اتصل بنا
 

حين يصبح القلم هدفًا... يريدون لنا أن نعتاد المشهد

كاتب وصحافي أردني

نيسان ـ نشر في 2026-06-24 الساعة 09:46

نيسان ـ قبل أيام استشهد مصور فناة الجزيرة في غزة احمد وشاح وهو شقيق الصحفي محمد وشاح ، وسبق ذلك سقوط اكثر من 260 صحفيا اخر ارتقوا وهم في الخطوط الأمامية، يوثقون الألم الإنساني وينقلون صور المعاناة إلى العالم.
اكثر ما يؤلم في المشهد الفلسطيني بشكل خاص والعربي على العموم هو الاعتياد على المشهد، فقد مر خبر الشهيد احمد على الكثيرين منا مرور الكرام دون التفكير في السبب الحقيقي لإصرار الكيان الصهيوني على الاستهداف المتعمد لشهود الحقيقة.
والأكثر حزنا من ذلك ، وما يضاعف الإحساس بالأسى والألم على ضحايا العدوان والحروب أن الشهداء يتحولون مع مرور الوقت إلى أرقام في نشرات الأخبار وإحصاءات في التقارير، فتغيب أسماؤهم وتفاصيل حياتهم خلف أعداد الموتى المتزايدة. غير أن الصحفيين الذين كتبوا أخبار شعبهم بالدم، وصاغوا تقاريرهم بالتضحية، والتقطوا صورهم الأخيرة وسط الركام والشظايا، لم يكونوا يوما مجرد أرقام.
على مدار سنوات من الحروب والصراعات، سقط آلاف الضحايا تحت وطأة القصف والدمار. وبينما كان كثيرون يبحثون عن النجاة، اختار الصحفيون طريقًا مختلفًا؛ طريقًا يقودهم إلى قلب الخطر حاملين كاميراتهم ودفاتر ملاحظاتهم بدلًا من السلاح.
في غزة، لم يعد الصحفي مجرد شاهد على الأحداث أو ناقلٍ لها، بل أصبح جزءًا منها، يدفع حياته ثمنًا لكشف الحقيقة ونقلها إلى العالم. كانوا يتجهون نحو مواقع القصف بينما يبتعد الآخرون عنها، مدفوعين بإيمان راسخ بأن من حق العالم أن يرى الحقيقة كما هي، وأن تبقى أصوات الضحايا حاضرة رغم الركام والصمت والدمار.
على الرغم من دخول الهدنة في اكثر من ستة اشهر الا ان الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة الا ان عدّاد الموت الذي يواصل صعوده بلا توقف. فبرغم الإدانات والتنديدات الدولية التي بلغت مستويات غير مسبوقة، واصلت إسرائيل استهداف الصحفيين ، عقابا لهم على أداء رسالتهم المهنية والإنسانية، وإصرارهم على نقل صور الأهوال والفظائع التي يعيشها القطاع إلى العالم.
شهداء الصحافة سواء كانوا في في غزة او عيرها لم يكونوا مجرد أسماء في قوائم الضحايا، بل كانوا آباء وأمهاتٍ وأبناء يحملون أحلاما وطموحات مثل غيرهم. خرجوا لأداء واجبهم المهني والإنساني، مؤمنين بأن الكلمة الصادقة والصورة الصادقة قادرتان على هز ضمير العالم. لكن كثيرًا منهم عادوا محمولين على الأكتاف، بعد أن تحولت أدوات عملهم إلى شاهدٍ على تضحياتهم.
إن استهداف الصحفي أو تعريضه للخطر لا يعني إسكات شخص واحد فقط، بل يعني محاولة حجب الحقيقة عن العالم بأسره. فالصحافة الحرة هي عين الشعوب التي ترى بها ما يجري، وصوت المظلومين الذي يصل إلى من لا يستطيعون الحديث عن معاناتهم.
رحم الله شهداء الصحافة في غزة، وجعل تضحياتهم شاهدا خالدًا على قوة الكلمة وأهمية الحقيقة، مهما كانت التحديات ومهما اشتدت الظروف.
لقد ظل الصحفيون الفلسطينيون عيون العالم وآذانه في غزة، يوثقون المأساة لحظة بلحظة، ويكشفون ما يعجز كثيرون عن رؤيته خلف الحصار والحرب. وبينما كانت الكاميرات ترصد الدمار، كان أصحابها يدفعون الثمن من أرواحهم. حتى أصبحت هذه الحرب تُوصَف بأنها من أكثر الحروب فتكًا بالصحفيين في التاريخ الحديث، إذ تجاوز عدد الصحفيين الذين قُتلوا خلالها مجموع من سقطوا في حروب وصراعات كبرى شهدها العالم عبر عقود طويلة.
ولأن الصحفيين الشهداء قدموا أثمن ما يملكون دفاعًا عن الحقيقة، وسعوا إلى توثيق معاناة مئات الآلاف من المنكوبين في القطاع، فإن أقل ما يمكن تقديمه لهم هو توثيق قصصهم هم أيضًا. فقد كانوا أصحاب أحلام ومشاريع حياة وطموحات مهنية وإنسانية، لكن الحرب أطفأتها بقسوة قبل أن تكتمل. ومن خلال استحضار سيرهم وقصصهم، لا نوثق فقط أسماء شهداء، بل نوثق جيلًا استثنائيًا من الصحفيين الشجعان الذين آمنوا بأن الكلمة الحرة تستحق التضحية.
ستبقى أسماء شهداء الصحافة في غزة شاهدة على مرحلة مؤلمة من التاريخ، وعلى شجاعة أناس اختاروا أن يحملوا الكاميرا والقلم في مواجهة الموت، وأن ينقلوا الحقيقة مهما كان الثمن. وسيبقى إرثهم المهني والإنساني تذكيرًا دائمًا بأن الحقيقة قد تُحاصَر، لكنها لا تموت، وأن من كتبوا رواية شعبهم بدمائهم سيظلون حاضرِين في الذاكرة، لا كأرقام، بل كأسماء وقصص وتضحيات خالدة.

نيسان ـ نشر في 2026-06-24 الساعة 09:46


رأي: محمد المحيسن كاتب وصحافي أردني

الكلمات الأكثر بحثاً