اتصل بنا
 

كيف غيرت خدمات التوصيل حركة المدن

نيسان ـ نشر في 2026-06-21 الساعة 10:49

كيف غيرت خدمات التوصيل حركة المدن
نيسان ـ خلال العقد الأخير، شهد العالم تحولاً كبيراً في أنماط الاستهلاك والتنقل نتيجة التوسع السريع في التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل المنزلي. ولم تعد هذه الخدمات تقتصر على المدن العالمية الكبرى مثل نيويورك ولندن وباريس، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في المدن الأردنية أيضاً، من عمان إلى الزرقاء وإربد والعقبة. وأصبحت الدراجات النارية ومركبات التوصيل مشهداً مألوفاً أمام المطاعم والمحال التجارية والمجمعات والأسواق.
ومع هذا التوسع المتسارع، يبرز سؤال مهم يهم المخططين الحضريين والبلديات وهيئات النقل: هل أصبحت خدمات التوصيل عاملاً إضافياً في الازدحام المروري، أم أنها في الواقع تساهم في تخفيفه؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من فهم مفهوم أصبح محوراً أساسياً في تخطيط المدن الحديثة، وهو ما يعرف عالمياً بـ "الميل الأخير" (Last Mile Delivery). ويقصد به المرحلة الأخيرة من رحلة المنتج أو الخدمة من المتجر أو المطعم أو مركز التوزيع إلى المستهلك النهائي. ورغم أن هذه المرحلة هي الأقصر جغرافياً، إلا أنها تعد الأكثر تكلفة والأكثر تعقيداً من الناحية التشغيلية، كما أنها الأكثر تأثيراً على الحركة المرورية بسبب كثرة الرحلات القصيرة والمتكررة وتعدد نقاط التوقف.
في السابق، كان المواطن يتوجه بنفسه إلى المطعم أو السوق أو الصيدلية أو المتجر. أما اليوم فقد أصبحت آلاف هذه الرحلات تنفذ يومياً بواسطة مندوبي التوصيل. ونتيجة لذلك ظهر نمط جديد من الحركة المرورية لم يكن موجوداً بهذا الحجم قبل سنوات قليلة.
ولم تعد هذه الظاهرة محلية أو إقليمية، بل أصبحت واحدة من أبرز القضايا التي تواجه المدن الكبرى حول العالم. ففي نيويورك، تشير الدراسات إلى أن النمو المتسارع للتجارة الإلكترونية أدى إلى زيادة ملحوظة في أعداد مركبات التوصيل داخل المدينة، الأمر الذي دفع السلطات إلى إعادة النظر في تنظيم مناطق التحميل والتنزيل وإدارة الأرصفة المخصصة للخدمات اللوجستية. أما في لندن فقد أصبحت إدارة "الميل الأخير" جزءاً من استراتيجية النقل الحضري، بينما اتجهت باريس وأمستردام وكوبنهاغن إلى إنشاء مراكز تجميع حضرية خارج المناطق المكتظة للحد من أعداد المركبات الداخلة إلى مراكز المدن. وفي دبي، التي تشهد نمواً متسارعاً في التجارة الإلكترونية، يجري التركيز على الحلول الذكية وإدارة البيانات اللوجستية لتحسين كفاءة عمليات التوصيل وتقليل الرحلات غير الضرورية.
وتشير دراسة المنتدى الاقتصادي العالمي حول مستقبل اقتصاد الميل الأخير إلى أن استمرار أنماط التوصيل الحالية دون تدخلات تنظيمية قد يؤدي إلى زيادة عدد مركبات التوصيل في المدن بنسبة تتجاوز 30% خلال العقد الحالي، مع ارتفاع مستويات الازدحام الحضري بنحو 21% وزيادة زمن التنقل اليومي للمواطنين بحوالي 11 دقيقة في المدن الكبرى وزيادة الانبعاثات الكربونية بشكل كبير. وقد دفعت هذه النتائج العديد من المدن العالمية إلى إعادة النظر في سياسات إدارة التوصيل الحضري، ليس بهدف الحد من هذه الخدمات، وإنما لرفع كفاءتها وتقليل آثارها على المرور والبيئة.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة فمن الخطأ اعتبار خدمات التوصيل سبباً مباشراً للازدحام دون النظر إلى الجانب الآخر من المعادلة. فلو لم تكن هذه الخدمات متاحة، لاضطر آلاف الأشخاص إلى استخدام سياراتهم الخاصة للذهاب إلى المطاعم أو الأسواق أو الصيدليات. وهنا يطرح خبراء النقل مفهوم "استبدال الرحلات"، أي أن رحلة مندوب التوصيل قد تحل محل عدة رحلات فردية كان من الممكن أن يقوم بها المستهلكون بأنفسهم. فإذا كان المندوب الواحد قادراً على تنفيذ عدة طلبات ضمن مسار واحد، فقد يكون أثره المروري أقل من خروج خمس أو ست سيارات خاصة. أما إذا كانت الخدمة تعتمد على "طلب واحد - رحلة واحدة - توصيل فوري"، فإن عدد الرحلات يرتفع بصورة كبيرة وقد تتحول الخدمة إلى عامل إضافي في الضغط على شبكة الطرق.
وفي الأردن، تبدو القضية أكثر تعقيداً بسبب الخصائص المختلفة للمدن. ففي عمان يتركز الأثر في المناطق التجارية والمطاعم والمجمعات الكبيرة نتيجة الكثافة السكانية المرتفعة والاعتماد الكبير على المركبة الخاصة. أما في الزرقاء، حيث ترتبط الحركة اليومية بشكل وثيق بالتنقل بين الزرقاء وعمان، فإن أي زيادة في الرحلات الحضرية قد تضيف ضغطاً إضافياً على شبكة الطرق القائمة. وفي إربد، التي تشهد توسعاً متسارعاً في المطاعم والخدمات المرتبطة بالجامعات والتجمعات السكانية الكبيرة، أصبحت خدمات التوصيل جزءاً أساسياً من النشاط الاقتصادي اليومي. أما العقبة، ورغم خصوصية وضعها السياحي، فإن نمو التجارة الإلكترونية والخدمات السياحية أدى أيضاً إلى زيادة الطلب على خدمات التوصيل بمختلف أشكالها.
ومن المهم الإشارة إلى أن جزءاً كبيراً من خدمات التوصيل في الأردن يعتمد على الدراجات النارية، وهو ما يخفف من حجم التأثير المروري مقارنة بالمركبات التقليدية. فالدراجات تشغل مساحة أقل على الطريق وتحتاج إلى مساحات توقف محدودة وتتمتع بمرونة أكبر في الحركة داخل المناطق المزدحمة. ومع ذلك، فإن استخدامها المكثف يطرح تحديات تتعلق بالسلامة المرورية والوقوف غير المنظم واستخدام بعض الأرصفة أو المساحات العامة بشكل غير مخصص لها.
وللهذا السبب لم تتجه المدن العالمية إلى الحد من خدمات التوصيل أو منعها، بل إلى تنظيمها. فقد بدأت العديد من المدن بدمج الذكاء الاصطناعي في إدارة التوصيل وتخصيص مواقع وقوف قصيرة أمام المطاعم والأسواق لخدمة التوصيل، وإنشاء مراكز تجميع حضرية تسمح بدمج الطلبات وتقليل عدد الرحلات خصوصاً الفارغة، وتشجيع استخدام الدراجات الكهربائية ودراجات الشحن، إضافة إلى تنظيم أوقات التوصيل وتوزيعها خارج ساعات الذروة المرورية. كما أظهرت بعض الدراسات الحديثة أن السماح بفترات توصيل أكثر مرونة ببضع دقائق فقط يمكن أن يخفض عدد الرحلات والمسافات المقطوعة بشكل ملحوظ نتيجة تحسين دمج الطلبات والمسارات.
إن الازدحام المروري في المدن الأردنية لم يبدأ مع ظهور خدمات التوصيل، ولن ينتهي بمجرد تنظيمها، فهناك عوامل أكثر تأثيراً تتعلق بالتخطيط الحضري وأنماط استعمالات الأراضي والنقل العام والاعتماد الكبير على المركبة الخاصة. إلا أن خدمات التوصيل أصبحت بلا شك عنصراً جديداً في المعادلة المرورية يستحق الدراسة والقياس والتنظيم.
وربما يكون السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس: هل تزيد خدمات التوصيل الازدحام المروري؟ بل: كيف يمكن للمدن الأردنية أن تستفيد من مزايا هذا القطاع الاقتصادي المتنامي مع تقليل آثاره السلبية على المرور والبيئة والسلامة المرورية؟
فالتحدي الحقيقي لا يكمن في مقاومة هذا التحول، بل في إدارة "اقتصاد الميل الأخير" بذكاء، بحيث يصبح جزءاً من الحل الحضري لا جزءاً جديداً من المشكلة.

نيسان ـ نشر في 2026-06-21 الساعة 10:49

الكلمات الأكثر بحثاً