قميص نايكي المونديالي.. أسعار صادمة وشعارات بيئية!
نيسان ـ نشر في 2026-06-14 الساعة 12:48
نيسان ـ في كأس العالم لا يكون القميص مجرد قطعة قماش. هو علم صغير يرتديه اللاعب، وذاكرة يحملها المشجع، ومنتج تجاري يعيش قبل البطولة وبعدها. لذلك، عندما أعلنت نايكي عن قمصان مونديالية مصنوعة من نفايات نسيجية معاد تدويرها، بدا الأمر كأنه خطوة جديدة في طريق الموضة المستدامة. لكن ما كشفه تقرير منصة "جريست" المجلة الأمريكية المستقلة والمتخصصة في صحافة المناخ والبيئة أوضح أن الحكاية ليست بهذه البساطة.
وعد دائري
بحسب تقرير "جريست"، سيخوض لاعبون من 16 دولة مباريات كأس العالم بزي من نايكي مصنوع من أقمشة معاد تدويرها، وقد تشمل هذه الأقمشة مخلفات نسيجية وقصاصات وملابس قديمة. وتقول نايكي إنها استخدمت ما تسميه "إعادة التدوير الكيميائي المتقدم" لإنتاج أول ملابس أداء نخبوية لديها مصنوعة من 100% من نفايات النسيج.
الفكرة تبدو جذابة: قميص قديم يتحول إلى قميص جديد، ثم يعود مرة أخرى إلى الدورة نفسها، كأن الموضة وجدت أخيراً طريقة للخروج من منطق الهدر.
واقع أعقد
لكن الصورة كما يشير التقرير، أكثر تعقيداً. فإعادة التدوير الكيميائي قد تكون ممكنة تقنياً، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تصبح حلاً واسعاً يمكن للمستهلك العادي أن يلمسه في المتاجر قريباً.
فيقول باحثين وخبراء أن هذه التقنية تعمل بصورة أفضل مع المخلفات الصناعية النظيفة والمتجانسة، لا مع جبال الملابس القديمة التي يتركها الناس بعد استخدامها، لأنها غالباً تكون خليطاً من القطن، والبوليستر، والنايلون، والصوف، والإسباندكس، والأصباغ، والسحابات، والخيوط، والملصقات.
هذا الواقع الفني المعقد يقابله واقع تجاري صادم يتحمله المشجعون في المتاجر؛ إذ كشف تقرير نشرته صحيفة "ذا غارديان" بالتزامن مع البطولة، أن عشاق المنتخبات الكبرى التي ترعاها نايكي يواجهون التكلفة الأعلى تاريخياً لشراء القمصان، حيث يبلغ سعر قميص المشجعين التقليدي نحو 110 يورو (حوالي 100 دولار)، في حين يصل سعر قميص المباراة الأصلي الفاخر إلى 175 دولاراً.
صناعة ضخمة
المشكلة الحقيقية ليست في قميص واحد، بل في حجم الصناعة كلها. فبحسب التقرير، تنتج شركات الملابس أكثر من 100 مليار قطعة سنوياً، وتسهم صناعة الأزياء بما يصل إلى 10% من انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً.
والأهم أن نحو 70% من الملابس تُصنع من أقمشة مشتقة من النفط، وعلى رأسها البوليستر، وهو في النهاية نوع من البلاستيك. لذلك، فإن الحديث عن قميص معاد تدويره لا يمكن فصله عن سؤال أكبر: هل نعيد تدوير المشكلة، أم نخفف إنتاجها من الأساس؟
وخلف هذا الحجم الضخم تكمن فجوة مالية هائلة يفككها تحليل دقيق لخبير التسويق الرياضي "بيتر رولمان" نشره موقع "فوتي هيدلاينز" ؛ إذ يوضح أن التكلفة الفعلية لإنتاج قميص نايكي المونديالي داخل المصانع لا تتجاوز 11.30 يورو فقط، وهو ما يعادل 11% من قيمته في السوق. وفي المقابل، تجني نايكي ربحاً صافياً مباشراً يقدر بنحو 19.80 يورو (حوالي 21.5 دولار) عن كل قميص مشجعين يُباع، وذلك بعد خصم حصة المتجر والضرائب وحقوق الاتحادات الوطنية.
ومع توقعات تاريخية بأن تبيع الشركات الكبرى ما بين 15 إلى 20 مليون قميص ومنتج رسمي خلال فترة المونديال، تتحول هذه الهوامش البسيطة إلى أرباح صافية بمئات الملايين وعوائد إجمالية مليارية، مما يثبت أن المواد المستدامة لا تؤثر تقريباً على كلفة التصنيع الزهيدة مقارنة بضخامة العوائد.
حدود التقنية
تروّج شركات الأزياء لفكرة أن إعادة التدوير الكيميائي يمكن أن تحول الملابس القديمة إلى أقمشة جديدة بجودة قريبة من الخام الأصلي. من حيث المبدأ، هذا صحيح في بعض الحالات. لكن بحسب الخبراء، فإن الأمر يحتاج إلى نفايات نسيجية نظيفة ومفرزة جيداً وغنية بالبوليستر. أما الملابس المستخدمة فعلياً فهي أكثر فوضى: خليط مواد، ألوان، إضافات كيميائية، أزرار، سحابات، وخيوط مختلفة. وكل ذلك يجعل العملية أصعب وأكثر تكلفة، وقد يحتاج إلى فرز دقيق ومعالجة مسبقة قبل أن يبدأ التدوير أصلاً.
أرقام متناقضة
هنا تظهر الفجوة بين الطموح والحجم. فحتى لو نجحت شركات إعادة التدوير الكيميائي في توسيع إنتاجها خلال السنوات المقبلة، فإن هذا الإنتاج سيبقى صغيراً مقارنة بحجم البوليستر المتوقع.
ووفقاً للتقرير، من المتوقع أن يصل إنتاج البوليستر إلى أكثر من 169 مليون طن متري سنوياً بحلول أوائل ثلاثينات هذا القرن. في المقابل، يرى خبراء أن هدف شركة "ساير"، إحدى الشركات التي وقّعت نايكي اتفاقات معها، بإنتاج 3 ملايين طن متري بحلول عام 2032 يبدو طموحاً جداً. حتى هذا الرقم، لو تحقق، سيظل نقطة صغيرة أمام بحر من البوليستر الجديد.
ورغم تباين هذه الأرقام، تشير البيانات المالية التي نشرتها منصة "ستانداسيا" الاستثمارية، إلى أن نايكي تدعم هذا الطموح عبر عقود طويلة الأجل مع شركة "ساير" السويدية، والتي تسعى لجمع استثمارات تصل إلى 700 مليون دولار لبناء مصانع عملاقة لمحاولة سد الفجوة بين الطلب التجاري والإنتاج البيئي.
شراكات جديدة
وتشير "جريست" إلى أن نايكي وقعت اتفاقات مع شركتين في مجال إعادة التدوير الكيميائي هما هما شركة "ساير" السويدية وشركة " لوب إندستريز" الأمريكية.
وهذه الشراكات تعكس رغبة العلامات الكبرى في البحث عن بديل لا يعتمد فقط على تحويل زجاجات البلاستيك إلى ملابس، وهو النموذج الذي انتشر منذ التسعينات لكنه أصبح يواجه انتقادات؛ لأن كثيرين يرون أن الزجاجات يجب أن تعود زجاجات، لا أن تتحول إلى قمصان تنتهي لاحقاً كنفايات.
قميص رمزي
قميص كأس العالم هنا يحمل معنى يتجاوز الملعب. فهو يضع فكرة الموضة الدائرية تحت الكاميرا العالمية، ويمنحها لحظة تسويقية كبرى. لكن قوته الرمزية هي نفسها نقطة ضعفها؛ لأنه يظهر في بطولة ضخمة، وعلى أجساد لاعبين من نخبة العالم، بينما لا يزال السؤال الأساسي بلا إجابة كاملة: هل يمكن لهذا النموذج أن يصل إلى ملايين القمصان التي تُنتج وتُباع وتُرمى كل عام؟
الدرس الأكبر
ما تكشفه قمصان نايكي ليس فشل الفكرة، بل حدودها. إعادة التدوير مهمة، لكنها لا تكفي إذا استمرت الصناعة في إنتاج كميات أكبر كل عام. فالموضة لا تصبح دائرية فقط لأن قميصاً واحداً عاد إلى الدورة، بل عندما يتغير منطق الصناعة نفسها: إنتاج أقل، مواد أنظف، تصميم أسهل للتفكيك، بنية تحتية للفرز والجمع، وشفافية تسمح بمعرفة ما يحدث بعد انتهاء عمر المنتج.
تبدو قمصان كأس العالم المعاد تدويرها كإشارة إلى مستقبل ممكن، لكنها ليست المستقبل كله. هي تقول إن التقنية تستطيع أن تصنع شيئاً لافتاً، لكنها تذكّرنا أيضاً بأن المشكلة أكبر من قميص، وأكبر من بطولة، وأكبر من إعلان.
وعد دائري
بحسب تقرير "جريست"، سيخوض لاعبون من 16 دولة مباريات كأس العالم بزي من نايكي مصنوع من أقمشة معاد تدويرها، وقد تشمل هذه الأقمشة مخلفات نسيجية وقصاصات وملابس قديمة. وتقول نايكي إنها استخدمت ما تسميه "إعادة التدوير الكيميائي المتقدم" لإنتاج أول ملابس أداء نخبوية لديها مصنوعة من 100% من نفايات النسيج.
الفكرة تبدو جذابة: قميص قديم يتحول إلى قميص جديد، ثم يعود مرة أخرى إلى الدورة نفسها، كأن الموضة وجدت أخيراً طريقة للخروج من منطق الهدر.
واقع أعقد
لكن الصورة كما يشير التقرير، أكثر تعقيداً. فإعادة التدوير الكيميائي قد تكون ممكنة تقنياً، لكنها لا تزال بعيدة عن أن تصبح حلاً واسعاً يمكن للمستهلك العادي أن يلمسه في المتاجر قريباً.
فيقول باحثين وخبراء أن هذه التقنية تعمل بصورة أفضل مع المخلفات الصناعية النظيفة والمتجانسة، لا مع جبال الملابس القديمة التي يتركها الناس بعد استخدامها، لأنها غالباً تكون خليطاً من القطن، والبوليستر، والنايلون، والصوف، والإسباندكس، والأصباغ، والسحابات، والخيوط، والملصقات.
هذا الواقع الفني المعقد يقابله واقع تجاري صادم يتحمله المشجعون في المتاجر؛ إذ كشف تقرير نشرته صحيفة "ذا غارديان" بالتزامن مع البطولة، أن عشاق المنتخبات الكبرى التي ترعاها نايكي يواجهون التكلفة الأعلى تاريخياً لشراء القمصان، حيث يبلغ سعر قميص المشجعين التقليدي نحو 110 يورو (حوالي 100 دولار)، في حين يصل سعر قميص المباراة الأصلي الفاخر إلى 175 دولاراً.
صناعة ضخمة
المشكلة الحقيقية ليست في قميص واحد، بل في حجم الصناعة كلها. فبحسب التقرير، تنتج شركات الملابس أكثر من 100 مليار قطعة سنوياً، وتسهم صناعة الأزياء بما يصل إلى 10% من انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً.
والأهم أن نحو 70% من الملابس تُصنع من أقمشة مشتقة من النفط، وعلى رأسها البوليستر، وهو في النهاية نوع من البلاستيك. لذلك، فإن الحديث عن قميص معاد تدويره لا يمكن فصله عن سؤال أكبر: هل نعيد تدوير المشكلة، أم نخفف إنتاجها من الأساس؟
وخلف هذا الحجم الضخم تكمن فجوة مالية هائلة يفككها تحليل دقيق لخبير التسويق الرياضي "بيتر رولمان" نشره موقع "فوتي هيدلاينز" ؛ إذ يوضح أن التكلفة الفعلية لإنتاج قميص نايكي المونديالي داخل المصانع لا تتجاوز 11.30 يورو فقط، وهو ما يعادل 11% من قيمته في السوق. وفي المقابل، تجني نايكي ربحاً صافياً مباشراً يقدر بنحو 19.80 يورو (حوالي 21.5 دولار) عن كل قميص مشجعين يُباع، وذلك بعد خصم حصة المتجر والضرائب وحقوق الاتحادات الوطنية.
ومع توقعات تاريخية بأن تبيع الشركات الكبرى ما بين 15 إلى 20 مليون قميص ومنتج رسمي خلال فترة المونديال، تتحول هذه الهوامش البسيطة إلى أرباح صافية بمئات الملايين وعوائد إجمالية مليارية، مما يثبت أن المواد المستدامة لا تؤثر تقريباً على كلفة التصنيع الزهيدة مقارنة بضخامة العوائد.
حدود التقنية
تروّج شركات الأزياء لفكرة أن إعادة التدوير الكيميائي يمكن أن تحول الملابس القديمة إلى أقمشة جديدة بجودة قريبة من الخام الأصلي. من حيث المبدأ، هذا صحيح في بعض الحالات. لكن بحسب الخبراء، فإن الأمر يحتاج إلى نفايات نسيجية نظيفة ومفرزة جيداً وغنية بالبوليستر. أما الملابس المستخدمة فعلياً فهي أكثر فوضى: خليط مواد، ألوان، إضافات كيميائية، أزرار، سحابات، وخيوط مختلفة. وكل ذلك يجعل العملية أصعب وأكثر تكلفة، وقد يحتاج إلى فرز دقيق ومعالجة مسبقة قبل أن يبدأ التدوير أصلاً.
أرقام متناقضة
هنا تظهر الفجوة بين الطموح والحجم. فحتى لو نجحت شركات إعادة التدوير الكيميائي في توسيع إنتاجها خلال السنوات المقبلة، فإن هذا الإنتاج سيبقى صغيراً مقارنة بحجم البوليستر المتوقع.
ووفقاً للتقرير، من المتوقع أن يصل إنتاج البوليستر إلى أكثر من 169 مليون طن متري سنوياً بحلول أوائل ثلاثينات هذا القرن. في المقابل، يرى خبراء أن هدف شركة "ساير"، إحدى الشركات التي وقّعت نايكي اتفاقات معها، بإنتاج 3 ملايين طن متري بحلول عام 2032 يبدو طموحاً جداً. حتى هذا الرقم، لو تحقق، سيظل نقطة صغيرة أمام بحر من البوليستر الجديد.
ورغم تباين هذه الأرقام، تشير البيانات المالية التي نشرتها منصة "ستانداسيا" الاستثمارية، إلى أن نايكي تدعم هذا الطموح عبر عقود طويلة الأجل مع شركة "ساير" السويدية، والتي تسعى لجمع استثمارات تصل إلى 700 مليون دولار لبناء مصانع عملاقة لمحاولة سد الفجوة بين الطلب التجاري والإنتاج البيئي.
شراكات جديدة
وتشير "جريست" إلى أن نايكي وقعت اتفاقات مع شركتين في مجال إعادة التدوير الكيميائي هما هما شركة "ساير" السويدية وشركة " لوب إندستريز" الأمريكية.
وهذه الشراكات تعكس رغبة العلامات الكبرى في البحث عن بديل لا يعتمد فقط على تحويل زجاجات البلاستيك إلى ملابس، وهو النموذج الذي انتشر منذ التسعينات لكنه أصبح يواجه انتقادات؛ لأن كثيرين يرون أن الزجاجات يجب أن تعود زجاجات، لا أن تتحول إلى قمصان تنتهي لاحقاً كنفايات.
قميص رمزي
قميص كأس العالم هنا يحمل معنى يتجاوز الملعب. فهو يضع فكرة الموضة الدائرية تحت الكاميرا العالمية، ويمنحها لحظة تسويقية كبرى. لكن قوته الرمزية هي نفسها نقطة ضعفها؛ لأنه يظهر في بطولة ضخمة، وعلى أجساد لاعبين من نخبة العالم، بينما لا يزال السؤال الأساسي بلا إجابة كاملة: هل يمكن لهذا النموذج أن يصل إلى ملايين القمصان التي تُنتج وتُباع وتُرمى كل عام؟
الدرس الأكبر
ما تكشفه قمصان نايكي ليس فشل الفكرة، بل حدودها. إعادة التدوير مهمة، لكنها لا تكفي إذا استمرت الصناعة في إنتاج كميات أكبر كل عام. فالموضة لا تصبح دائرية فقط لأن قميصاً واحداً عاد إلى الدورة، بل عندما يتغير منطق الصناعة نفسها: إنتاج أقل، مواد أنظف، تصميم أسهل للتفكيك، بنية تحتية للفرز والجمع، وشفافية تسمح بمعرفة ما يحدث بعد انتهاء عمر المنتج.
تبدو قمصان كأس العالم المعاد تدويرها كإشارة إلى مستقبل ممكن، لكنها ليست المستقبل كله. هي تقول إن التقنية تستطيع أن تصنع شيئاً لافتاً، لكنها تذكّرنا أيضاً بأن المشكلة أكبر من قميص، وأكبر من بطولة، وأكبر من إعلان.


