وسط تحفظ واشنطن… فرنسا تقدم المظلة النووية كركن للدفاع الأوروبي
نيسان ـ نشر في 2026-06-07 الساعة 12:04
نيسان ـ تستمر أوروبا في البحث عن تعزيز أمنها القومي نتيجة الضغط الروسي المستمر عبر أوكرانيا وسياسة واشنطن بالانسحاب العسكري تدريجيا من هذه القارة، ووسط كل هذا تقدم فرنسا نفسها المظلة النووية الحامية من دون أن تشكل بديلا لمنظمة شمال الحلف الأطلسي.
لا تنوي فرنسا تقديم نفسها بديلا للحلف الأطلسي أو تؤثر على هياكله الأوروبية، لكن القيادة في باريس تشعر أن أوروبا تصبح تدريجيا مهمشة في الأجندة الأمريكية
وعمليا، تتزعم فرنسا المساعي العسكرية لتعزيز أمن القارة الأوروبية، فقد تميزت منذ حقبة الرئيس الأسبق شارل ديغول بهذه الخاصية باستثناء إبان حقبة ساركوزي الذي كان يميل للولايات المتحدة. وتوظف في هذه الاستراتيجية الأسلحة التي تصنعها من طائرات مقاتلة إلى السلاح النووي. وعلاقة بهذا السلاح في وقت يبحث فيه الجميع عن المظلة النووية، فقد وقعت فرنسا والنرويج الأسبوع الماضي اتفاقا استراتيجيا يعتبر خطوة بارزة في مسار تطور الأمن الأوروبي. فقد وافق هذا البلد الإسكندنافي على الانخراط في المبادرة الفرنسية للتعاون في مجال الردع النووي، لتنضم بذلك إلى مجموعة متزايدة من الدول الأوروبية الراغبة في تعميق الحوار مع باريس حول القضايا الاستراتيجية.
وهكذا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفييتي، ارتكز أمن القارة الأوروبية بشكل أساسي على المظلة النووية الأمريكية. وأصبح الحلف الأطلسي يضمن لأوروبا الحماية الاستراتيجية ضد أي تهديد نووي سوفييتي، وذلك بفضل وزن السلاح النووي الأمريكي. وبعد ثمانين سنة من هذه السياسة المتواصلة، وقع شرخ كبير مع تولي الرئيس دونالد ترامب رئاسة هذا البلد، حيث أصبحت عدد من الدول الأوروبية تشكك في الحماية الأمريكية.
وتستغل فرنسا هذه الأوضاع لتتزعم الاتحاد الأوروبي عسكريا، ليس فقط من خلال تشجيع صناعة عسكرية أوروبية بل الدفاع المشترك. في هذا الصدد، اقترح الرئيس إيمانويل ماكرون خلال هذه السنة إجراء تغيير جذري في العقيدة العسكرية الفرنسية بجعل القوة النووية الفرنسية خاصة الردع في خدمة القارة الأوروبية. ويأتي هذا العرض بحكم أن فرنسا هي القوة النووية الوحيدة وسط الاتحاد الأوروبي بعد انسحاب بريطانيا فيما يعرف بـ«بريكسيت». وعمليا، أصبحت القوة النووية الفرنسية الموزعة على غواصات نووية وكذلك مقاتلات رافال قادرة على حمل هذا النوع من السلاح ربما أهم ركيزة للدفاع الأوروبي بمعزل عن الحلف الأطلسي.
لا تنوي فرنسا تقديم نفسها بديلا للحلف الأطلسي أو تؤثر على هياكله الأوروبية، لكن القيادة في باريس تشعر أن أوروبا تصبح تدريجيا مهمشة في الأجندة الأمريكية، هذه الأخيرة التي تنظر إلى مواجهة الصين، وتترك الأوروبيين في مواجهة روسيا. وتريد باريس إشراك الشركاء الأوروبيين بشكل أكبر في التفكير الاستراتيجي. غير أن هذا لا يعني تقاسمها السيطرة على ترسانتها النووية مع الأوروبيين، التي ستظل تحت السلطة الحصرية لرئيس الجمهورية. في المقابل، تقترح باريس تعزيز التعاون في مجالات التخطيط والتدريبات العسكرية والحوار الاستراتيجي. وتنضم الدول الأوروبية عبر مراحل، فقد انضمت الدول الحليفة لفرنسا وسط أوروبا هي الأولى، ألمانيا وهولندا وبلجيكا والدنمارك والسويد واليونان، وفي مرحلة ثانية، انضمت دول أوروبا الشرقية وعلى رأسها بولندا المتحمسة جدا بسبب الخوف من روسيا ولا تستبعد احتضانها لأسلحة نووية فرنسية مستقبلا إذا رغبت باريس. وآخر المنضمين هي النرويج الأسبوع الماضي. وينتظر انضمام دول أكثر قبل نهاية السنة أو ربما بعد قمة الأطلسي في تركيا خلال الشهر المقبل. وبدون شك، ستبقى بعض الدول الأوروبية المعروفة بحيادها مثل النمسا وسويسرا وأيرلندا بعيدة عن هذه المبادرة.
وعموما، وتعكس هذه الديناميكية وعيًا متزايدًا بالتحديات الأمنية التي تواجهها القارة، الأول وهو وعي الدول الأوروبية بأن الولايات المتحدة تريد الانسحاب التدريجي من حماية أوروبا، وها هي روسيا تهاجم أوكرانيا بعنف كبير خلال الأسبوعين الأخيرين، ولم تتحرك واشنطن بل ولم ترسل أنظمة الدفاع الجوي باتريوت الكافية إلى كييف. وفي المقام الثاني أن فرنسا لا تقود لوحدها هذه الاستراتيجية بل رفقة ألمانيا، القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا. ويوجد حوار بين برلين وباريس حول هذه الاستراتيجية قد يؤدي إلى منعطف كبير جدا في الدفاع الأوروبي خلال السنوات المقبلة.
وهناك خلاف في تقييم المظلة النووية الفرنسية، فمن جهة يؤكد الخبراء أنها محدودة بحكم أنها لا تتعدى مئات الرؤوس مقابل آلاف الرؤوس الروسية، وبالتالي يجب الاستمرار في إقناع واشنطن لأنها تمتلك ثاني ترسانة نووية في العالم. ومن أنصار هذا الطرح المعهد الفرنسي للدراسات الدولية الذي يؤكد أنه حتى في حالة إضافة النووي البريطاني، تبقى الحاجة إلى النووي الأمريكي. في حين يرى طرف آخر أنه يكفي إطلاق عشرات الرؤوس النووية حتى تصبح الحياة صعبة وربما مستحيلة في أي بلد، وفرنسا تمتلك مئات الرؤوس وكذلك بريطانيا.
في غضون ذلك، يتوقف تطور مستقبل استراتيجية المظلة النووية الفرنسية للقارة الأوروبية على عدة عوامل مختلفة التأثير. أولا، مستوى وإيقاع التهديد الروسي هل سيتطور إلى تهديد حقيقي أم سيبقى في المستوى الحالي. ويضاف إلى هذا، كيف ستتطور السياسية الأمريكية خلال السنوات المقبلة لاسيما بعد رحيل الرئيس الجمهوري الحالي دونالد ترامب. وأخيرا يتجلى العامل الثالث في كيف سيتطور الموقف الفرنسي لأن باريس تستمر في سياستها بأن التحكم الأول والأخير في السلاح النووي سيكون من اختصاص رئيس الجمهورية، ولن يتعدى الاستشارة مع دول نافذة في القارة الأوروبية مثل ألمانيا وبولندا وفرنسا وإسبانيا. وتنقل جريدة «فايننشال تايمز» في تقاريرها حول الموضوع أن واشنطن ترحب بتحمل الأوروبيين جزءا من الأعباء الدفاعية، لكنها لا ترى بعين الارتياح إنشاء نظام بديل عن النووي التابع للحلف الأطلسي. ومن شأن تطوير فرنسا لهذه الاستراتيجية أن يضعف نفوذ الولايات المتحدة.
على الرغم من هذه القيود، تكتسب المبادرة الفرنسية أهمية سياسية واضحة. فهي تساهم في ترسيخ نقاش أوروبي مشترك حول القضايا الاستراتيجية. ولأول مرة منذ عقود، يناقش الأوروبيون علنًا أمنهم النووي، كما يعيدون النظر في مستوى المسؤولية الذي يمكن أن يتحملوه في مجال الدفاع.
لا تنوي فرنسا تقديم نفسها بديلا للحلف الأطلسي أو تؤثر على هياكله الأوروبية، لكن القيادة في باريس تشعر أن أوروبا تصبح تدريجيا مهمشة في الأجندة الأمريكية
وعمليا، تتزعم فرنسا المساعي العسكرية لتعزيز أمن القارة الأوروبية، فقد تميزت منذ حقبة الرئيس الأسبق شارل ديغول بهذه الخاصية باستثناء إبان حقبة ساركوزي الذي كان يميل للولايات المتحدة. وتوظف في هذه الاستراتيجية الأسلحة التي تصنعها من طائرات مقاتلة إلى السلاح النووي. وعلاقة بهذا السلاح في وقت يبحث فيه الجميع عن المظلة النووية، فقد وقعت فرنسا والنرويج الأسبوع الماضي اتفاقا استراتيجيا يعتبر خطوة بارزة في مسار تطور الأمن الأوروبي. فقد وافق هذا البلد الإسكندنافي على الانخراط في المبادرة الفرنسية للتعاون في مجال الردع النووي، لتنضم بذلك إلى مجموعة متزايدة من الدول الأوروبية الراغبة في تعميق الحوار مع باريس حول القضايا الاستراتيجية.
وهكذا، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفييتي، ارتكز أمن القارة الأوروبية بشكل أساسي على المظلة النووية الأمريكية. وأصبح الحلف الأطلسي يضمن لأوروبا الحماية الاستراتيجية ضد أي تهديد نووي سوفييتي، وذلك بفضل وزن السلاح النووي الأمريكي. وبعد ثمانين سنة من هذه السياسة المتواصلة، وقع شرخ كبير مع تولي الرئيس دونالد ترامب رئاسة هذا البلد، حيث أصبحت عدد من الدول الأوروبية تشكك في الحماية الأمريكية.
وتستغل فرنسا هذه الأوضاع لتتزعم الاتحاد الأوروبي عسكريا، ليس فقط من خلال تشجيع صناعة عسكرية أوروبية بل الدفاع المشترك. في هذا الصدد، اقترح الرئيس إيمانويل ماكرون خلال هذه السنة إجراء تغيير جذري في العقيدة العسكرية الفرنسية بجعل القوة النووية الفرنسية خاصة الردع في خدمة القارة الأوروبية. ويأتي هذا العرض بحكم أن فرنسا هي القوة النووية الوحيدة وسط الاتحاد الأوروبي بعد انسحاب بريطانيا فيما يعرف بـ«بريكسيت». وعمليا، أصبحت القوة النووية الفرنسية الموزعة على غواصات نووية وكذلك مقاتلات رافال قادرة على حمل هذا النوع من السلاح ربما أهم ركيزة للدفاع الأوروبي بمعزل عن الحلف الأطلسي.
لا تنوي فرنسا تقديم نفسها بديلا للحلف الأطلسي أو تؤثر على هياكله الأوروبية، لكن القيادة في باريس تشعر أن أوروبا تصبح تدريجيا مهمشة في الأجندة الأمريكية، هذه الأخيرة التي تنظر إلى مواجهة الصين، وتترك الأوروبيين في مواجهة روسيا. وتريد باريس إشراك الشركاء الأوروبيين بشكل أكبر في التفكير الاستراتيجي. غير أن هذا لا يعني تقاسمها السيطرة على ترسانتها النووية مع الأوروبيين، التي ستظل تحت السلطة الحصرية لرئيس الجمهورية. في المقابل، تقترح باريس تعزيز التعاون في مجالات التخطيط والتدريبات العسكرية والحوار الاستراتيجي. وتنضم الدول الأوروبية عبر مراحل، فقد انضمت الدول الحليفة لفرنسا وسط أوروبا هي الأولى، ألمانيا وهولندا وبلجيكا والدنمارك والسويد واليونان، وفي مرحلة ثانية، انضمت دول أوروبا الشرقية وعلى رأسها بولندا المتحمسة جدا بسبب الخوف من روسيا ولا تستبعد احتضانها لأسلحة نووية فرنسية مستقبلا إذا رغبت باريس. وآخر المنضمين هي النرويج الأسبوع الماضي. وينتظر انضمام دول أكثر قبل نهاية السنة أو ربما بعد قمة الأطلسي في تركيا خلال الشهر المقبل. وبدون شك، ستبقى بعض الدول الأوروبية المعروفة بحيادها مثل النمسا وسويسرا وأيرلندا بعيدة عن هذه المبادرة.
وعموما، وتعكس هذه الديناميكية وعيًا متزايدًا بالتحديات الأمنية التي تواجهها القارة، الأول وهو وعي الدول الأوروبية بأن الولايات المتحدة تريد الانسحاب التدريجي من حماية أوروبا، وها هي روسيا تهاجم أوكرانيا بعنف كبير خلال الأسبوعين الأخيرين، ولم تتحرك واشنطن بل ولم ترسل أنظمة الدفاع الجوي باتريوت الكافية إلى كييف. وفي المقام الثاني أن فرنسا لا تقود لوحدها هذه الاستراتيجية بل رفقة ألمانيا، القوة الاقتصادية الأولى في أوروبا. ويوجد حوار بين برلين وباريس حول هذه الاستراتيجية قد يؤدي إلى منعطف كبير جدا في الدفاع الأوروبي خلال السنوات المقبلة.
وهناك خلاف في تقييم المظلة النووية الفرنسية، فمن جهة يؤكد الخبراء أنها محدودة بحكم أنها لا تتعدى مئات الرؤوس مقابل آلاف الرؤوس الروسية، وبالتالي يجب الاستمرار في إقناع واشنطن لأنها تمتلك ثاني ترسانة نووية في العالم. ومن أنصار هذا الطرح المعهد الفرنسي للدراسات الدولية الذي يؤكد أنه حتى في حالة إضافة النووي البريطاني، تبقى الحاجة إلى النووي الأمريكي. في حين يرى طرف آخر أنه يكفي إطلاق عشرات الرؤوس النووية حتى تصبح الحياة صعبة وربما مستحيلة في أي بلد، وفرنسا تمتلك مئات الرؤوس وكذلك بريطانيا.
في غضون ذلك، يتوقف تطور مستقبل استراتيجية المظلة النووية الفرنسية للقارة الأوروبية على عدة عوامل مختلفة التأثير. أولا، مستوى وإيقاع التهديد الروسي هل سيتطور إلى تهديد حقيقي أم سيبقى في المستوى الحالي. ويضاف إلى هذا، كيف ستتطور السياسية الأمريكية خلال السنوات المقبلة لاسيما بعد رحيل الرئيس الجمهوري الحالي دونالد ترامب. وأخيرا يتجلى العامل الثالث في كيف سيتطور الموقف الفرنسي لأن باريس تستمر في سياستها بأن التحكم الأول والأخير في السلاح النووي سيكون من اختصاص رئيس الجمهورية، ولن يتعدى الاستشارة مع دول نافذة في القارة الأوروبية مثل ألمانيا وبولندا وفرنسا وإسبانيا. وتنقل جريدة «فايننشال تايمز» في تقاريرها حول الموضوع أن واشنطن ترحب بتحمل الأوروبيين جزءا من الأعباء الدفاعية، لكنها لا ترى بعين الارتياح إنشاء نظام بديل عن النووي التابع للحلف الأطلسي. ومن شأن تطوير فرنسا لهذه الاستراتيجية أن يضعف نفوذ الولايات المتحدة.
على الرغم من هذه القيود، تكتسب المبادرة الفرنسية أهمية سياسية واضحة. فهي تساهم في ترسيخ نقاش أوروبي مشترك حول القضايا الاستراتيجية. ولأول مرة منذ عقود، يناقش الأوروبيون علنًا أمنهم النووي، كما يعيدون النظر في مستوى المسؤولية الذي يمكن أن يتحملوه في مجال الدفاع.
نيسان ـ نشر في 2026-06-07 الساعة 12:04
رأي: حسين مجدوبي


