالة امتحان صعبة، بين البقاء على الدعم التقليدي للاحتلال، أو الانحياز لفلسطين وما يمثلها من حركات شعبية وتوجهات أيديولوجية ليبرالية وتحرّريّة. إنه مخاض صعب خصوصا في ضوء الخطط الصهيونية التي تستهدف وسائل الإعلام والمؤسسات الاكاديمية والمنظمات غير الحكومية لتحجيم اندفاعها نحو فلسطين.
وتلعب اللوبيات الصهيونية والمنظمات الداعمة لإسرائيل دوراً رئيسياً ومكثفاً في ممارسة الضغوط السياسية والقانونية والإعلامية على الحكومات الدولية والمؤسسات الدولية لوقف أي استهداف، أو تحقيق، أو مقاطعة موجهة ضد «إسرائيل». وتستخدم منظمات مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) نفوذها المالي والتنظيمي لدعم السياسيين المتعاطفين مع «إسرائيل»، وتهديد فرص إعادة انتخاب المرشحين الذين ينتقدونها. أما جماعات الضغط فتعمل على تمرير قوانين في البرلمانات الغربية (مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية) تعاقب الجهات والأشخاص الداعين لمقاطعة الاحتلال. وتستهدف المنظمات، مثل مجموعة «محامون بريطانيون من أجل إسرائيل « (UK Lawyers for Israel) ، الأصوات المناهضة والمنظمات الحقوقية عبر الإجراءات القانونية والمقاضاة بتهم «معاداة السامية». كما تعمل شبكات واسعة على صياغة الخطاب الإعلامي المؤيد للاحتلال، وتوجيه التبريرات الرسمية للسياسات الإسرائيلية نحو الرأي العام وصنّاع القرار.
٭ كاتب بحريني
الواضح أن الطرفين مصمّمان على خوض النزاع المسلّح، كلٌّ لأسبابه. فأمريكا أسّست نفوذها في العالم على أساس امتلاك القوّة العسكرية التي لا تُقهر، بينما تسعى إيران لردع «الشيطان الأكبر» الذي ما فتئ يخطّط لضربها وإسقاط نظامها. بل أن أمريكا أحدثت من الدمار البشري والمادّي في إيران ما لم تفعله جهة أخرى منذ قيام الجمهورية الإسلامية قبل قرابة الخمسين عاما. ولضمان استمرار القدرة على الصمود والتصدّي وسّع الطرفان دائرة نزاعهما، وتوجّهتا لأهداف أخرى من أجل إشغال الطرف الآخر أو إنهاكه. والواضح أن الطرفين تحاشيا استهداف النفط ومصادره ومساراته البحريّة، نظرا لما له من أهمّية لكليهما. فهذه السلعة يمكن استهدافها بسهولة، بضرب منابعه أو موانئه أو شاحناته. وتكفي الإشارة إلى أن غلق مضيق هرمز بضعة أيام أدّى لارتفاع أسعار بنزين السيارات في العواصم الغربية بمعدل الربع، وهو أمر شاقّ على المستهلكين الغربيين. وهكذا يبقى النفط عاملا جوهريا في مسار الصراع، حتى أصبح عاملا مرجّحا في التوازن السياسي والعسكري. ومع أن هذه الحقيقة ليست جديدة إلا أن مصاديقها العملية التي ظهرت في الأزمة الحالية أضافت أبعادا جديدة لذلك.
جوهر الأزمة ما يزال مشوّشا لدى الكثيرين. وهناك أبعاد عديدة لذلك، يمكن حصر بعضها بالمصالح الإسرائيلية والتوازن العسكري المستقبلي في المنطقة، والدور الأمريكي في العالم خصوصا في الشرق الأوسط، بالإضافة للنفط الذي لا يمكن فصله عن أي صراع. هذه الأبعاد الأربعة تفرض نفسها على المخطّطين الأمريكيين والغربيين، وتوجّه، بقدر كبير، سياساتهم في الشرق الأوسط. ولذلك هناك استغراب كبير من الإصرار الغربي على حماية «إسرائيل» التي لم تعد قادرة على حماية مصالحهم في المنطقة، بعد أن أصبح الدفاع عنها عبئا سياسيا وعسكريا على الغرب. ومن المؤكد أن السياسات الإسرائيلية لا تضع مصالح الغرب ضمن خططها، فكل ما يهمها الدفاع عن وجود الاحتلال حتى لو اقتضى ذلك انتهاك القوانين الدولية وضرب الآثار التاريخية. وفي الأسبوع الماضي ثارت ضجّة دولية «صامتة» بعد أن استهدفت القوات الإسرائيلية قلعة الشقيف التاريخية في لبنان وألحقت بها أضرارا بليغة. وتعتبر القلعة التي بنيت قبل 900 عام في حقبة الحروب الصليبية تراثا تاريخيا مسجّلًا لدى اليونيسكو كإرث عالمي يجب المحافظة عليه. ومن المؤكد أن استهداف القلعة لم يكن خطأ عملياتيا، بل رسالة مفادها أن قوات الاحتلال غير معنية بمراعاة القوانين وأخلاقيات الحرب. ويشجعها على ذلك ما تراه من صمت عالمي حتى عندما ترتكب جرائم حرب مكشوفة. ففي الأسابيع الأخرى قامت بجرف عشرات القرى في الشريط الحدودي بالإضافة لحملات القصف التي طالت أغلب المناطق اللبنانية، ونجم عن ذلك آلاف اللاجئين الذين تفرّقوا في الأصقاع.
إن من الصعب استيعاب السياسات الغربية والدولية إزاء ما يحدث في الشرق الأوسط. فالواضح أن «إسرائيل» تنفّذ خططها بدون أي اعتبار للآخرين. ولكن الواضح أيضا أن تلك الخطط يتم وضعها من قبل الجنرالات الإسرائيليين الذين يتعاملون مع الوضع كمسرح للعمليات، بعيدا عن الاعتبارات السياسية. وفي ذلك تهديد للأمن الإقليمي من جهة ومصالح الغرب من جهة آخرى. فهذه الخطط تصطدم مع محاولات إحلال السلام في الشرق الأوسط، وذلك ضروري لمنع تفاقم الأزمات التي من شأنها تهديد مصالح الغرب خصوصا في مجالات النفط والعلاقات السياسية مع دول المنطقة، وخلق توازن سياسي في الشرق الأوسط يحمي، قدر الإمكان، المصالح الغربية. ولكن غياب الاهتمام الدولي اللائق لا ينسجم مع ما تمثله الخطط الإسرائيلية من تهديد لتلك المصالح. هذا بالإضافة لما ينجم عن تلك الخطط من مآس إنسانية. وتكفي الإشارة إلى أن عدد ضحايا الاعتداءات الإسرائيلية منذ اجتياح الجنوب يقترب من 3300 شهيد بالإضافة إلى أضعاف ذلك العدد من الجرحى. ومع اضطراب الخطط الهادفة لإحلال الأمن خصوصا بعد ما حدث في المنطقة من تغيرات، لم يعد إحلال السلام خيارا يمكن أن يتحقق مع استمرار العدوان الإسرائيلي.
إن السلام الذي طال الحديث عنه مطلب معقّد لأنه مسرح تتصارع فيه الرؤى السياسية والحقيقة الجغراسياسية. وما لم يتم الإبحار فيه بقدر كبير من الحذاقة فقد يتحول إلى وهم لا يمكن تحقيقه. المبادرات الدبلوماسية التاريخية كانت تهدف أحياناً إلى احتواء الأزمات بدلاً من معالجة جذورها العميقة، مثل قضية اللاجئين، والحدود، ووضع القدس. ومع تباين السياسات والرؤى يعتبر البعض هذا السلام ضرورة للأمن القومي الشامل، بينما يعطي البعض الآخر أولوية لاستعادة الأرض وتحقيق قدر من السيادة ومنح الفلسطينيين حق تقرير المصير. ومع استمرار الأزمة وتقاعس الحكومات عن تحمّل المزيد من الأعباء تتوسع الفجوة بين شعوب المنطقة وحكوماتها، وبذلك تضعف احتمالات تحقيق السلام. وليس جديدا القول إن التطلعات للسلام كثيرا ما تصطدم بواقع العالم العربي من جهة وغياب الإرادة الدولية من جهة ثانية، والهيمنة الصهيونية على القرار الغربي خصوصا الأمريكي من جهة ثالثة. وما لم تتوجه الحكومات العربية نحو العمل العربي المشترك
تلعب اللوبيات الصهيونية والمنظمات الداعمة لإسرائيل دوراً رئيسياً ومكثفاً في ممارسة الضغوط السياسية والقانونية والإعلامية على الحكومات
بشكل حقيقي، وربط ذلك العمل بدور إسلامي أوسع فستظل القضية تراوح مكانها، وستبقى «إسرائيل» اللاعب السياسي الأقوى حتى ضمن عالم المسلمين.
إن مشروع تحرير فلسطين ليس خاصا بأهلها، لأن الاحتلال تهديد للمنطقة وأمن شعوبها، وتهميش دور حكوماتها. ولذلك يقتضي المنطق أمورا عديدة. أولها إبقاء التحرير، كما كان، شعارا عاليا ترفعه الجماهير بدون تردد، ويتم تسخير الإمكانات السياسية والثقافية للتغنّي به كمشروع للأمّة وجماهيرها، ويعود لموقعه في التراث الثقافي والأدبي. ثانيها: أن يجري العمل للحفاظ على الزخم الدولي لمشروع تحرير فلسطين، فهو ما يزال عنوانا للنضال الدولي من أجل الحرّيّة والعدالة، وما تزال قضية فلسطين معروفة لدى شعوب العالم قاطبة. ثالثها: عدم الترويج لمشاريع التسوية التي تنطلق من الغرب والتي تضع حماية الاحتلال وأمن «إسرائيل» على رأس أولوياتها. ولطالما سعى الغربيون لإزالة اسم فلسطين من الخريطة السياسية، بل أن رفع علمها في التظاهرات التي تخرج في العواصم الغربية يتعرض للمنع والتجريم. رابعها: أن هناك أرضية أخلاقية مناسبة لمحاصرة الاحتلال بسبب ما ارتكبه من جرائم ضد الإنسانية في تعامله مع أهل الأرض في غزّة وسعيه لتوسيع بناء المستوطنات في الضفة الغربية. خامسها: صحيح أن الدول الغربية تشهد تحوّلا في المزاج الشعبي أكثر تضامنا مع قضية فلسطين، ولكن الهيمنة الأمريكية على القرار الغربي، خصوصا في عهد ترامب، تمنع حدوث تغيرات جوهرية في السياسات الغربية تجاه فلسطين. مع ذلك فقد انتشر وعي شعبي واسع في السنوات الأخيرة دفع الكثيرين إلى مواقف عملية تدعم القضية. والمسيرات العملاقة تؤكد ذلك. كما يؤكده حالة الانزعاج لدى مجموعات الضغط الصهيونية التي أدركت خطر انتشار هذه الظاهرة وأصبحت تضغط على الحكومات لتشديد الخناق على التوجهات التحرّرية لتحجيم التظاهرات التي تؤثر، بدون شك، على الرأي العام إزاء القضية. وسعت لتجريم رفع علم فلسطين نظرا لما في ذلك من زخم للقضية.
ما بين العمل الميداني الهادف لتحرير الأرض من الاحتلال، والنشاط السياسي والإعلامي المتصاعد لغير صالح «إسرائيل» أصبح المجتمع الغربي يمر بحالة امتحان صعبة، بين البقاء على الدعم التقليدي للاحتلال، أو الانحياز لفلسطين وما يمثلها من حركات شعبية وتوجهات أيديولوجية ليبرالية وتحرّريّة. إنه مخاض صعب خصوصا في ضوء الخطط الصهيونية التي تستهدف وسائل الإعلام والمؤسسات الاكاديمية والمنظمات غير الحكومية لتحجيم اندفاعها نحو فلسطين.
وتلعب اللوبيات الصهيونية والمنظمات الداعمة لإسرائيل دوراً رئيسياً ومكثفاً في ممارسة الضغوط السياسية والقانونية والإعلامية على الحكومات الدولية والمؤسسات الدولية لوقف أي استهداف، أو تحقيق، أو مقاطعة موجهة ضد «إسرائيل». وتستخدم منظمات مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) نفوذها المالي والتنظيمي لدعم السياسيين المتعاطفين مع «إسرائيل»، وتهديد فرص إعادة انتخاب المرشحين الذين ينتقدونها. أما جماعات الضغط فتعمل على تمرير قوانين في البرلمانات الغربية (مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية) تعاقب الجهات والأشخاص الداعين لمقاطعة الاحتلال. وتستهدف المنظمات، مثل مجموعة «محامون بريطانيون من أجل إسرائيل « (UK Lawyers for Israel) ، الأصوات المناهضة والمنظمات الحقوقية عبر الإجراءات القانونية والمقاضاة بتهم «معاداة السامية». كما تعمل شبكات واسعة على صياغة الخطاب الإعلامي المؤيد للاحتلال، وتوجيه التبريرات الرسمية للسياسات الإسرائيلية نحو الرأي العام وصنّاع القرار.
٭ كاتب بحريني
نيسان ـ نشر في 2026-06-01 الساعة 12:14
رأي: سعيد الشهابي


