اتصل بنا
 

حين يضعف الخطاب الرسمي... من يحمي هيبة الدولة؟

نيسان ـ نشر في 2026-06-02 الساعة 19:20

نيسان ـ حين ننظر إلى ما يجري اليوم في الفضاء العام في الأردن، يلفت الانتباه كيف تحولت بعض التصريحات والمنشورات الرسمية إلى مادة ساخنة للنقاش، وأحياناً للسخرية أو التأويل على مواقع التواصل الاجتماعي،وهذا أمر اصبحنا نراه يومياً تقريباً مع سرعة انتشار الخبر وتداوله بين الناس.
هذا الواقع يطرح سؤالاً مباشراً: لماذا تتكرر أخطاء بعض المسؤولين في الخطاب الرسمي مؤخراً، وما الذي يجعلها تُنتج هذا المستوى من التفاعل، الذي يمتزج فيه النقد بالسخرية والتأويل، ويقترب أحياناً من حالة من الفوضى الرقمية؟
كلنا متفقون على أن النقد حق أساسي وطبيعي في أي فضاء عام، لكن الإشكال يبدأ عندما ينزلق هذا الحق إلى التشويش وإضعاف الثقة بخطاب الدولة وهيبتها. ومن وجهة نظري، لا تكمن المشكلة الأساسية في الجمهور الذي تتفاوت مستويات وعيه وخبرته وثقافته، بل في بعض المسؤولين الحاليين والسابقين الذين يُفترض أن يكونوا أكثر حرصاً وإدراكاً ووعياً بحساسية المرحلة وأهمية مواقعهم وتجربتهم داخل الإطار الرسمي للدولة.
هذا المسؤول يُفترض أنه يمثل الدولة وخطابها، لا فرداً يقدم خطاباً منعزلاً أو اجتهادات شخصية. وعليه، عندما يكشف خطابه ضعفاً في المعرفة أو ارتباكاً في التعبير أو سوء تقدير لتوقيت ما يتحدث عنه ورمزيته، فإنه لا يسيء إلى صورته الشخصية فحسب، بل إلى صورة الدولة التي يمثلها. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: ماذا يحدث عندما يتحول المسؤول نفسه إلى مادة للنقد بسبب ضعف أدواته أو محدودية إدراكه لطبيعة الدور الذي يؤديه؟ عندها يغدو النقاش مدخلاً للتفكير في مسألة أعمق تتعلق بكيفية إعداد النخب العامة واختيارها، ومدى انسجام شاغلي المواقع العامة مع متطلبات الأدوار التي يتولونها.
بالتالي، فإن الفوضى التي نشهدها على مواقع التواصل الاجتماعي ليست سوى انعكاس لمزاج عام يتشكل تدريجياً منذ سنوات، نتيجة هذه الأخطاء المتكررة. فالأثر لا يتوقف عند شخص المسؤول، بل يمتد إلى المؤسسة التي يمثلها، ثم إلى صورة الدولة ذاتها. ومع تكرار هذا النمط، يتنامى شعور لدى الجمهور من مختلف المستويات الثقافية بأن من حقه مساءلة رواية الدولة نفسها، لا مجرد التعليق على تصريح أو منشور بعينه. وهكذا لا يعود النقد أو التأويل أو التهكم موجهاً إلى أفراد بعينهم، بل إلى الخطاب الرسمي برمته، بما ينعكس سلباً على صورة الدولة وهيبتها، ويُضعف منسوب الثقة بها في المجال العام يوماً بعد يوم.
وتزداد المشكلة عندما تُعالَج هذه الأخطاء بخطاب أبوي أو تبريري بدلاً من خطاب مؤسسي واضح، فلا يؤدي ذلك إلى احتوائها، بل إلى تفاقمها وإضعاف قدرة الخطاب الرسمي على الإقناع.
ومن هنا نصل إلى أسئلة تُطرح باستمرار، وربما لا نملك لها إجابات حاسمة حتى الآن، لكن لا يمكن تجاهلها: من يمثل الدولة فعلياً؟ وكيف تُقاس كفاءة هذا التمثيل؟ وإلى متى يمكن الاستمرار في التساهل مع مسؤولين لا يعكس أداؤهم الصورة التي تليق بالدولة؟ فالمسؤول الذي يؤدي القسم أمام جلالة الملك عبدالله الثاني لا يلتزم فقط بإدارة مؤسسة أو تنفيذ مهمة إدارية، بل يتحمل أيضاً مسؤولية تمثيل الدولة في المجال العام وحماية هيبتها داخلياً وخارجياً. لذلك، يجب أن تصبح معايير الاختيار والتأهيل جزءاً أساسياً من حماية الدولة وتعزيز كفاءة مؤسساتها.
ما يواجهه الأردن اليوم لا يتعلق بأشخاص أو حوادث عابرة، بل بقدرته على ترسيخ منطق الدولة وخطابها ومؤسساتها بوصفها مرجعية تعلو على المصالح والأجندات والأفراد؛ فهؤلاء جميعاً يمرون، بينما تبقى الدولة. وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، تصبح الحاجة أكثر إلحاحاً إلى خطاب رصين ومسؤولين يمتلكون الوعي والكفاءة والقدرة على تمثيل الدولة كما ينبغي. فالدولة التي تتساهل في معايير الكفاءة لا تخسر فقط جودة أدائها، بل تُضعف قدرتها على ترسيخ هيبتها وحضورها في الوعي العام. لذلك، فإن حماية الدولة تبدأ من حماية معاييرها، لأن الكفاءة المقترنة بالوطنية ليست ميزة إضافية، بل شرطٌ من شروط الدولة الحديثة وضمانةٌ لاستمرار قوتها ومصداقيتها في الداخل والخارج.

نيسان ـ نشر في 2026-06-02 الساعة 19:20


رأي: د. آمال جبور

الكلمات الأكثر بحثاً