اتصل بنا
 

العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية: مكرّر معاد إنتاجه

كاتب عربي

نيسان ـ نشر في 2026-06-21 الساعة 12:39

نيسان ـ بعد الكشف عن تفاصيل مذكرة التفاهم الأمريكية ــ الإيرانية، لا عجب أنّ مفردة «انتصار» غدت أقرب إلى مجاز كرة قدم تتقاذفها أقدام كبار مسؤولي البيت الأبيض، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب على رأسهم؛ وأقدام ساسة إيران، سواء أكانوا على طراز الرئيس الإيراني ووزير خارجيته، المحسوبين على تيار قبول الصفقة مع واشنطن، أو تيار الصامتين ممّن يعترضون عليها.
وأمّا التدقيق في البنود، حتى على نحو تبسيطي لا يأخذ في الحسبان ما وراء السطور أو بينها، فإنّ الأكثر صواباً، والأشدّ جدوى أغلب الظنّ، قد يكون تقليب صفحات التاريخ، القريب في الواقع وليس ذاك الضارب في القدم؛ ولسوف تتبدى دروس وعبر، مكررة أو معاد إنتاجها، حول اثنين من ملفات كثيرة اكتنفت العلاقات الأمريكية ــ الإيرانية، ما بعد سقوط الشاه وانتصار الثورة الإسلامية.
الملفّ الأوّل هو ذلك المقدار من الثبات النسبي، المفاجئ في ناظر أصحاب النوايا الحسنة أو السذّج عن سابق قصد، في توظيف «الواقعية السياسية» كلما دعت الحاجة، أو كلما انقلبت إلى خيار يمزج البراغماتية بستراتيجيات المخرج؛ وذلك لصالح الطرفين معاً، أو لأنّ الإقلاع عن ذلك المزيج يسير حكماً في غير صالحهما. الأحدث عهداً هو مثال الشجرة التي تسلقها ترامب، حين انخرط مع بنيامين نتنياهو في الحربين الأولى والثانية على طهران (تغيير النظام، تدمير البرامج النووية والصاروخية البالستية، تحجيم النفوذ وتقليم الأذرع…)؛ فانتهت إلى نزول عنها، ليس من دون خدوش ورضوض.
الملفّ الثاني هو استعداد الإدارات الأمريكية لتطويب بلدان بأكملها لصالح إيران، تحت ذريعة مفضوحة تماماً هي… تقليص نفوذ إيران، في البلد المُسلَّم ذاته، أو حتى في نطاق إقليمي أعرض. المثال الكلاسيكي قريب العهد هو العراق ما بعد الاجتياح الأمريكي سنة 2003، والعراق الراهن بعد 23 سنة من هيمنة «الحرس الثوري» على فصائله المذهبية المرتهنة التابعة. والمثال الأحدث عهداً هو لبنان، ليس بمعنى إقرار واشنطن الضمني بأنه غنيمة إيرانية مضافة، بل كذلك في إطلاق يد نتنياهو لاحتلال ربع جنوبه وارتكاب انتهاكات قصوى موصوفة في التهجير والتطهير والتدمير، وأخرى مستحدثة لا توصيف لها في معاجم جرائم الحرب.
فإذا شاء امرؤ مغادرة هذه الحال الأمريكية ــ الإيرانية، خاصة طبعتها الترامبية الأحدث، فإنّ سابقة اتفاق 2015 بين طهران ومجموعة الـ5+1 لا تبدو مختلفة إلى درجة تبيح الحديث عن طارئ. ويكفي أن يستذكر المرء ذاته أشهر التفاوض الممضة التي سبقت توقيع الاتفاق، في جنيف ومسقط ولوزان، تحت سقف واضح صريح مفاده أنّ إيران ليست البتة على مبعدة خطوات من الانتساب إلى النادي النووي؛ وأنّ من شبه المحال، على نقيض ما هو شائع، أن تمتلك الحدود الدنيا من التكنولوجيا المعقدة التي تتيح صناعة قنبلة نووية.
ورغم تشغيل مفاعل بوشهر، وتنشيط مفاعل فوردو، وإنتاج قرابة 20.000 من أجهزة الطرد المركزية في منشأة نطنز، مما يتيح إنتاج الوقود النووي ذاتياً… فإنّ إيران لم تكن قاب قوسين من تهديد التوازن النووي في المنطقة. ألا يصحّ، والحال هذه، الافتراض بأن اليوم يشبه البارحة، وقد يكون في الاتفاق الراهن من المكاسب لطهران ما يجعل طبعة سلفه باراك أوباما وثيقة مضادة من عيار ثقيل، وفي رصيد الأخير على عكس ما زعم ترامب حين ألغى الاتفاق؟
وأياً كانت المآلات خلال جولات التفاوض المقبلة، على امتداد 60 يوماً سوف تقلّ أو تزيد، فإنّ أجندات دولة الاحتلال الإسرائيلي ليست موضع ضغط على الزناد بدل الجلوس إلى طاولة مفاوضات، فحسب؛ بل يُنتظر لها أن تكون قوّة تعطيل وعرقلة، فضلاً عن تأجيج العسكرة والمزيد منها، حتى أمد مفتوح لعله سوف يتجاوز مصائر بنيامين نتنياهو وائتلافه الحاكم.

نيسان ـ نشر في 2026-06-21 الساعة 12:39


رأي: صبحي حديدي كاتب عربي

الكلمات الأكثر بحثاً