الدهشة حبة تين نغنغها الندى
رمزي الغزوي
رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي
نيسان ـ نشر في 2026-06-24 الساعة 10:45
نيسان ـ صحيح أننا لم نكن نملك فيضانا عرمرميا من الشاشات، ولا هذا البذخ البصري الذي يتدفق من كل هاتف وجهاز، لكننا حُزنا شيئا أثمن بكثير: الإيقاع. ذلك البطء الجميل الذي كانت تنمو فيه الأشياء داخلنا على مهل، وتترسخ، وتترك أثرها. كنا ننتظر حلقة الكرتون كما يُنتظر عيد رمضان، ونحسب الأيام أحيانا، ونتشاجر على موعد العرض، ونهرع إلى التلفاز كأننا ذاهبون إلى موعد شخصي مع الخيال. المسألة لم تكن تسلية عابرة بقدر ما هي طقس كامل من الترقب واللذة والتعلق.
كانت أفلام ومسلسلات الكرتون حبلاً يتدلى لنا من سقف العالم، فنتمسك به قبل أن يبتلعنا الواقع الخشن. نصعد على كتفي غراندايزر لنرى الأرض من عل، ونجري مع الكابتن ماجد، ونحزن مع عدنان، ونقف معه على رؤوس أصابعنا فداء للينا، ونفتح قلوبنا لما تكتبه ساندي بل من شجن رقيق. كنا نعرف أن الشر قد يطول، لكنه في النهاية مهزوم، وأن الحكاية لا تعطي قلبها دفعة واحدة، وإنما تكشفه لنا حلقة بعد أخرى، مثل معلم صبور يعرف كيف يزرع المعنى في الوقت المناسب.
لا حبال تتدلى من سقف العالم في هذه الايام، ولا فسحة لخيال يتنفس كما ينبغي. هناك شاشة صغيرة بحجم الكف، تقذف في وجه الطفل سيلا من المقاطع والصور والأصوات، وتطالبه أن يضحك، وينفعل، ويتجاوز، ويضغط، ويبدل، قبل أن يفهم ما الذي يراه أصلا. لم يعد الطفل يدخل إلى الحكاية، بل الحكاية نفسها تقتحم رأسه على هيئة ومضات متلاحقة، لا سياق لها، ولا زمن داخليا يربط بينها. وهكذا لا يتعلم كيف ينتظر، ولا كيف يتورط عاطفيا في قصة، ولا كيف يصادق شخصية ويكبر معها، بل يتعلم أن يقفز من مشهد إلى آخر دون أن يسكن في أي منها.
الجيل الذي تربى على الكرتون يعرف الفرق جيدا. يعرف كيف تنمو الحكاية في الروح، وكيف تصير الأغنية جزءا من الذاكرة، وكيف تتحول الشخصيات إلى أصدقاء سريين يرافقون الطفل في وحدته وخوفه وأحلامه. كنا نتذوق لذة الحلقة الوحيدة التي نشاهدها مرة ثم تختبئ في الذاكرة، فلا نستطيع استعادتها بضغطة زر، ولهذا كانت أغلى. أما اليوم فكل شيء متاح، ومكرر، وفوري، إلى درجة أنه يفقد وزنه قبل أن يلمس القلب. كثرة المعروض لم تمنح الطفل عالما أوسع، وإنما جعلت ذاكرته أكثر رخاوة، وأقل قدرة على الاحتفاظ بما يستحق.
الانتظار كان درسا مبكرا في الصبر، وفي الإصغاء، وفي بناء العلاقة البطيئة مع الأشياء من حولنا. واليوم حين يخسر الأطفال نعمة أو متعة الانتظار، فإنهم يخسرون معها زمنا كانت تنضج فيه الدهشة على مهل كحبة تين تتنغنغ في الندى.
كانت أفلام ومسلسلات الكرتون حبلاً يتدلى لنا من سقف العالم، فنتمسك به قبل أن يبتلعنا الواقع الخشن. نصعد على كتفي غراندايزر لنرى الأرض من عل، ونجري مع الكابتن ماجد، ونحزن مع عدنان، ونقف معه على رؤوس أصابعنا فداء للينا، ونفتح قلوبنا لما تكتبه ساندي بل من شجن رقيق. كنا نعرف أن الشر قد يطول، لكنه في النهاية مهزوم، وأن الحكاية لا تعطي قلبها دفعة واحدة، وإنما تكشفه لنا حلقة بعد أخرى، مثل معلم صبور يعرف كيف يزرع المعنى في الوقت المناسب.
لا حبال تتدلى من سقف العالم في هذه الايام، ولا فسحة لخيال يتنفس كما ينبغي. هناك شاشة صغيرة بحجم الكف، تقذف في وجه الطفل سيلا من المقاطع والصور والأصوات، وتطالبه أن يضحك، وينفعل، ويتجاوز، ويضغط، ويبدل، قبل أن يفهم ما الذي يراه أصلا. لم يعد الطفل يدخل إلى الحكاية، بل الحكاية نفسها تقتحم رأسه على هيئة ومضات متلاحقة، لا سياق لها، ولا زمن داخليا يربط بينها. وهكذا لا يتعلم كيف ينتظر، ولا كيف يتورط عاطفيا في قصة، ولا كيف يصادق شخصية ويكبر معها، بل يتعلم أن يقفز من مشهد إلى آخر دون أن يسكن في أي منها.
الجيل الذي تربى على الكرتون يعرف الفرق جيدا. يعرف كيف تنمو الحكاية في الروح، وكيف تصير الأغنية جزءا من الذاكرة، وكيف تتحول الشخصيات إلى أصدقاء سريين يرافقون الطفل في وحدته وخوفه وأحلامه. كنا نتذوق لذة الحلقة الوحيدة التي نشاهدها مرة ثم تختبئ في الذاكرة، فلا نستطيع استعادتها بضغطة زر، ولهذا كانت أغلى. أما اليوم فكل شيء متاح، ومكرر، وفوري، إلى درجة أنه يفقد وزنه قبل أن يلمس القلب. كثرة المعروض لم تمنح الطفل عالما أوسع، وإنما جعلت ذاكرته أكثر رخاوة، وأقل قدرة على الاحتفاظ بما يستحق.
الانتظار كان درسا مبكرا في الصبر، وفي الإصغاء، وفي بناء العلاقة البطيئة مع الأشياء من حولنا. واليوم حين يخسر الأطفال نعمة أو متعة الانتظار، فإنهم يخسرون معها زمنا كانت تنضج فيه الدهشة على مهل كحبة تين تتنغنغ في الندى.
نيسان ـ نشر في 2026-06-24 الساعة 10:45
رأي: رمزي الغزوي رمزي الغزوي أديب وإعلامي أردني عربي

