اتصل بنا
 

من انتصر؟

نيسان ـ نشر في 2026-06-17 الساعة 12:28

نيسان ـ في الحرب، أيًّا كان الطرف الذي يسمّي نفسه منتصرًا، فلا يوجد منتصرون؛ بل الجميع خاسرون - نيفيل تشامبرلين، رئيس وزراء بريطاني.
في خضمّ مباريات كأس العالم، أصبحت تصنيفاتنا تدور بين منتصر ومهزوم ومتعادل. وقبل انطلاق كأس العالم، جرت مباراة كبرى بين إيران والولايات المتحدة، انتهت في نهاية المطاف بصفقة تهدف إلى إنهاء الحرب. وقد تسرّبت بنود هذه الصفقة إلى وسائل الإعلام من داخل البيت الأبيض. وبعد أن تعرّضت الولايات المتحدة لكثير من الانتقادات بسبب بنود الاتفاقية، ردّ نائب الرئيس الأمريكي بأن هذه البنود لم تُؤكَّد بعد، لكنه، في الوقت نفسه، لم ينفِ صحتها.
وقد صُنِّفت البنود المسرّبة بحسب الأهمية، في محاولة لتحديد هوية المنتصر. فالبند الأول يتعلّق بألا تمتلك إيران سلاحًا نوويًا. غير أن هذا لم يكن المبرّر الذي اندلعت الحرب على أساسه، بل تحوّل، بعد فشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها، إلى الشعار الرئيسي للحرب بعد أربعة أسابيع من بدايتها. ووفقًا لقناة بلومبيرغ، فإن الاتفاق من شأنه أن يضمن عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، مع السماح لها في الوقت نفسه بالحفاظ على برنامج نووي مدني. وبعبارة أخرى، فإننا نعود عمليًا إلى اتفاق أوباما لعام 2015، الذي انقلب عليه الرئيس ترامب لاحقًا.
أما البند الثاني فيتعلّق بإعادة فتح مضيق هرمز. وهذا المضيق كان مفتوحًا قبل الحرب، غير أن من نتائجها أنها منحت إيران خيار فتحه أو إغلاقه. وأكاد أجزم أن إيران كانت تحلم، في السابق، بامتلاك ورقة السيطرة على هذا المضيق، فجاءت الولايات المتحدة ومنحتها هذه الورقة، لتستخدمها خيارًا أخيرًا في الدفاع عن نفسها، وقد نجحت في استخدامها.
ويأتي البند الثالث متصلًا بدعم الحلفاء؛ إذ كان من بين الأسباب المعلنة للحرب إنهاء دعم إيران لحلفائها، غير أن البنود المسرّبة لا تتضمن أي قيود واضحة تمنع إيران من مواصلة دعم هؤلاء الحلفاء. أما البند الرابع، فيتعلق ببناء القدرات العسكرية، إذ لا تتضمن البنود المسرّبة أي قيود على إيران في بناء قدراتها العسكرية. بل إن إيران، بموجب هذه الصفقة، ستحصل على أصول مجمّدة تُقدَّر بمليارات الدولارات، مع رفع العقوبات عنها تدريجيًا.
أما البند الخامس، فهو انتهاء الحرب على جميع الجبهات. وقد يبدو ذلك انتصارًا للجميع، غير أن الواقع يشير إلى أن جميع الجبهات فشلت في تحقيق أهداف الحرب. فوقف الحرب لا يعني بالضرورة أن طرفًا قد انتصر على الآخر؛ وهذا، تحديدًا، ما لم يحدث. ثم يأتي البند السادس المتعلق بتخفيف الوجود الإيراني في المنطقة؛ فقد تضمّنت مذكرة التفاهم طلبًا من إيران بتخفيف وجودها في المنطقة، وهو ما قد يؤدي إلى تقليص مستوى الحماية التي توفرها لحلفائها. غير أن ذلك، في المقابل، لا يمنع إيران من امتلاك قدرة أكبر على مهاجمة دول المنطقة، أو من دفع حلفائها إلى القيام بذلك نيابةً عنها.
وهنا يبرز السؤال الأهم: ما الذي دفع الولايات المتحدة إلى الإقدام على هذه الصفقة؟
بكلمة واحدة: الاقتصاد. فقد دخلت الولايات المتحدة والكيان الحرب استنادًا إلى تفوقهما العسكري، وقد تحقق ذلك بالمعنى التقليدي. إلا أنهما فشلا في حسم حرب الاستنزاف التي قادتها إيران، عبر مسيّرات وزوارق لا تتجاوز تكلفتها آلاف الدولارات، في مقابل أنظمة تصدٍّ تُقدَّر كلفتها بمئات الآلاف. ومع ارتفاع أسعار الطاقة، وتفاقم مؤشرات الركود الاقتصادي، واهتزاز سلاسل التوريد، ازدادت الضغوط على الولايات المتحدة لدفعها نحو وقف الحرب.
ولذلك، وضمن هذه البنود المسرّبة، إن صحّت، فإننا أمام منتصر ومهزوم، وقطعًا لن تكون الولايات المتحدة هي الطرف المنتصر. فهي، بموجب هذه الصفقة، تفكّ الحصار عن إيران، وتعيد إليها أصولها المجمّدة، والتي سيذهب جزء منها، على الأرجح، إلى دعم حلفائها وبناء قدراتها العسكرية؛ لتعود الدائرة من جديد.
لقد رسمت هذه الحرب ملامح حروب المستقبل؛ حروبٌ لن يكون التفوق العسكري التقليدي وحده كافيًا لحسمها، بل سيكون المنتصر فيها من يستطيع القتال بأقل الموارد، واستنزاف خصمه بأعلى كلفة ممكنة.

نيسان ـ نشر في 2026-06-17 الساعة 12:28


رأي: اسماعيل الشريف

الكلمات الأكثر بحثاً