اتصل بنا
 

فرص نجاح التفاهم الأمريكي الإيراني ومخاطره

نيسان ـ نشر في 2026-06-23 الساعة 12:25

نيسان ـ تتزايد في اللحظة الراهنة فرص التوصل إلى تفاهم أمريكي إيراني غير قصير المدى يتجاوز منطق المواجهة المفتوحة والضغوط المتبادلة إلى منطق إدارة الخلافات وبناء ترتيبات أمنية وسياسية أكثر استقرارا في منطقة الخليج والشرق الأوسط. ولا يعني الحديث عن فرص التفاهم أن الولايات المتحدة وإيران تتجهان إلى إنهاء جميع أسباب التوتر بينهما أو إلى بناء شراكة استراتيجية كاملة، فالفجوات السياسية والأيديولوجية والأمنية بين الطرفين لا تزال واسعة، غير أن الخبرة التاريخية الممتدة منذ الثورة الإيرانية عام 1979 تؤكد أن واشنطن وطهران كانتا دائما قادرتين على التفاوض والتنسيق حين تفرض المصالح المشتركة ذلك، وأن فترات التصعيد الحاد لم تمنع وجود قنوات اتصال مباشرة وغير مباشرة سمحت بإدارة الأزمات وتجنب الانزلاق إلى حروب شاملة.
وتنبع فرص النجاح الحالية من حقيقة أن كلا الطرفين بات يدرك حدود القوة العسكرية وحدود سياسات الردع المتبادل. فالولايات المتحدة التي أعادت خلال السنوات الأخيرة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية باتجاه المنافسة مع الصين وإدارة التحديات الأوروبية لا ترغب في الانخراط في حروب جديدة طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط. كما أن الرأي العام الأمريكي لم يعد متحمسا لمغامرات عسكرية جديدة بعد التجارب المريرة في العراق وأفغانستان. وفي المقابل، تدرك إيران أن استمرار العقوبات الاقتصادية والعزلة المالية يفرض أثمانا باهظة على الاقتصاد الإيراني ويحد من قدرات الدولة على تحقيق التنمية والاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية المتزايدة.
ومن ثم فإن المصالح المتبادلة تدفع الطرفين نحو البحث عن صيغة تفاهم تحقق الحد الأدنى من أهداف كل منهما. فالولايات المتحدة تسعى إلى ضمان عدم تحول البرنامج النووي الإيراني إلى برنامج عسكري وإلى الحد من احتمالات التصعيد العسكري في الخليج وحماية حرية الملاحة البحرية واستقرار أسواق الطاقة العالمية. أما إيران فتسعى إلى الحصول على اعتراف بدورها الإقليمي المشروع وإلى تخفيف العقوبات وفتح المجال أمام اندماجها التدريجي في الاقتصاد العالمي.
ولا ينبغي النظر إلى التفاهم الأمريكي الإيراني باعتباره تنازلا من طرف لصالح الطرف الآخر، بل باعتباره انعكاسا لحقيقة أن التعايش بين القوى المتنافسة أصبح أكثر أهمية من السعي إلى إقصائها أو هزيمتها. فالولايات المتحدة لن تستطيع تغيير النظام السياسي الإيراني أو إلغاء نفوذ إيران الإقليمي بالقوة. كما أن إيران لن تستطيع إخراج الولايات المتحدة من المنطقة أو فرض رؤيتها الأمنية على دول الخليج العربية. ولذلك يصبح التفاهم القائم على المصالح المتبادلة الخيار الأكثر واقعية والأقل تكلفة.
غير أن نجاح أي تفاهم أمريكي إيراني لن يقاس فقط بما يحققه من تهدئة ثنائية بين واشنطن وطهران، وإنما بمدى مساهمته في بناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقرارا في الخليج. وهنا تبرز أهمية تجاوز المقاربات التقليدية التي تعاملت مع أمن الخليج باعتباره مسألة عسكرية محضة أو باعتباره مسؤولية قوة عظمى خارجية. فالتجارب الماضية أثبتت أن الاعتماد الكامل على المظلة الأمنية الأمريكية لم ينجح في إنهاء التوترات الإقليمية، كما أن محاولات فرض التوازنات بالقوة العسكرية لم تؤد إلا إلى إنتاج أزمات جديدة.
إن المطلوب اليوم هو الانتقال من مفهوم الردع المتبادل إلى مفهوم الأمن التعاوني. ويعني ذلك بناء ترتيبات أمنية تشارك فيها جميع دول الخليج العربية إلى جانب إيران، مع الاحتفاظ بالعلاقات الاستراتيجية القائمة مع الولايات المتحدة وغيرها من القوى الدولية. فالأمن الحقيقي لا يتحقق من خلال استبعاد طرف إقليمي رئيسي أو التعامل معه باعتباره تهديدا دائما، وإنما من خلال إدماجه في منظومة قواعد ومؤسسات وآليات حوار تضمن احترام المصالح المتبادلة.
وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل التفاهم الأمريكي الإيراني نقطة انطلاق نحو إطلاق عملية حوار إقليمي شاملة تضم دول مجلس التعاون الخليجي والعراق ومعهم إيران، وتتناول قضايا الأمن البحري وحماية الممرات المائية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية. كما ينبغي أن تتضمن هذه العملية إجراءات لبناء الثقة مثل تبادل المعلومات الأمنية وإنشاء آليات للإنذار المبكر وإقامة قنوات اتصال دائمة لإدارة الأزمات.
لا ينبغي النظر إلى التفاهم الأمريكي الإيراني باعتباره تنازلا من طرف لصالح الطرف الآخر، بل باعتباره انعكاسا لحقيقة أن التعايش بين القوى المتنافسة أصبح أكثر أهمية من السعي إلى إقصائها أو هزيمتها
ومن المهم كذلك أن يرتبط أي تفاهم أمريكي إيراني بمسار متواز لمعالجة الأزمات الإقليمية الممتدة. فاستقرار الخليج لا يمكن عزله عن استقرار اليمن والعراق وسوريا ولبنان. وكلما نجحت القوى الإقليمية والدولية في تقليص ساحات الصراع المفتوح وتغليب الحلول السياسية، ازدادت فرص بناء بيئة أمنية مستقرة في الخليج. أما إذا بقيت هذه الأزمات رهينة للمنافسات الجيوسياسية، فإن أي تفاهم ثنائي سيظل معرضا للاهتزاز والتراجع.
كما أن أمن الخليج في القرن الحادي والعشرين لم يعد مرتبطا فقط بالقضايا العسكرية والأمنية التقليدية، فهناك تحديات جديدة تتعلق بأمن الطاقة والتحول الاقتصادي والأمن السيبراني والتغير المناخي وأمن المياه والغذاء. وهذه التحديات لا يمكن لأي دولة مواجهتها منفردة، بل تتطلب مستويات متقدمة من التعاون الإقليمي. ومن هنا فإن نجاح التفاهم الأمريكي الإيراني ينبغي أن يفتح الباب أمام أجندة تعاون أوسع تتجاوز الاعتبارات العسكرية الضيقة.
وتتحمل القوى الخليجية العربية مسؤولية أساسية في هذا السياق. فدول مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت وعمان والبحرين تمتلك من الإمكانات الاقتصادية والدبلوماسية ما يؤهلها للعب دور محوري في صياغة مستقبل الأمن الإقليمي. كما أن الانفتاح المتبادل الذي شهدته العلاقات الخليجية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة يوفر أساسا يمكن البناء عليه لتطوير مقاربة جديدة للأمن الجماعي.
وفي هذا الإطار تبرز أهمية الدورين المصري والأردني باعتبارهما قوتين عربيتين داعمتين للاستقرار الإقليمي والحلول السلمية. فالقاهرة وعمان تمتلكان خبرات دبلوماسية واسعة وعلاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، ويمكنهما المساهمة في بلورة إطار حوار إقليمي يربط بين أمن الخليج والأمن العربي الأوسع.
أما الولايات المتحدة، فإن نجاحها في التوصل إلى تفاهم مستدام مع إيران يتطلب منها التخلي عن منطق الضغوط القصوى والانتقال إلى سياسة أكثر واقعية تقوم على المزج بين الردع والدبلوماسية. كما يتطلب منها دعم المبادرات الإقليمية وعدم التعامل مع أمن الخليج باعتباره ملفا أمريكيا حصريا. فاستقرار المنطقة سيكون أكثر استدامة إذا استند إلى تفاهمات إقليمية مدعومة دوليا، لا إلى ترتيبات تفرضها قوة خارجية مهما بلغت قدراتها.
وفي المقابل، يتعين على إيران أن تقدم تطمينات واضحة ومستدامة لجيرانها العرب بشأن احترام سيادتهم وعدم التدخل في شؤونهم الداخلية. فبناء الثقة يتطلب أفعالا وسياسات ملموسة وليس فقط تصريحات سياسية. كما أن اندماج إيران في ترتيبات أمنية إقليمية سيمنحها مكاسب استراتيجية واقتصادية أكبر بكثير من تلك التي يمكن أن تحققها عبر سياسات النفوذ والصراع.
وفي النهاية، فإن فرص نجاح التفاهم الأمريكي الإيراني تبدو اليوم أكبر مما كانت عليه في مراحل عديدة سابقة، ليس بسبب تراجع الخلافات بين الطرفين، بل بسبب إدراكهما المتزايد أن كلفة الصراع المستمر أصبحت أعلى من كلفة التفاوض والتعايش. وإذا ما أحسن استثمار هذه الفرصة، فإن الخليج يمكن أن ينتقل تدريجيا من كونه ساحة للتنافسات والصراعات إلى نموذج للأمن التعاوني والتنمية المشتركة. غير أن ذلك يتطلب إرادة سياسية من جميع الأطراف، واستعدادا للتخلي عن حسابات الماضي، وإيمانا بأن الأمن لا يتحقق بإضعاف الآخرين وإنما ببناء منظومة إقليمية تقوم على الحوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
٭ كاتب مصري

نيسان ـ نشر في 2026-06-23 الساعة 12:25


رأي: عمرو حمزاوي

الكلمات الأكثر بحثاً