فرص اليسار التقدمي في المشهد الأمريكي الراهن
نيسان ـ نشر في 2026-06-16 الساعة 12:33
نيسان ـ يمكن القول إن اليسار التقدمي في الولايات المتحدة يقف اليوم أمام فرصة تاريخية، ربما تكون الأكبر منذ عقود، لتعزيز نفوذه داخل الحزب الديمقراطي وربما أيضا للتقدم نحو تحقيق مكاسب انتخابية مهمة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر 2026. غير أن الحديث عن السيطرة الكاملة على الحزب الديمقراطي، أو عن فوز انتخابي كاسح يظل رهنا بمجموعة من العوامل السياسية والتنظيمية والاقتصادية، التي لم تُحسم بعد، وتجعل المشهد أكثر تعقيدا مما توحي به الحماسة التي ترافق صعود المرشحين التقدميين في عدد من الولايات والدوائر الانتخابية.
لقد شهدت السنوات الأخيرة تحولا ملحوظا داخل الحزب الديمقراطي. فبعد أن هيمنت التيارات الوسطية المرتبطة بإرث إدارة بيل كلينتون ثم إدارة باراك أوباما، على توجهات الحزب لعقود، برز جيل جديد من السياسيين والناشطين الذين يدعون إلى سياسات أكثر جذرية في قضايا العدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع الثروة والرعاية الصحية والتعليم، ومواجهة التغير المناخي. وقد ارتبط هذا الصعود بأسماء مثل بيرني ساندرز والكساندريا أوكاسيو ـ كورتيز وغيرهما من الشخصيات التي نجحت في تحويل الخطاب التقدمي من خطاب هامشي إلى أحد المكونات الأساسية للنقاش السياسي الأمريكي.
ويستفيد اليسار التقدمي اليوم من مجموعة من الظروف الموضوعية التي تدعم فرصه. أول هذه الظروف يتمثل في حالة الاستقطاب الحاد التي تعيشها الولايات المتحدة في ظل استمرار سياسات إدارة دونالد ترامب، فبالنسبة لقطاعات واسعة من الناخبين الديمقراطيين، لم يعد الهدف يقتصر على هزيمة الجمهوريين انتخابيا، بل أصبح مرتبطا بطرح رؤية بديلة للنظام الاقتصادي والاجتماعي الأمريكي. وهنا يطرح التقدميون أنفسهم باعتبارهم أصحاب مشروع متكامل لا يكتفي بمعارضة ترامب، وإنما يسعى أيضا إلى معالجة أوجه عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت خلال العقود الماضية.
العامل الثاني الذي يدعم صعود التقدميين، يتمثل في التحولات الديموغرافية داخل القاعدة الانتخابية للحزب الديمقراطي. فالناخبون الشباب والأقليات العرقية والمجموعات الحضرية المتعلمة يميلون بدرجات متفاوتة إلى تبني مواقف أكثر قربا من أجندة اليسار التقدمي. وهذه الفئات تشكل جزءا متزايدا من القاعدة الانتخابية الديمقراطية، الأمر الذي يمنح المرشحين التقدميين قدرة أكبر على المنافسة في الانتخابات التمهيدية. كما أن القضايا التي يرفعها التقدميون، مثل تخفيف أعباء الديون التعليمية وتوسيع خدمات الرعاية الصحية وضمان العدالة المناخية، تحظى بجاذبية خاصة لدى الأجيال الأصغر سنا.
أما العامل الثالث فيرتبط بتراجع الثقة الشعبية في المؤسسات السياسية والاقتصادية التقليدية. فقد أظهرت أزمات متلاحقة، من الأزمة المالية العالمية إلى تداعيات جائحة كورونا، وصولا إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، حدود السياسات التقليدية التي تبنتها النخب الحاكمة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري. وفي هذا السياق، يجد الخطاب التقدمي الذي ينتقد نفوذ الشركات الكبرى والمؤسسات المالية آذانا صاغية لدى قطاعات متزايدة من الأمريكيين.
إذا استمرت الانتقادات الموجهة لسياسات ترامب الاقتصادية والاجتماعية والخارجية، فقد يتمكن الديمقراطيون من استعادة عدد مهم من المقاعد في مجلسي النواب والشيوخ.
غير أن هذه الفرص لا تعني أن الطريق أصبح ممهدا أمام اليسار التقدمي للسيطرة على الحزب الديمقراطي. فما زالت المؤسسة الحزبية التقليدية تحتفظ بنفوذ كبير داخل الهياكل التنظيمية للحزب وفي شبكات التمويل السياسي وفي علاقاتها مع كبار المتبرعين والنقابات والمنظمات المدنية. كما أن العديد من قيادات الحزب يرون أن الخطاب التقدمي، رغم شعبيته داخل بعض الدوائر الانتخابية، قد يحد من قدرة الديمقراطيين على الفوز في الولايات والمناطق المتأرجحة التي غالبا ما تحسم نتائج الانتخابات الوطنية. ويبرز هنا تحد مهم يتعلق بالفجوة بين الانتخابات التمهيدية والانتخابات العامة. فالمرشح الذي يحقق نجاحا داخل القاعدة الديمقراطية الأكثر نشاطا وحماسة قد يواجه صعوبات أكبر عند مخاطبة الناخبين المستقلين أو المعتدلين في الانتخابات العامة. ولذلك فإن قدرة التقدميين على توسيع نطاق جاذبيتهم الانتخابية، ستظل عاملا حاسما في تحديد مدى نجاحهم.
ومن ناحية أخرى، فإن انتخابات التجديد النصفي تمنح التقدميين فرصة حقيقية لتحقيق مكاسب ملموسة، فالخبرة التاريخية تشير إلى أن الحزب الموجود خارج البيت الأبيض أو الحزب المعارض للرئيس، غالبا ما يستفيد من حالة السخط الشعبي تجاه الإدارة الحاكمة. وإذا استمرت معدلات الاستقطاب المرتفعة واستمرت الانتقادات الموجهة لسياسات ترامب الاقتصادية والاجتماعية والخارجية، فقد يتمكن الديمقراطيون من استعادة عدد مهم من المقاعد في مجلسي النواب والشيوخ. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الديمقراطيون سيحققون مكاسب انتخابية، بل أي تيار داخل الحزب سيكون المستفيد الأكبر من هذه المكاسب. فإذا نجح المرشحون التقدميون في الفوز بعدد كبير من الانتخابات التمهيدية، فإن كتلتهم داخل الكونغرس ستزداد حجما وتأثيرا. أما إذا تمكنت القيادات الوسطية من الاحتفاظ بغالبية الترشيحات، فإن الحزب قد يحقق انتصارا انتخابيا، من دون أن يؤدي ذلك إلى تحول جذري في توازناته الداخلية. كذلك لا يمكن إغفال تأثير القضايا الدولية على فرص التقدميين. فقد أدى الجدل حول الحروب والصراعات الخارجية، والإنفاق العسكري، والسياسات الأمريكية تجاه مناطق مختلفة من العالم، إلى تعزيز الأصوات الداعية إلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية والتركيز على الاحتياجات الداخلية. ويجد هذا الخطاب صدى واضحا لدى قطاعات من الشباب والناخبين التقدميين الذين يفضلون توجيه الموارد العامة نحو التعليم والصحة والبنية التحتية، بدلا من الانخراط في التزامات خارجية مكلفة.
وفي المقابل، يواجه اليسار التقدمي تحديا يتمثل في ضرورة تقديم رؤية عملية وقابلة للتنفيذ. فالناخب الأمريكي لا يكتفي بالشعارات الكبرى، بل يهتم بمدى قدرة السياسيين على تحقيق نتائج ملموسة في حياته اليومية. ولذلك فإن نجاح التقدميين سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرتهم على تحويل المطالب الطموحة إلى برامج واقعية يمكن الدفاع عنها أمام الرأي العام. في المحصلة، تبدو فرص اليسار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي أكبر مما كانت عليه في أي وقت خلال العقود الأخيرة. فهناك تحولات ديموغرافية واجتماعية وسياسية تصب في مصلحته، وهناك حالة من التململ الشعبي تجاه النخب التقليدية وسياسات إدارة ترامب تمنحه زخما إضافيا. غير أن الحديث عن السيطرة الكاملة على الحزب الديمقراطي ما زال سابقا لأوانه، لأن المؤسسة الحزبية الوسطية ما زالت قوية وقادرة على الدفاع عن مواقعها ونفوذها. أما في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، فإن احتمالات تحقيق الديمقراطيين مكاسب مهمة تبدو مرتفعة إذا استمرت الاتجاهات السياسية الحالية. ولكن حجم المكاسب التي سيحصدها اليسار التقدمي تحديدا سيعتمد على نجاحه في الجمع بين الحماسة الأيديولوجية والقدرة على بناء تحالفات انتخابية واسعة تتجاوز قاعدته التقليدية. وإذا نجح في ذلك، فقد لا تكون انتخابات 2026 مجرد محطة انتخابية عابرة، بل خطوة مهمة نحو إعادة تشكيل الحزب الديمقراطي وصياغة ملامح جديدة للسياسة الأمريكية في السنوات المقبلة.
*كاتب مصري
لقد شهدت السنوات الأخيرة تحولا ملحوظا داخل الحزب الديمقراطي. فبعد أن هيمنت التيارات الوسطية المرتبطة بإرث إدارة بيل كلينتون ثم إدارة باراك أوباما، على توجهات الحزب لعقود، برز جيل جديد من السياسيين والناشطين الذين يدعون إلى سياسات أكثر جذرية في قضايا العدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع الثروة والرعاية الصحية والتعليم، ومواجهة التغير المناخي. وقد ارتبط هذا الصعود بأسماء مثل بيرني ساندرز والكساندريا أوكاسيو ـ كورتيز وغيرهما من الشخصيات التي نجحت في تحويل الخطاب التقدمي من خطاب هامشي إلى أحد المكونات الأساسية للنقاش السياسي الأمريكي.
ويستفيد اليسار التقدمي اليوم من مجموعة من الظروف الموضوعية التي تدعم فرصه. أول هذه الظروف يتمثل في حالة الاستقطاب الحاد التي تعيشها الولايات المتحدة في ظل استمرار سياسات إدارة دونالد ترامب، فبالنسبة لقطاعات واسعة من الناخبين الديمقراطيين، لم يعد الهدف يقتصر على هزيمة الجمهوريين انتخابيا، بل أصبح مرتبطا بطرح رؤية بديلة للنظام الاقتصادي والاجتماعي الأمريكي. وهنا يطرح التقدميون أنفسهم باعتبارهم أصحاب مشروع متكامل لا يكتفي بمعارضة ترامب، وإنما يسعى أيضا إلى معالجة أوجه عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت خلال العقود الماضية.
العامل الثاني الذي يدعم صعود التقدميين، يتمثل في التحولات الديموغرافية داخل القاعدة الانتخابية للحزب الديمقراطي. فالناخبون الشباب والأقليات العرقية والمجموعات الحضرية المتعلمة يميلون بدرجات متفاوتة إلى تبني مواقف أكثر قربا من أجندة اليسار التقدمي. وهذه الفئات تشكل جزءا متزايدا من القاعدة الانتخابية الديمقراطية، الأمر الذي يمنح المرشحين التقدميين قدرة أكبر على المنافسة في الانتخابات التمهيدية. كما أن القضايا التي يرفعها التقدميون، مثل تخفيف أعباء الديون التعليمية وتوسيع خدمات الرعاية الصحية وضمان العدالة المناخية، تحظى بجاذبية خاصة لدى الأجيال الأصغر سنا.
أما العامل الثالث فيرتبط بتراجع الثقة الشعبية في المؤسسات السياسية والاقتصادية التقليدية. فقد أظهرت أزمات متلاحقة، من الأزمة المالية العالمية إلى تداعيات جائحة كورونا، وصولا إلى ارتفاع تكاليف المعيشة، حدود السياسات التقليدية التي تبنتها النخب الحاكمة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري. وفي هذا السياق، يجد الخطاب التقدمي الذي ينتقد نفوذ الشركات الكبرى والمؤسسات المالية آذانا صاغية لدى قطاعات متزايدة من الأمريكيين.
إذا استمرت الانتقادات الموجهة لسياسات ترامب الاقتصادية والاجتماعية والخارجية، فقد يتمكن الديمقراطيون من استعادة عدد مهم من المقاعد في مجلسي النواب والشيوخ.
غير أن هذه الفرص لا تعني أن الطريق أصبح ممهدا أمام اليسار التقدمي للسيطرة على الحزب الديمقراطي. فما زالت المؤسسة الحزبية التقليدية تحتفظ بنفوذ كبير داخل الهياكل التنظيمية للحزب وفي شبكات التمويل السياسي وفي علاقاتها مع كبار المتبرعين والنقابات والمنظمات المدنية. كما أن العديد من قيادات الحزب يرون أن الخطاب التقدمي، رغم شعبيته داخل بعض الدوائر الانتخابية، قد يحد من قدرة الديمقراطيين على الفوز في الولايات والمناطق المتأرجحة التي غالبا ما تحسم نتائج الانتخابات الوطنية. ويبرز هنا تحد مهم يتعلق بالفجوة بين الانتخابات التمهيدية والانتخابات العامة. فالمرشح الذي يحقق نجاحا داخل القاعدة الديمقراطية الأكثر نشاطا وحماسة قد يواجه صعوبات أكبر عند مخاطبة الناخبين المستقلين أو المعتدلين في الانتخابات العامة. ولذلك فإن قدرة التقدميين على توسيع نطاق جاذبيتهم الانتخابية، ستظل عاملا حاسما في تحديد مدى نجاحهم.
ومن ناحية أخرى، فإن انتخابات التجديد النصفي تمنح التقدميين فرصة حقيقية لتحقيق مكاسب ملموسة، فالخبرة التاريخية تشير إلى أن الحزب الموجود خارج البيت الأبيض أو الحزب المعارض للرئيس، غالبا ما يستفيد من حالة السخط الشعبي تجاه الإدارة الحاكمة. وإذا استمرت معدلات الاستقطاب المرتفعة واستمرت الانتقادات الموجهة لسياسات ترامب الاقتصادية والاجتماعية والخارجية، فقد يتمكن الديمقراطيون من استعادة عدد مهم من المقاعد في مجلسي النواب والشيوخ. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الديمقراطيون سيحققون مكاسب انتخابية، بل أي تيار داخل الحزب سيكون المستفيد الأكبر من هذه المكاسب. فإذا نجح المرشحون التقدميون في الفوز بعدد كبير من الانتخابات التمهيدية، فإن كتلتهم داخل الكونغرس ستزداد حجما وتأثيرا. أما إذا تمكنت القيادات الوسطية من الاحتفاظ بغالبية الترشيحات، فإن الحزب قد يحقق انتصارا انتخابيا، من دون أن يؤدي ذلك إلى تحول جذري في توازناته الداخلية. كذلك لا يمكن إغفال تأثير القضايا الدولية على فرص التقدميين. فقد أدى الجدل حول الحروب والصراعات الخارجية، والإنفاق العسكري، والسياسات الأمريكية تجاه مناطق مختلفة من العالم، إلى تعزيز الأصوات الداعية إلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية والتركيز على الاحتياجات الداخلية. ويجد هذا الخطاب صدى واضحا لدى قطاعات من الشباب والناخبين التقدميين الذين يفضلون توجيه الموارد العامة نحو التعليم والصحة والبنية التحتية، بدلا من الانخراط في التزامات خارجية مكلفة.
وفي المقابل، يواجه اليسار التقدمي تحديا يتمثل في ضرورة تقديم رؤية عملية وقابلة للتنفيذ. فالناخب الأمريكي لا يكتفي بالشعارات الكبرى، بل يهتم بمدى قدرة السياسيين على تحقيق نتائج ملموسة في حياته اليومية. ولذلك فإن نجاح التقدميين سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرتهم على تحويل المطالب الطموحة إلى برامج واقعية يمكن الدفاع عنها أمام الرأي العام. في المحصلة، تبدو فرص اليسار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي أكبر مما كانت عليه في أي وقت خلال العقود الأخيرة. فهناك تحولات ديموغرافية واجتماعية وسياسية تصب في مصلحته، وهناك حالة من التململ الشعبي تجاه النخب التقليدية وسياسات إدارة ترامب تمنحه زخما إضافيا. غير أن الحديث عن السيطرة الكاملة على الحزب الديمقراطي ما زال سابقا لأوانه، لأن المؤسسة الحزبية الوسطية ما زالت قوية وقادرة على الدفاع عن مواقعها ونفوذها. أما في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، فإن احتمالات تحقيق الديمقراطيين مكاسب مهمة تبدو مرتفعة إذا استمرت الاتجاهات السياسية الحالية. ولكن حجم المكاسب التي سيحصدها اليسار التقدمي تحديدا سيعتمد على نجاحه في الجمع بين الحماسة الأيديولوجية والقدرة على بناء تحالفات انتخابية واسعة تتجاوز قاعدته التقليدية. وإذا نجح في ذلك، فقد لا تكون انتخابات 2026 مجرد محطة انتخابية عابرة، بل خطوة مهمة نحو إعادة تشكيل الحزب الديمقراطي وصياغة ملامح جديدة للسياسة الأمريكية في السنوات المقبلة.
*كاتب مصري
نيسان ـ نشر في 2026-06-16 الساعة 12:33
رأي: عمرو حمزاوي


