مسح به الأرض…
سهيل كيوان
كاتب فلسطيني
نيسان ـ نشر في 2026-06-04 الساعة 12:19
نيسان ـ «مسحوا به الأرض» عبارة عن إهانة قاسية تعرض لها شخص ما. ذُكرت هذه العبارة قبل أيام قليلة، أما الماسح فهو الرئيس الأمريكي ترامب الذي مسح الأرض بنتنياهو، من خلال مكالمة هاتفية بين الماسح والممسوح به، وهذه أثارت ابتسامة لدى كثيرين، وأفرحت كثيرين في داخل إسرائيل، وخصوصا أولئك الذين يطرحون أنفسهم كبدائل لنتنياهو، ويستعدون للانقضاض على ميراثه في الحكم، وبلا شك أن هناك كثيرين من القادة العرب الذين رأوا في هذا بارقة أمل لردع نتنياهو عن ممارسات جنون العظمة، الذي وصل أوجه بإعلانه أنه سيرغم دولا على عقد اتفاق سلام وتطبيع رغما عنها، وأطلق عليه «سلام القوّة». ووفق ما نُشر، فإن ترامب استخدم من مفردات لغة الشارع، ووجه عبارات مُهينة، من قبيل «ماذا الذي تفعله؟ هل جننت؟»،»أنت أصبحت مكروها»، «بسببك صاروا يكرهون إسرائيل» أنا حميت لك مؤخّرتك».
نتنياهو رجل في السادسة والسبعين من عمره، أمضى عقودا في الحكم والمعارضة والحروب والانتخابات. وبنى جانبا كبيرا من أسطورته الشخصية على فكرة أنّه قادر على مخاطبة الرؤساء الأمريكيين والتأثير عليهم، بل وإقناع الرأي العام الأمريكي أكثر من بعض السياسيين الأمريكيين أنفسهم.
قبل «البهدلة» المذكورة بساعات فقط، كان نتنياهو ووزير حربه يتحدثان عن اجتياح لبنان وعلى نية تحويل بيروت إلى غزّة ثانية. إلا أن إيران ربطت أي اتفاق لوقف لإطلاق النار وفتح المضيق أمام الملاحة الدولية بوقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات. نتنياهو قرر أن يتفذلك وأصرّ على الفصل بين السّاحات، محاولا إحراج إيران، ودحر حزب الله إلى موقف الضعيف المنعزل، ووضع ترامب تحت أمر واقع. لكن ما حدث، كشف من هو «المعلم» الحقيقي، وأن صاحب القرار الأخير هو من يدفع ثمن حروب إسرائيل. إيران، رغم الضربات التي تلقتها، لم تتخل عن أوراقها الإقليمية بسهولة. وهي تدرك أن خسارة حليف استراتيجي مثل حزب الله ليس مجرد خسارة عسكرية يمكن تعويضها، بل ضربة تمس مكانتها الإقليمية وثقة حلفائها بها، بل ربما تترك أثرا داخليا على النظام نفسه. وكان نتنياهو يريد أن يفرض رؤيته السياسية والعسكرية باعتبارها الواقع الوحيد الممكن، إلى أن اصطدم بحدود القوة الإسرائيلية نفسها.
تركيا تستعد لمرحلة تحول شاملة تمتد من التغيير الدستوري إلى الانطلاقة الاقتصادية، ومن الجغرافيا السياسية الإقليمية إلى توازنات سياسية جديدة
منذ قيام إسرائيل، اعتاد قادتها الظهور بمظهر الدولة القوية القادرة على فرض إرادتها على المنطقة، وعلى أنها حرة في قرارتها. في عام 1956، بعد العدوان الثلاثي على مصر ووصول القوات الإسرائيلية الى قناة السويس، اعتقد دافيد بن غوريون أن إسرائيل حققت إنجازا تاريخيا بالشراكة مع فرنسا وبريطانيا. لكن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور أجبر إسرائيل وبريطانيا وفرنسا على الانسحاب، وهذا انسجم مع موقف الاتحاد السوفييتي في حينه. يومها اكتشفت إسرائيل أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي حتى مع بريطانيا وفرنسا إذا عارضتها واشنطن. هذا الدرس يتكرر منذ عقود، إسرائيل قوية، لكنها ليست مستقلة تماما عن الإرادة الأمريكية. ربما لهذا السبب جاءت كلمات ترامب، قاسية على صديقه نتنياهو. ترامب يرى نفسه صاحب الفضل الأكبر على إسرائيل في السنوات الأخيرة. فقد اعترف بالقدس عاصمة لها، واعترف بضم الجولان، وقدم لها دعما سياسيا غير مسبوق، ووقف إلى جانبها في لحظات حرجة، وهو يتصرف بعقلية رجل الأعمال الذي يطالب بعائد على استثماره، أو الذي لم يتلق الرّبح المنتظر من استثماره. أما نتنياهو فيرى نفسه صاحب الفضل في جرّ الولايات المتحدة إلى تبني السياسات الإسرائيلية، ويسوّق نفسه على أنه بذكائه السياسي وعلاقاته الشخصية تمكن من توظيف القوة الأمريكية لخدمة مشروعه، وهذا يمنحه قوة كبيرة داخل المجتمع الإسرائيلي، فهو الساحر وفريد عصره القادر على إقناع رئيس أمريكي بالدخول في حرب ضد أشرس أعداء إسرائيل، وفي الواقع تظهر صورته كمن سيطر على القرار الأمريكي من خلال سيطرته على ترامب وعلاقته الشخصية به، التي يحاول إظهارها كعلاقة عائلية.
هنا يقع التصادم بين شخصيتين نرجسيتين، كلٌ منهما يريد أن يظهر صاحب الإنجازات، وأن ينسب النجاح إلى نفسه. لكن الفارق أن أحدهما يقود الدولة الأقوى في العالم، والآخر يقود دولة تعتمد في جزء كبير من قوتها على تلك الدولة العظمى، والحقيقة أن نتنياهو اعتاد خلال سنوات طويلة أن يهدّد دول المنطقة، ويتحدث مع قادتها بلغة استعلائية. وفي الواقع، فإن جزءا مهما من هذه الهيبة مستمدٌ من القوة الأمريكية أكثر مما هو مستمد من القوة الإسرائيلية ذاتها. لذلك، حين يقال إن ترامب قال له: «لولاي لما كنت هنا»، فإن العبارة، مهما بدت فظّة، تحمل الكثير من الحقيقة السياسية. وقد أثبتت الأحداث أنّ المظلة الأمريكية ليست تفصيلا يمكن الاستغناء عنه، بل العمود الأساسي، وأن إسرائيل من غير أمريكا ضعيفة مهما تسلّحت، وما كان بإمكانها مواجهة إيران لوحدها بهذا الثمن القليل نسبيا من الخسائر.
الدعم الأمريكي غير مقتصر على السلاح والمال، بل على تحييد أعداء وخصوم إسرائيل والضغط عليهم لصالح إسرائيل، وآخر مساعي ترامب التي ما زالت طازجة كانت محاولة ربط اتفاق سلام مع إيران بتطبيع عدد من الدول العربية والإسلامية مع إسرائيل، إضافة إلى مفاوضات جارية لعقد سلام مع لبنان. لكن نتنياهو النرجسي يحاول أن يبدو وكأنه هو صاحب القرار، وفي الوقت الذي يحاول ترامب عقد سلام بين لبنان وإسرائيل، «أدخل نتنياهو أصبعه في عين ترامب»، محاولا وضعه تحت أمر واقع، وهو فصل الساحات، وعدم ربط الموقف في لبنان بالموقف من إيران، هذا استفز ترامب ورأى فيه محاولة للالتفاف على إنجازاته. لقد كتب عشرات علماء النفس والأكاديميين الأمريكيين عن شخصيته، وحاول بعضهم تفسير سلوكه من خلال النرجسية المفرطة وتقلّب المزاج والحاجة المستمرة إلى إثارة الإعجاب، وهذا جعله يقول أحيانا ما يفكر فيه ممن دون تجميل دبلوماسي. وهو بهذا يختلف عن معظم السياسيين من الرؤساء الأمريكيين السابقين ومن قادة دول يخفون مشاعرهم الحقيقية خلف لغة رسمية منمّقة.
هنالك كثير من السياسيين الذين استعملوا ألفاظا نابية وفظة في تعاملهم مع ساسة آخرين، ولكنهم حرصوا على أن تبقى وراء الستار، بينما ينقل ترامب أسلوبه إلى العلن في كثير من الأحيان. لهذا، عندما غضب، لم يتردّد في أن يقول لحليفه ما يعتقده عنه بالفعل. يستطيع نتنياهو أن يتحدث من موقع القوة مع زعماء دول كثيرة، وأن يسخر من بعضهم، أما حين يختلف مع رئيس الولايات المتحدة، فإنه يكتشف حدود قوّته، خصوصا عندما يمسح به الأرض ويُذكَّره بحجمه الحقيقي.
نتنياهو رجل في السادسة والسبعين من عمره، أمضى عقودا في الحكم والمعارضة والحروب والانتخابات. وبنى جانبا كبيرا من أسطورته الشخصية على فكرة أنّه قادر على مخاطبة الرؤساء الأمريكيين والتأثير عليهم، بل وإقناع الرأي العام الأمريكي أكثر من بعض السياسيين الأمريكيين أنفسهم.
قبل «البهدلة» المذكورة بساعات فقط، كان نتنياهو ووزير حربه يتحدثان عن اجتياح لبنان وعلى نية تحويل بيروت إلى غزّة ثانية. إلا أن إيران ربطت أي اتفاق لوقف لإطلاق النار وفتح المضيق أمام الملاحة الدولية بوقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات. نتنياهو قرر أن يتفذلك وأصرّ على الفصل بين السّاحات، محاولا إحراج إيران، ودحر حزب الله إلى موقف الضعيف المنعزل، ووضع ترامب تحت أمر واقع. لكن ما حدث، كشف من هو «المعلم» الحقيقي، وأن صاحب القرار الأخير هو من يدفع ثمن حروب إسرائيل. إيران، رغم الضربات التي تلقتها، لم تتخل عن أوراقها الإقليمية بسهولة. وهي تدرك أن خسارة حليف استراتيجي مثل حزب الله ليس مجرد خسارة عسكرية يمكن تعويضها، بل ضربة تمس مكانتها الإقليمية وثقة حلفائها بها، بل ربما تترك أثرا داخليا على النظام نفسه. وكان نتنياهو يريد أن يفرض رؤيته السياسية والعسكرية باعتبارها الواقع الوحيد الممكن، إلى أن اصطدم بحدود القوة الإسرائيلية نفسها.
تركيا تستعد لمرحلة تحول شاملة تمتد من التغيير الدستوري إلى الانطلاقة الاقتصادية، ومن الجغرافيا السياسية الإقليمية إلى توازنات سياسية جديدة
منذ قيام إسرائيل، اعتاد قادتها الظهور بمظهر الدولة القوية القادرة على فرض إرادتها على المنطقة، وعلى أنها حرة في قرارتها. في عام 1956، بعد العدوان الثلاثي على مصر ووصول القوات الإسرائيلية الى قناة السويس، اعتقد دافيد بن غوريون أن إسرائيل حققت إنجازا تاريخيا بالشراكة مع فرنسا وبريطانيا. لكن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور أجبر إسرائيل وبريطانيا وفرنسا على الانسحاب، وهذا انسجم مع موقف الاتحاد السوفييتي في حينه. يومها اكتشفت إسرائيل أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي حتى مع بريطانيا وفرنسا إذا عارضتها واشنطن. هذا الدرس يتكرر منذ عقود، إسرائيل قوية، لكنها ليست مستقلة تماما عن الإرادة الأمريكية. ربما لهذا السبب جاءت كلمات ترامب، قاسية على صديقه نتنياهو. ترامب يرى نفسه صاحب الفضل الأكبر على إسرائيل في السنوات الأخيرة. فقد اعترف بالقدس عاصمة لها، واعترف بضم الجولان، وقدم لها دعما سياسيا غير مسبوق، ووقف إلى جانبها في لحظات حرجة، وهو يتصرف بعقلية رجل الأعمال الذي يطالب بعائد على استثماره، أو الذي لم يتلق الرّبح المنتظر من استثماره. أما نتنياهو فيرى نفسه صاحب الفضل في جرّ الولايات المتحدة إلى تبني السياسات الإسرائيلية، ويسوّق نفسه على أنه بذكائه السياسي وعلاقاته الشخصية تمكن من توظيف القوة الأمريكية لخدمة مشروعه، وهذا يمنحه قوة كبيرة داخل المجتمع الإسرائيلي، فهو الساحر وفريد عصره القادر على إقناع رئيس أمريكي بالدخول في حرب ضد أشرس أعداء إسرائيل، وفي الواقع تظهر صورته كمن سيطر على القرار الأمريكي من خلال سيطرته على ترامب وعلاقته الشخصية به، التي يحاول إظهارها كعلاقة عائلية.
هنا يقع التصادم بين شخصيتين نرجسيتين، كلٌ منهما يريد أن يظهر صاحب الإنجازات، وأن ينسب النجاح إلى نفسه. لكن الفارق أن أحدهما يقود الدولة الأقوى في العالم، والآخر يقود دولة تعتمد في جزء كبير من قوتها على تلك الدولة العظمى، والحقيقة أن نتنياهو اعتاد خلال سنوات طويلة أن يهدّد دول المنطقة، ويتحدث مع قادتها بلغة استعلائية. وفي الواقع، فإن جزءا مهما من هذه الهيبة مستمدٌ من القوة الأمريكية أكثر مما هو مستمد من القوة الإسرائيلية ذاتها. لذلك، حين يقال إن ترامب قال له: «لولاي لما كنت هنا»، فإن العبارة، مهما بدت فظّة، تحمل الكثير من الحقيقة السياسية. وقد أثبتت الأحداث أنّ المظلة الأمريكية ليست تفصيلا يمكن الاستغناء عنه، بل العمود الأساسي، وأن إسرائيل من غير أمريكا ضعيفة مهما تسلّحت، وما كان بإمكانها مواجهة إيران لوحدها بهذا الثمن القليل نسبيا من الخسائر.
الدعم الأمريكي غير مقتصر على السلاح والمال، بل على تحييد أعداء وخصوم إسرائيل والضغط عليهم لصالح إسرائيل، وآخر مساعي ترامب التي ما زالت طازجة كانت محاولة ربط اتفاق سلام مع إيران بتطبيع عدد من الدول العربية والإسلامية مع إسرائيل، إضافة إلى مفاوضات جارية لعقد سلام مع لبنان. لكن نتنياهو النرجسي يحاول أن يبدو وكأنه هو صاحب القرار، وفي الوقت الذي يحاول ترامب عقد سلام بين لبنان وإسرائيل، «أدخل نتنياهو أصبعه في عين ترامب»، محاولا وضعه تحت أمر واقع، وهو فصل الساحات، وعدم ربط الموقف في لبنان بالموقف من إيران، هذا استفز ترامب ورأى فيه محاولة للالتفاف على إنجازاته. لقد كتب عشرات علماء النفس والأكاديميين الأمريكيين عن شخصيته، وحاول بعضهم تفسير سلوكه من خلال النرجسية المفرطة وتقلّب المزاج والحاجة المستمرة إلى إثارة الإعجاب، وهذا جعله يقول أحيانا ما يفكر فيه ممن دون تجميل دبلوماسي. وهو بهذا يختلف عن معظم السياسيين من الرؤساء الأمريكيين السابقين ومن قادة دول يخفون مشاعرهم الحقيقية خلف لغة رسمية منمّقة.
هنالك كثير من السياسيين الذين استعملوا ألفاظا نابية وفظة في تعاملهم مع ساسة آخرين، ولكنهم حرصوا على أن تبقى وراء الستار، بينما ينقل ترامب أسلوبه إلى العلن في كثير من الأحيان. لهذا، عندما غضب، لم يتردّد في أن يقول لحليفه ما يعتقده عنه بالفعل. يستطيع نتنياهو أن يتحدث من موقع القوة مع زعماء دول كثيرة، وأن يسخر من بعضهم، أما حين يختلف مع رئيس الولايات المتحدة، فإنه يكتشف حدود قوّته، خصوصا عندما يمسح به الأرض ويُذكَّره بحجمه الحقيقي.
نيسان ـ نشر في 2026-06-04 الساعة 12:19
رأي: سهيل كيوان كاتب فلسطيني


