اتصل بنا
 

حفلات التخرج.. مهرجانات الوهم والفقر المتأنق

نيسان ـ نشر في 2026-06-17 الساعة 17:19

حفلات التخرج.. مهرجانات الوهم والفقر المتأنق
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
ليست كل الظواهر الاجتماعية بريئة كما تبدو. فبعضها يبدأ كتعبير مشروع عن الفرح، ثم يتحول تدريجيا إلى عبء اقتصادي ونفسي يرهق الأسر ويعيد تشكيل القيم والمعايير داخل المجتمع. وحفلات التخرج التي تتوسع عاما بعد عام لم تعد مجرد مناسبة للاحتفاء بإنجاز أكاديمي، بل غدت في كثير من الأحيان ساحة لاستعراض المكانة الاجتماعية، وسباقا محموما لإثبات أننا لسنا أقل من الآخرين، مهما بلغت الكلفة.
من حيث المبدأ، لا مشكلة في الفرح. ولا أحد يعترض على أن يحتفل الأب بابنه أو الأم بابنتها بعد سنوات من الدراسة والتعب. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الاحتفال أهم من المناسبة نفسها، وحين تتحول الشهادة إلى ذريعة للإنفاق المفرط، ويصبح التصفيق غاية قائمة بذاتها.
حفل الزفاف في أصله لم يكن أكثر من إعلان اجتماعي بأن فلانا وفلانة أصبحا زوجين. مجرد إشهار للعلاقة أمام المجتمع. لكننا نجحنا، عبر عقود طويلة، في تحويل هذا الإعلان البسيط إلى مشروع مالي قد يستهلك مدخرات سنوات كاملة.
واليوم يبدو أننا نسير في الاتجاه ذاته مع حفلات التخرج.
فما الذي نحتفل به على وجه التحديد؟
هل نجح صاحبنا في اكتشاف علاج لمرض مستعص؟ هل شطر الذرة؟ هل أضاف معرفة جديدة للبشرية؟
في كثير من الأحيان لا يتجاوز الأمر حصوله على شهادة يفترض أنها خطوة أولى في طريق طويل، لكنها تتحول فجأة إلى مهرجان كامل بالإضاءة والزفة والورود وقاعات الاحتفال.
الأدهى من ذلك أن بعض العائلات تستدين لتقيم حفلا لا تملك كلفته أصلا، فقط لأنها تخشى سؤالا عابرا أو مقارنة اجتماعية أو عبارة من نوع: "عيال فلان هيصوا واحتفلوا وأنتو شو اللي رادكو" .
هنا لا يعود الاحتفال تعبيرا عن الفرح، بل يصبح ضريبة اجتماعية مفروضة باسم كلام الناس.
لقد وصلنا إلى مرحلة لم نعد نحتفل فيها بنجاح أبنائنا، بقدر ما نحاول إقناع الآخرين أننا لسنا أقل منهم.
إنها حالة يمكن وصفها بـ"الوجاهة المستعارة"، حيث يجري شراء الانطباعات بالتقسيط، فيما تتراجع القيمة الحقيقية للإنجاز نفسه.
أنظر إلى بعض حفلات التخرج فأشعر أنني أمام استعراض عسكري أكثر من كوني أمام مناسبة أكاديمية. موسيقى صاخبة، ومنصات ضخمة، وديكورات مكلفة، وصور تذكارية لا تنتهي.
أما السؤال الحقيقي حول نوعية التعليم، وحجم المعرفة المكتسبة، وفرص العمل المتاحة للخريج، فيبقى مؤجلا إلى أجل غير مسمى.
المفارقة المؤلمة أن الأب الذي يصفق بحرارة في نهاية الحفل قد يكون أكثر الناس قلقا بعد ساعات قليلة. فبينما تنطفئ الأضواء ويغادر الضيوف، يبقى هو وحيدا في مواجهة الأقساط والديون ومتطلبات الحياة اليومية.
وإذا كانت الشهادة نفسها لم تعد تضمن وظيفة، فإن الاحتفال بها لا يضمن شيئا على الإطلاق.
إن المجتمع الذي يبالغ في الاحتفال بالشهادة الورقية بينما تتراجع فيه قيمة المعرفة الحقيقية، هو مجتمع يخلط بين الرمز والمضمون، وبين الصورة والحقيقة.
لسنا ضد الفرح، ولا ضد الاحتفال، ولا ضد أن يشارك الناس أبناءهم لحظات النجاح. لكننا ضد أن يتحول الفرح إلى عبء، وأن تصبح المناسبات الاجتماعية وسيلة لقياس المكانة، وأن يختزل النجاح في حجم القاعة وعدد الحضور وكلفة الزينة.
الأمم لا تتقدم بالزفات، ولا تبنى بالأضواء الملونة، ولا تقاس بارتفاع مكبرات الصوت. ما يصنع المستقبل هو العلم نفسه، لا الحفل الذي يقام باسمه. أما حين يصبح الاحتفال أهم من الإنجاز، فإننا لا نكون أمام مناسبة اجتماعية، بل أمام مجتمع يشتري الوهم بالتقسيط، ويحتفل بانتصار لم يتحقق بعد. ياربي رحمتك

نيسان ـ نشر في 2026-06-17 الساعة 17:19

الكلمات الأكثر بحثاً