اتصل بنا
 

إيبوكسي التفاهم الأمريكي ـ الإيراني

نيسان ـ نشر في 2026-06-23 الساعة 12:24

نيسان ـ لا شيء يوحي أو يمكن البناء عليه حول مذكرة التفاهم التي وقعها كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وإمكانية التوصل إلى حل نهائي باعتبار طريق المفاوضات مزروع بالألغام إضافة الى تفخيخ الكلمات وادعاء كل طرف تحقيق النصر المطلق.
الرئيس ترامب وتصريحاته وتغريداته شبه اليومية، قد مسحت إيران من على الأرض وتفاخره بالقضاء على القوى الجوية والبحرية، وأن إيران هي التي استجدت المفاوضات عبر الطرق السرية وإعلامها يكذب ليل نهار، وبالتالي فإن مضيق هرمز يعمل وهو الذي أعطى الأوامر للسفن بتشغيل محركاتها والبدء بنقل البضائع والمرور الآمن، وابتعاد الطرفين نهائياً عن فكرة الحرب لما لها من تكاليف باهظة مع العلم أن واشنطن لا تزال تهدد بالعمل العسكري إذا لم يتم التوصل إلى حل نهائي وجذري للأزمة وشروطها الحمراء.
تسوق طهران عبر إعلامها وتوظيفها «العظيم» لمضيق هرمز؛ الدافع الرئيس الذي أجبر الولايات المتحدة لاستبدال فكرة العسكرة بالسلام، وأنها لا تزال تمتلك أوراقا رابحة غير مضيق هرمز بالإشارة إلى استهداف دول الخليج العربي عبر ميليشياتها المنتشرة، وواشنطن أدركت أن طهران تعتقد أن تكلفة الحرب أقل بكثير من تكلفة السلام، وبالتالي غيّرت من استراتيجيتها وهبطت بسقف أهدافها، وقبلت الوساطة الباكستانية والقطرية طريقا أو مساراً يمكن من خلاله تحقيق الأهداف.
كلا الطرفين توصلا إلى مذكرة التفاهم التي تم توقيعها الكترونيا ًفي باريس 18/6/2026 الخميس يونيو/حزيران، لكن لا يزال الطريق طويلا والعقبات الرئيسية أساس الأزمة والصراع بقيت لحين التفاوض والتي انطلقت يوم الأحد 21/6/ 2026 في سويسرا التي تحاول أن تُوفر «بيئة سرية وموثوقة» في منتجع بورغنشتوك الجبلي لتيسير المحادثات والمفاوضات الأمريكية الإيرانية المتعلقة بتنفيذ مذكرة التفاهم بين البلدين. وتتخذ السلطات إجراءات أمنية مشددة حول المنتجع مع تكتم شديد على أسماء المشاركين ومضمون الجلسات مراعاة لاعتبارات السرية.
واشنطن أدركت أن طهران تعتقد أن تكلفة الحرب أقل بكثير من تكلفة السلام وبالتالي غيّرت من استراتيجيتها وهبطت بسقف أهدافها وقبلت الوساطة
كلا الطرفين أيضاً بعيدان كل البعد عن فكرة السلام؛ ذلك يعود لطبيعة النظام القائم عند الدولتين، فأمريكا باعتبارها دولة عظمى مسيطرة ومهيمنة على مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، والقادرة على فرض العقوبات على أي دولة في العالم بما فيها روسيا والصين، وطبيعة أهدافها بالسيطرة والهيمنة وفق منطق القوة، وعدم وجود قوة تحاسبها أو مجرد المساءلة وبالتالي تترجم حرفيا فخ «ثوسيديدس» مع القوى الصاعدة ومنها إيران.
لا يزال النظام الإيراني يراهن على مبدأ الإزعاج والمشاغلة، باعتباره يملك أوراقا رابحة يستطيع من خلالها التحرك ودق ناقوس الخطر، وهذا ما لمسناه من خلال توجيه ضربات صاروخية على الدول العربية في الخليج والأردن وادعائه باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية، ويراهن أيضاً على قناعته بفكرة قديمة موجودة ضمن الاستراتيجية الصهيو- أمريكية ببقاء النظام الإيراني الحالي كبعبع للخليج العربي، وديمومة لشراء الأسلحة الأمريكية والمعارض العسكرية لأحدث أنواع الصنوف المنتشرة في كل دولة؛ لذلك تتنوع التصريحات المتشددة من أكثر من جهة في إيران باستمرار التحدي للغطرسة الامريكية.
إن التباين الواضح بين طرفي الصراع، ينسف بالمطلق فكرة الوصول بالمفاوضات إلى حل نهائي يرضي الطرفين، وذلك لأسباب أيديولوجية بالمقام الأول، واختلاف طبيعة النظام في كل دولة بالمقام الثاني، باعتبار إيران دولة «ثيوقراطية» تشكلت وفق منظومة ثورية راديكالية ذات أهداف توسعية وشعارات مناهضة للإمبريالية الصهيو-أمريكية ولها أذرع ووكلاء، وواشنطن ترمب دولة عظمى «بيوريتانية» تطهيرية لا تعترف بالأجناس الأخرى وعليها إخضاع هذه الأجناس وفق المبادئ والاستراتيجية الأمريكية بالسيطرة والغطرسة واستخدام القوة إذا لزم الأمر.
أعتقد أن التوصل والتوقيع على مذكرة التفاهم في باريس، ماهي إلا فترة
تخديرية تمهيدية لقادم أسوأ على الجمهورية الإسلامية، وبالتالي فترة استراحة تمكن واشنطن و«إسرائيل» بالبحث عن عدو آخر للدول الخليجية لاستمرار سلاسل التوريد من الأسلحة والمعدات العسكرية، وإمكانية خلق الفتنة وزعزعة المنطقة بين الدول العربية الخليجية أنفسهم إذا تعذر وجود عدو، وبالتالي ما تحت الرماد العربي الخليجي وميض نار يوشك أن يكون له ضرام، والأمريكان ومعهم الصهاينة ضليعين بما يسمى إيجاد الذرائع وخلق الفتن.. وأظنها جاهزة بملفات على رفوف السي أي إيه والموساد الصهيوني.
على كل حال ما يجمع بين طرفي الصراع هي الكلمات الفضفاضة والتي تبدأ بمصطلح المفاوضات، وإيجاد الحلول للصراع القائم، والحقيقة أن ما بين الطرفين ما صنع الحداد وأزيد. عدا عن ذلك تغليف أو دمج طرفي الصراع بـ (مذكرة التفاهم) بمادة «الإيبوكسي» أو «الريزن» أرضية تجمع بين المتناقضات والتباينات والوضوح، وتقديمها كلوحة قابلة للنظر فيها.
٭ كاتب فلسطيني وباحث سياسي

نيسان ـ نشر في 2026-06-23 الساعة 12:24


رأي: د. محمد عياش

الكلمات الأكثر بحثاً