اتصل بنا
 

دي فانس وأفكاره: انشطار اليمين

نيسان ـ نشر في 2026-06-20 الساعة 12:18

نيسان ـ ما من سياسيّ يتكلّم في عالم اليوم عن الطبقة العاملة قدر نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، فهو لا يترك مناسبة إلا ويذكر فيها أنه ابن لهذه الطبقة، يرى العالم بمنظارها.
في كتابه «مرثية هيلبيلي» الصادر قبل عشر سنوات قصّ بشكل مؤثر للأمريكيين طفولته، في أسرة تنتمي الى عالم «الهيلبيلي»، أي لسكان المناطق الريفية الجبلية في أمريكا الكادحين والمهمشين واليائسين. تحدث فيه عن انتقال عائلته من الفقر الشديد في جبال كنتاكي إلى العمل في مصانع الصلب في ولاية أوهايو، وتعقب في السرد دوامات التفكك الأسري والبطالة والإدمان على المخدرات في هذه البيئة. بين سطوره فاحت رائحة «صراع طبقي» من نوع محدد: حنق على النخب الليبرالية واليسارية من أبناء الساحلين الشرقي والغربي للولايات المتحدة. سلبية وجودية تجاه الكوزموبوليتية والعولمة. وجي فانس استطاع خرق الجدران بين الطبقات. «صعد» بفضل التعليم حين استطاع الالتحاق بكلية الحقوق في جامعة ييل، وعندما عمل بعد تخرجه في قطاع رأس المال الاستثماري «خرق» نادي النخبة إنما من موقعه «البروليتاري المستدام»، بحسب منظاره لوزن الأمور. هو «الصاعد» الذي لا يريد أن ينسى المتعثرين من أبناء طبقته. أما صراعه الطبقي فلا ينتهي بـ»يا عمال العالم اتحدوا». أبدا ليس كذلك، وإنما شيء من قبيل، «يا عمال أمريكا أديروا ظهركم للعالم ما استعطتم». والطبقة العاملة الدي فانسية لا يمكن اختصارها بتلك التي توصف «بالبيضاء» في مقابل الكادحين «الأفرو-أمريكيين والملونين». عرف عن نفسه في المرثية على أنه ابن الجبال، بأصوله الاسكتلندسة الأيرلنديين، وزاد «قد أكون أبيض البشرة لكني لا أتماهى مع الانغلو ساكسون البروتستانت». هو المثقف العضوي حامل الشهادة وكاتب المرثية من موقع طبقة بلا شهادات جامعية.
بدأت الحياة السياسية الفعلية لدي فانس بسيرته الذاتية هذه. يومها لم يكن دي فانس قد أعلن تحوله الى الكاثوليكية، وقد أفرد لقصة اعتناقه لها كتابه الصادر مؤخراً، حيث نوّه بأن انقطاعه عن الإنجيلية وعودته إلى كنيسة روما تم بأثر من زوجته أوشا التي وجهته على هذا الدرب، فيما واصلت هي تمسكها بالهندوسية وطقوسها. تحوله للكاثوليكية لا يلغي في المقابل معارضته لنهج البابا الحالي.
يوم أصدر سيرته – المرثية قبل عشر سنوات، لم يكن دي فانس من مريدي ترامب. لم يتوان يومها عن تشبيهه بأدولف هتلر وطعن في أهليته لحكم البلاد. سوف يتندم لاحقا على موقفه هذا. أما «ترامب» فأخذ لنفسه وضعية العاهل المتحير لمن يسلّم ولاية العهد من بعده، لدي فانس أو لماركو روبيو. يستلذ ترامب باللعب على التنافس بين الشخصين. يجري النظر عموما الى دي فانس على أنه «فيلسوف» هذه الجوقة. والنهفة أنه لما خالف دي فانس تصميم ترامب على المضي، وإلى جانبه إسرائيل، في توجيه ضربات لإيران هذا الشتاء، أفصح ترامب عن أن نائبه «مختلف معه فلسفيا حول هذا الأمر». والحال أن رفض دي فانس الحرب على إيران وراءه بالفعل بعض من أثر قراءته لكل من القديس أغسطينس والمفكر الأنثروبولوجي الفرنسي المحافظ رينيه جيرار. فإذا كانت أمريكا صنو «مدينة الله» الأغسطينية، في عرف فانس، عليها ألا تستنزف نفسها في حروب «المدينة الأرضية»، عليها أن تتعظ من مصير روما. أما نظرية «محاكاة العنف» عند جيرار فقد استعادها دي فانس على طريقتها. فعلى أمريكا أن تتوقف عن محاكاة موقف الأوكران والأوروبيين التصادمي تجاه روسيا، ومحاكاة موقف إسرائيل الإلغائي – بكلفة عالية – لإيران. ودي فانس من أشد المعارضين داخل الحزب الجمهوري لتقديم المساعدات العسكرية والمالية لكييف بل ومن الداعين علنا لتنازلات ترابية لروسيا في أوكرانيا، هذا قبل أن نراه في أعقاب التوقيع الالكتروني لمذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية يوبخ إسرائيل ويكرس صورة منبوذيتها الكونية، لولا «رأفة» ترامب بها. وفي ما يقوله دي فانس صدى لقسم كامل من اليمين الأمريكي مقتنع بأن إسرائيل جرت أمريكا إلى الحرب، وهو ما يفتح جدلا حول السمة «اللاسامية» لموقف دي فانس هذا عند بعض الأوساط اليهودية التي ترى في هذا النوع من الخطاب ترويجا لنوع من اللاسامية يصنف تحت عنوان «فرية القوة»، بمعنى اتهام اليهود بأنهم يغررون بالإمبراطوريات الكبرى ويدفعون بها إلى حروب متعثرة. وكان هذا العام افتتح أساسا مع جدل حول موقف لفانس في ذكرى الهولوكوست اكتفى فيه بالحديث عن الوحشية البشرية دون تسمية النازيين، ومن دون ذكر اليهود بالاسم أيضا. مع هذا، لم تحرك أوساط اليمين الصهيوني بعد بشكل منهجي تهمة «معاداة السامية» بوجه دي فانس، وفي الواقع يصعب استعادة كيفية تصرف دي فانس مع فولوديمير زيلينسكي على قاعدة الاستبعاد القطعي لهذه الخلفية. وأساسا، اليمين الشعبوي المؤيد لترامب في أمريكا يجمع بين «الفيلوساميين» – الذين يربطون خلاص العالم بدعم إسرائيل، بلاساميين علنيين – تيك فوينتش، علما أن هؤلاء اللاساميين العلنيين لم يترددوا في تأييد حرب إسرائيل في غزة، لكنهم انتقلوا إلى تحميلها وزر جر أمريكا إلى حرب غير ضرورية وغير محمودة العواقب وعالية الكلفة تجاه إيران.
يوم أصدر سيرته – المرثية قبل عشر سنوات، لم يكن دي فانس من مريدي ترامب، لم يتوان يومها عن تشبيهه بأدولف هتلر وطعن في أهليته لحكم البلاد
الأزمة مع إيران لم تنته فصولا، لكن التعثر الأمريكي – الإسرائيلي في إسقاط النظام، رغم التنكيل بقسم كبير من قياداته، ورغم إضعاف مشروعه النووي، والتعثر الأمريكي في معالجة الأقفال الإيراني لمضيق هرمز، يدفع أكثر فأكثر باتجاه الشقاق داخل اليمين الشعبوي العالمي حول إسرائيل، بعد سنوات طويلة من كينونة هذا اليمين «أممية ليكودية». في هذه اللحظة، لا تزال حكومة الليكود في إسرائيل ومن يواليها تحاول أن تحدد النطاق الذي يمكن أن يصل إليه خطاب توبيخ إسرائيل في اليمين الأمريكي، وصولا إلى الخشية مجددا على الدعم العسكري نفسه، الحيوي للغاية بالنسبة إلى الدولة العبرية. إسرائيل قبل أشهر من الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول تجد نفسها وقد تعدت عزلتها الغربية الجفاء الأوروبي تجاهها. تجد نفسها في «وضعية أوكرانية» مضاعفة. جفاء أوروبيا وتوبيخا أمريكيا. هذا في مقابل احتضان أوروبي لأوكرانيا يقابله جفاء أعيد ضبطه أمريكيا تجاهها، ولم يبق يحمل صورته الأصلية غير دي فانس. أمريكيا، لن يتأخر الأمر حتى ينفجر الخلاف بين نظرتي دي فانس وروبيو حول العالم خارج الولايات المتحدة، من كوبا حتى إيران مرورا بإسرائيل. ودي فانس يتحول بالفعل إلى خصم أيديولوجي لإسرائيل في إطار اليمين العالمي، خصم من موقع «الطبقة العاملة الهيلبيلية» بالأساس، في وجه النخب الليبرالية للساحلين الأمريكي. في المقابل، السؤال يبقى إذا كان هذا النوع من الخصومة سيجر إسرائيل لكي تصبح أكثر فأكثر ممثلة «اليمين المتشدد في الجنوب العالمي»، حيث إنه في مقابل عزلتها في الشمال العالمي، لا يزال ينظر لها على أنها دولة قومية إثنو- دينية تحتذى، بتكنولوجيا أمنية ومعدات مراقبة متطورة للغاية، من حزب بهاراتيا جاناثا في الهند حتى اليمين الشعبوي في البرازيل والأرجنتين، مرورا بنزعات الإسرائيلوفيليا في أفريقيا ولدى الليكوديين العرب.
٭ كاتب لبناني

نيسان ـ نشر في 2026-06-20 الساعة 12:18


رأي: وسام سعادة

الكلمات الأكثر بحثاً