اتصل بنا
 

مونديال البيت الأبيض .. صافرة الصومالي التي فضحت العالم

نيسان ـ نشر في 2026-06-13 الساعة 16:29

مونديال البيت الأبيض .. صافرة الصومالي
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
لسنوات طويلة، صدعونا بشعار أن الرياضة أكبر من السياسة. قالوا إن الكرة لغة عالمية، وإن الملاعب مساحات محايدة لا تعرف لونا ولا دينا ولا جواز سفر. طالبونا بأن نفصل الرياضة عن الصراعات، وأن نؤمن بأن "الفيفا" تقف على مسافة واحدة من الجميع، لا تحكمها إلا اللوائح والروح الرياضية.
لكن يبدو أن تلك الشعارات، مثل كثير من الشعارات القادمة من الغرب، كانت صالحة للتصدير فقط.
أما حين وصلت كرة القدم إلى الولايات المتحدة، فقد سقطت الأخلاق الكروية في اختبار بسيط عند بوابة مطار.
ما جرى مع الحكم الدولي الصومالي عمر عبد القادر عثمان ليس حادثة إدارية عابرة، بل فضيحة أخلاقية كاملة التعري.
رجل شق طريقه من قلب المعاناة حتى أصبح أحد أبرز الحكام في أفريقيا، وأول صومالي يصل إلى هذا المستوى العالمي، يحمل جواز سفر دبلوماسيا وتأشيرة رسمية للمشاركة في البطولة، فيُفاجأ بمنعه من دخول الولايات المتحدة.
السبب؟
لأنه صومالي.
انتظر العالم أن يسمع زئير "الفيفا". انتظرنا أن نرى المؤسسة التي تتحدث كل يوم عن مكافحة التمييز، والدفاع عن المساواة، وحماية كرامة العاملين تحت مظلتها، وهي تنتفض دفاعا عن أحد حكامها.
لكن شيئا من ذلك لم يحدث.
جاء الرد باردا إلى حد الصقيع: ليست مشكلتنا، الدولة المضيفة هي التي تقرر.
بهذه البساطة.
الفيفا التي لم تترك شاردة ولا واردة في مونديال قطر إلا وحوّلتها إلى قضية كونية، اكتشفت فجأة فضيلة الصمت.
الإعلام الغربي نفسه، الذي استنفر جيوشه لتحليل قوانين الدولة المضيفة في قطر، وللتدقيق في ثقافة المجتمع وتقاليده، بدا هذه المرة كمن أصيب بفقدان مفاجئ لحاستي السمع والبصر.
لا حملات غضب، لا افتتاحيات نارية، لا حديث عن الإقصاء والتمييز، ولا حتى سؤال بسيط: كيف يُمنع حكم رسمي من دخول بطولة عالمية بسبب جنسيته؟ .
في قطر، تحولت كرة القدم إلى منصة لمحاضرات أخلاقية لا تنتهي، أما في أمريكا، فقد أصبح المنع حقًا سياديا، والصمت فضيلة، والخضوع للواقع نوعا من الحكمة السياسية.
هكذا ببساطة.
الحقيقة التي كشفتها هذه الواقعة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر فجاجة بعد السابع من أكتوبر. لقد سقطت الأقنعة دفعة واحدة.
حقوق الإنسان؟
حسب هوية الضحية.
حرية التعبير؟
بحسب اتجاه الرأي.
القانون الدولي؟
وفق ميزان القوة.
وحتى الرياضة، التي قيل لنا إنها آخر المساحات النقية، اتضح أنها ليست سوى امتداد لرقعة الشطرنج الكبرى.
لم تسقط الفيفا لأنها عجزت عن إدخال حكم إلى بطولة. سقطت لأنها تخلت عن أحد أبنائها في اللحظة التي كان يفترض أن تدافع عنه.
وسقطت لأنها أثبتت أن شعار "افصلوا الرياضة عن السياسة" ليس مبدأً عالميا، بل نصيحة تُعطى للضعفاء فقط، أما الأقوياء فلهم أن يمزجوا السياسة بالرياضة كما يشاؤون.
لقد تخلت إمبراطورية الفيفا عن فرسانها، وتخلت الأخلاق الرياضية عن حكامها، أما نحن، فلا ينبغي أن نتفاجأ كثيرا.
ففي زمن النفاق الكبير، لم تعد الكرة خارج السياسة، بل أصبحت أحيانا إحدى أدواتها الأكثر أناقة.

نيسان ـ نشر في 2026-06-13 الساعة 16:29

الكلمات الأكثر بحثاً