بعد 'سرقة القرن' في العراق .. فضيحة نفطية كبرى تهز أروقة الدولة
نيسان ـ نشر في 2026-06-24 الساعة 23:37
نيسان ـ قبل أكثر من 4 سنوات، كان العراقيون يتابعون تطورات ما عُرف بـ"سرقة القرن"، القضية التي ارتبطت برجل الأعمال نور زهير والمتعلقة باختلاس نحو 2.5 مليار دولار من أموال الأمانات الضريبية، والتي تعد واحدة من أكبر قضايا الفساد في تاريخ العراق الحديث.
وقد شكلت تلك القضية محطة مفصلية في الجدل الدائر حول حجم الفساد المتراكم داخل مؤسسات الدولة، وآليات الرقابة والمساءلة، وقدرة السلطات على استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة المتورطين.
ومع استمرار تداعيات ملف "الفساد"، عادت قضية فساد جديدة لتتصدر المشهد العراقي، وهذه المرة من داخل قطاع النفط، الشريان الاقتصادي الأهم للبلاد.
فقد أعلنت السلطات القضائية العراقية عن ضبط عشرات الملايين من الدولارات ومليارات الدنانير والعقارات والممتلكات المرتبطة بوكيل وزارة النفط لشؤون التصفية الموقوف عدنان الجميلي، في قضية قد تكون من بين أكبر ملفات الفساد التي كشفتها بغداد خلال السنوات الأخيرة.
أعادت القضية إلى الواجهة التساؤلات بشأن حجم الفساد داخل المؤسسات الحكومية ومدى قدرة الدولة على تفكيك شبكاته وملاحقة المتورطين فيها.
وجرى اعتقال الجميلي في 30 من مايو/أيار الماضي، وهو وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية ومدير شركة مصافي الشمال ومصفى بيجي سابقاً في منطقة الإسحاقي بمحافظة صلاح الدين بتهم فساد.
أموال مدفونة تحت الأرض
وأعلنت السلطات القضائية ضبط عشرات ملايين الدولارات ومليارات الدنانير العراقية إلى جانب عقارات وممتلكات واسعة، في واحدة من أكبر عمليات استرداد الأموال غير المشروعة خلال السنوات الأخيرة.
وأعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي أن التحقيقات الجارية في القضية أسفرت عن ضبط أكثر من 85 مليون دولار نقداً، فضلاً عن مبالغ كبيرة بالدينار العراقي تجاوزت 98 مليار دينار، إضافة إلى مصادرة عشرات العقارات والمركبات الحديثة ومصوغات ذهبية.
ووفقاً لبيانات رسمية، تمكنت الجهات التحقيقية من العثور على جزء من الأموال داخل منازل ومواقع مختلفة، فيما تم اكتشاف مبالغ أخرى كانت مدفونة على عمق 4 أمتار تحت الأرض داخل إحدى المزارع، الأمر الذي استدعى استخدام معدات متخصصة لاستخراجها.
كما أعلنت السلطات إحباط محاولة تهريب نحو 5 مليارات دينار عراقي، وضبط ما يقارب 20 مليار دينار في عملية منفصلة مرتبطة بالقضية.
وبحسب القضاء العراقي، شملت إجراءات الحجز أيضاً: ( 70 عقاراً، و 21 مركبة حديثة، ونحو 3 كيلوغرامات من الذهب، وأرصدة وأصول مالية أخرى ما تزال قيد الحصر والتدقيق).
تعود القضية إلى تحقيقات أجرتها الجهات المختصة بشأن شبهات هدر وسوء إدارة في مشاريع مرتبطة بقطاع التصفية النفطية، وهي ملفات يعتقد أنها تسببت بخسائر مالية كبيرة للدولة العراقية.
وأدت التحقيقات إلى توقيف وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية، عدنان الجميلي، إلى جانب مسؤولين وأطراف أخرى يشتبه بتورطهم في عمليات فساد وغسل أموال واستغلال للمنصب الوظيفي.
وتؤكد السلطات أن التحقيقات ما تزال مستمرة لتحديد جميع المتورطين وملاحقة الأموال والأصول المرتبطة بالقضية داخل العراق وخارجه.
وفي ظل اعترافات الجميلي، أعلنت السلطات أمس اعتقال محافظ صلاح الدين الأسبق ومدير عام دائرة صحة صلاح الدين الحالي، رائد الجبوري.
وتصدرت قضيتان جديدتان ملف مكافحة الفساد في العراق، بعد إعلان النائب علاء الحيدري إلقاء القبض على مدير الخطوط الجوية العراقية مناف عبد المنعم بتهمة اختلاس أكثر من 115 مليار دينار، متوقعاً أن تطال التحقيقات متهمين آخرين خلال الفترة المقبلة.
وفي ملف آخر، أكد النائب المستقل علي أنهير السراي مواصلة جهوده الرقابية لكشف ملفات الفساد رغم ما وصفه بحملات الاستهداف والتشويه، مشيراً إلى متابعته ملف عقد شراء مركبات "MAN" البالغة قيمته نحو 462 مليار دينار، والذي جرى إيقافه بقرار قضائي للاشتباه بوجود مخالفات وشبهات فساد.
وقال عضو لجنة النزاهة في مجلس النواب عباس حيال، إن مكافحة الفساد تمثل أولوية لا يمكن التهاون فيها، مؤكداً أن هذه الظاهرة تهدد مؤسسات الدولة كافة وتتطلب إجراءات حازمة تشمل مختلف القطاعات دون استثناء، بما فيها المدنية والعسكرية.
وأوضح حيال، أن استمرار بعض حالات الفساد يرتبط بنظام المحاصصة والتدخلات السياسية، داعياً إلى تعزيز الرقابة المسبقة على العقود وتفعيل دور ديوان الرقابة المالية لمنع الهدر قبل وقوعه وليس بعده.
وأوضح أن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد يتطلب حماية الموظف النزيه من الضغوط، وفي الوقت ذاته عدم التساهل مع المتورطين، مع التشديد على ضرورة الالتزام بالإجراءات القانونية وعدم التعميم أو التشهير، بما يضمن الحفاظ على المال العام وهيبة الدولة.
وتابع أن بعض المتورطين في الفساد يستندون إلى اعتقادهم بالحماية السياسية أو النفوذ، الأمر الذي شجع على تفشي التجاوزات المالية والإدارية، مؤكداً في الوقت نفسه أن هذا لا يشمل جميع من تسنموا المناصب، إذ إن هناك من حافظوا على نزاهتهم حتى بعد مغادرة مواقعهم الوظيفية أو التقاعد.
تأتي هذه القضية في وقت تعهدت فيه الحكومة العراقية الجديدة بمكافحة الفساد باعتباره أحد أكبر التحديات التي تواجه البلاد.
ويقول الخبير الاقتصادي العراقي، معن جاسم الزبيدي، إن حجم الأموال المضبوطة "يعكس وجود شبكات فساد منظمة أكثر من كونه حالة فردية"، مضيفاً أن القضية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الانتقال من مرحلة الكشف عن ملفات الفساد إلى مرحلة استرداد الأموال وإصدار الأحكام القضائية النهائية.
ويرى الزبيدي أن "نجاح السلطات في تتبع الأصول والممتلكات المرتبطة بالقضية قد يشجع على فتح ملفات أخرى ظلت مجمدة لسنوات".
ويعتقد أن أهمية القضية لا تكمن فقط في حجم الأموال المضبوطة، بل في المستوى الوظيفي للمتهم الرئيسي، مشيراً إلى أن الرأي العام العراقي اعتاد خلال السنوات الماضية على محاسبة موظفين ومسؤولين من مستويات متوسطة، بينما بقيت ملفات كثيرة تتعلق بمسؤولين كبار من دون حسم نهائي.
ويضيف أن "المعيار الحقيقي لنجاح الحملة الحالية سيكون مدى قدرتها على الوصول إلى جميع المتورطين بغض النظر عن مواقعهم السياسية أو الحزبية".
تأثير اقتصادي وسياسي
ويؤكد الزبيدي أن استمرار قضايا الفساد بهذا الحجم يؤثر بشكل مباشر على بيئة الاستثمار وثقة المؤسسات المالية الدولية بالاقتصاد العراقي.
ويكتسب هذا الأمر أهمية إضافية بعد إعلان مجموعة العمل المالي (FATF) إدراج العراق مجدداً ضمن "القائمة الرمادية" الخاصة بالدول الخاضعة لمراقبة مشددة في ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو ما يفرض ضغوطاً إضافية على بغداد لتعزيز الشفافية والرقابة المالية.
ويرى أن الكشف عن هذه القضية قد يحمل رسالتين متناقضتين؛ فمن جهة يؤكد استمرار وجود مستويات مرتفعة من الفساد داخل بعض المؤسسات، ومن جهة أخرى يعكس قدرة الأجهزة القضائية والرقابية على كشف ملفات معقدة وملاحقة الأموال غير المشروعة.
هل تمثل القضية نقطة تحول؟
وعلى الرغم من الترحيب الشعبي الواسع بالإجراءات القضائية، فإن مراقبين يحذرون من أن نجاح مكافحة الفساد لا يقاس بحجم الأموال المضبوطة فقط، بل بقدرة الدولة على استعادة الأموال المنهوبة، وإصدار أحكام قضائية رادعة، ومنع تكرار مثل هذه القضايا عبر إصلاحات مؤسسية وهيكلية.
ومع استمرار التحقيقات وإعلان القضاء العراقي أن ملاحقة المتورطين ما تزال متواصلة، تبقى قضية عدنان الجميلي واحدة من أبرز قضايا الفساد في تاريخ العراق الحديث، وقد تتحول إلى محطة مفصلية في مسار مكافحة الفساد إذا ما أفضت إلى محاسبة شاملة واسترداد فعلي للأموال العامة.
من جانبه، يعتقد الباحث والمحلل السياسي العراقي، عباس الأسدي، إن "ما نشهده اليوم من إعلان متواصل عن ملفات فساد وإجراءات قضائية بحق مسؤولين وموظفين قد يُقرأ من زاويتين مختلفتين؛ فإما أنه يعكس توجهاً حقيقياً وجاداً لمكافحة الفساد وملاحقة المتورطين، أو أنه يمثل جزءاً من عملية تهيئة تدريجية للرأي العام لاستقبال ملفات أكبر وأكثر حساسية في المرحلة المقبلة".
ويقول ، "عندما تتكرر أخبار الفساد بشكل يومي، ويعتاد المجتمع على مشاهد الاعتقالات والكشف عن الأموال والممتلكات المصادرة، فإن عنصر الصدمة يتراجع تدريجياً، ما يجعل التعامل مع قضايا أكبر وأسماء أكثر نفوذاً أقل تأثيراً على الرأي العام مقارنة بما لو طُرحت بشكل مفاجئ".
وأضاف الأسدي وهو قريب من القوى السياسية "بطبيعة الحال، يبقى هذا مجرد تساؤل وتحليل محتمل، وليس استناداً إلى معلومات أو معطيات مؤكدة".
وتابع "ويبقى السؤال الأهم: هل ستصل حملات مكافحة الفساد إلى جميع المتورطين بلا استثناء، بغض النظر عن مواقعهم ونفوذهم؟ أم أن ما يُكشف اليوم ليس سوى جزء من ملفات أكبر قد تظهر تباعاً خلال الفترة المقبلة؟"
ويشير الأسدي إنه "في جميع الأحوال، فإن نجاح أي جهد لمكافحة الفساد يقاس بمدى شموليته وعدالته واستمراره دون انتقائية أو استثناء".
ماذا قالت الحكومة؟
من جهة أخرى، أبلغ رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، القوى السياسية بما فيها الإطار الشيعي الحاكم الذي رشحه بأنه "لن يرحم الفاسدين مهما كانوا ولأي جهة سياسية ينتمون".
وقالت مصادر مقربة من مكتب الزيدي، إن رئيس الوزراء وجّه رسالة حازمة إلى القوى السياسية المختلفة، أكد فيها أن الحكومة ماضية في إجراءاتها ضد الفاسدين "مهما كانت مواقعهم وانتماءاتهم السياسية".
ووفقاً للمصادر، فإن رئيس الوزراء أبلغ عدداً من القيادات السياسية، بما في ذلك أطراف داخل الإطار التنسيقي، الذي كان قد رشّحه لرئاسة الحكومة، بأن "لا حصانة لأي متورط في قضايا الفساد"، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب إجراءات صارمة لاستعادة ثقة الشارع ومكافحة الهدر المالي.
وأضافت المصادر أن هذا الموقف يأتي في سياق تصاعد الجدل السياسي والشعبي حول ملفات فساد كبرى قيد التحقيق، وسط مطالبات بتوسيع دائرة المحاسبة وعدم اقتصارها على شخصيات أو جهات محددة.
وختمت المصادر إن الزيدي أكد للقوى السياسية في اجتماعات منفصلة أن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تخضع جميع المؤسسات لمعايير الرقابة والمساءلة، وعندما يكون تطبيق القانون شاملاً للجميع دون استثناء، باعتباره الضمانة الأساسية لحماية الدولة ومؤسساتها.
تداول مقطع مصور قديم
وأظهرت مراجعات ومتابعات إعلامية أن المقطع المصور المتداول مؤخراً على منصات التواصل الاجتماعي، والمنسوب إلى مسؤول نفطي وهو مدير المشاريع بوزارة النفط أياد حسين جوهر والموظفة لينا رعد محسن (مديرة القسم المالي في هيئة مشاريع الشمال)، لا يعود إلى الفترة الحالية، بل جرى تداوله سابقاً خلال سنوات ماضية.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن المقطع يعود إلى فترة سابقة ارتبطت بعمل وزارة النفط العراقية، وليس بحدث مستجد كما أوحت بعض المنشورات التي أعادت نشره خلال الأيام الأخيرة.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الملف يعود إلى حقبة سابقة شهدت تعاقب عدد من المسؤولين على إدارة الوزارة، فيما لم تصدر حتى الآن بيانات رسمية جديدة تؤكد وجود تطورات قضائية أو إدارية مرتبطة بالمقطع المتداول.
ويأتي تجدد تداول الفيديو بالتزامن مع تصاعد الاهتمام الشعبي والإعلامي بملفات الفساد والتحقيقات الجارية في عدد من المؤسسات الحكومية، الأمر الذي أعاد إحياء نقاشات قديمة حول بعض القضايا التي أثيرت في سنوات سابقة.
وقد شكلت تلك القضية محطة مفصلية في الجدل الدائر حول حجم الفساد المتراكم داخل مؤسسات الدولة، وآليات الرقابة والمساءلة، وقدرة السلطات على استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة المتورطين.
ومع استمرار تداعيات ملف "الفساد"، عادت قضية فساد جديدة لتتصدر المشهد العراقي، وهذه المرة من داخل قطاع النفط، الشريان الاقتصادي الأهم للبلاد.
فقد أعلنت السلطات القضائية العراقية عن ضبط عشرات الملايين من الدولارات ومليارات الدنانير والعقارات والممتلكات المرتبطة بوكيل وزارة النفط لشؤون التصفية الموقوف عدنان الجميلي، في قضية قد تكون من بين أكبر ملفات الفساد التي كشفتها بغداد خلال السنوات الأخيرة.
أعادت القضية إلى الواجهة التساؤلات بشأن حجم الفساد داخل المؤسسات الحكومية ومدى قدرة الدولة على تفكيك شبكاته وملاحقة المتورطين فيها.
وجرى اعتقال الجميلي في 30 من مايو/أيار الماضي، وهو وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية ومدير شركة مصافي الشمال ومصفى بيجي سابقاً في منطقة الإسحاقي بمحافظة صلاح الدين بتهم فساد.
أموال مدفونة تحت الأرض
وأعلنت السلطات القضائية ضبط عشرات ملايين الدولارات ومليارات الدنانير العراقية إلى جانب عقارات وممتلكات واسعة، في واحدة من أكبر عمليات استرداد الأموال غير المشروعة خلال السنوات الأخيرة.
وأعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي أن التحقيقات الجارية في القضية أسفرت عن ضبط أكثر من 85 مليون دولار نقداً، فضلاً عن مبالغ كبيرة بالدينار العراقي تجاوزت 98 مليار دينار، إضافة إلى مصادرة عشرات العقارات والمركبات الحديثة ومصوغات ذهبية.
ووفقاً لبيانات رسمية، تمكنت الجهات التحقيقية من العثور على جزء من الأموال داخل منازل ومواقع مختلفة، فيما تم اكتشاف مبالغ أخرى كانت مدفونة على عمق 4 أمتار تحت الأرض داخل إحدى المزارع، الأمر الذي استدعى استخدام معدات متخصصة لاستخراجها.
كما أعلنت السلطات إحباط محاولة تهريب نحو 5 مليارات دينار عراقي، وضبط ما يقارب 20 مليار دينار في عملية منفصلة مرتبطة بالقضية.
وبحسب القضاء العراقي، شملت إجراءات الحجز أيضاً: ( 70 عقاراً، و 21 مركبة حديثة، ونحو 3 كيلوغرامات من الذهب، وأرصدة وأصول مالية أخرى ما تزال قيد الحصر والتدقيق).
تعود القضية إلى تحقيقات أجرتها الجهات المختصة بشأن شبهات هدر وسوء إدارة في مشاريع مرتبطة بقطاع التصفية النفطية، وهي ملفات يعتقد أنها تسببت بخسائر مالية كبيرة للدولة العراقية.
وأدت التحقيقات إلى توقيف وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية، عدنان الجميلي، إلى جانب مسؤولين وأطراف أخرى يشتبه بتورطهم في عمليات فساد وغسل أموال واستغلال للمنصب الوظيفي.
وتؤكد السلطات أن التحقيقات ما تزال مستمرة لتحديد جميع المتورطين وملاحقة الأموال والأصول المرتبطة بالقضية داخل العراق وخارجه.
وفي ظل اعترافات الجميلي، أعلنت السلطات أمس اعتقال محافظ صلاح الدين الأسبق ومدير عام دائرة صحة صلاح الدين الحالي، رائد الجبوري.
وتصدرت قضيتان جديدتان ملف مكافحة الفساد في العراق، بعد إعلان النائب علاء الحيدري إلقاء القبض على مدير الخطوط الجوية العراقية مناف عبد المنعم بتهمة اختلاس أكثر من 115 مليار دينار، متوقعاً أن تطال التحقيقات متهمين آخرين خلال الفترة المقبلة.
وفي ملف آخر، أكد النائب المستقل علي أنهير السراي مواصلة جهوده الرقابية لكشف ملفات الفساد رغم ما وصفه بحملات الاستهداف والتشويه، مشيراً إلى متابعته ملف عقد شراء مركبات "MAN" البالغة قيمته نحو 462 مليار دينار، والذي جرى إيقافه بقرار قضائي للاشتباه بوجود مخالفات وشبهات فساد.
وقال عضو لجنة النزاهة في مجلس النواب عباس حيال، إن مكافحة الفساد تمثل أولوية لا يمكن التهاون فيها، مؤكداً أن هذه الظاهرة تهدد مؤسسات الدولة كافة وتتطلب إجراءات حازمة تشمل مختلف القطاعات دون استثناء، بما فيها المدنية والعسكرية.
وأوضح حيال، أن استمرار بعض حالات الفساد يرتبط بنظام المحاصصة والتدخلات السياسية، داعياً إلى تعزيز الرقابة المسبقة على العقود وتفعيل دور ديوان الرقابة المالية لمنع الهدر قبل وقوعه وليس بعده.
وأوضح أن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد يتطلب حماية الموظف النزيه من الضغوط، وفي الوقت ذاته عدم التساهل مع المتورطين، مع التشديد على ضرورة الالتزام بالإجراءات القانونية وعدم التعميم أو التشهير، بما يضمن الحفاظ على المال العام وهيبة الدولة.
وتابع أن بعض المتورطين في الفساد يستندون إلى اعتقادهم بالحماية السياسية أو النفوذ، الأمر الذي شجع على تفشي التجاوزات المالية والإدارية، مؤكداً في الوقت نفسه أن هذا لا يشمل جميع من تسنموا المناصب، إذ إن هناك من حافظوا على نزاهتهم حتى بعد مغادرة مواقعهم الوظيفية أو التقاعد.
تأتي هذه القضية في وقت تعهدت فيه الحكومة العراقية الجديدة بمكافحة الفساد باعتباره أحد أكبر التحديات التي تواجه البلاد.
ويقول الخبير الاقتصادي العراقي، معن جاسم الزبيدي، إن حجم الأموال المضبوطة "يعكس وجود شبكات فساد منظمة أكثر من كونه حالة فردية"، مضيفاً أن القضية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الانتقال من مرحلة الكشف عن ملفات الفساد إلى مرحلة استرداد الأموال وإصدار الأحكام القضائية النهائية.
ويرى الزبيدي أن "نجاح السلطات في تتبع الأصول والممتلكات المرتبطة بالقضية قد يشجع على فتح ملفات أخرى ظلت مجمدة لسنوات".
ويعتقد أن أهمية القضية لا تكمن فقط في حجم الأموال المضبوطة، بل في المستوى الوظيفي للمتهم الرئيسي، مشيراً إلى أن الرأي العام العراقي اعتاد خلال السنوات الماضية على محاسبة موظفين ومسؤولين من مستويات متوسطة، بينما بقيت ملفات كثيرة تتعلق بمسؤولين كبار من دون حسم نهائي.
ويضيف أن "المعيار الحقيقي لنجاح الحملة الحالية سيكون مدى قدرتها على الوصول إلى جميع المتورطين بغض النظر عن مواقعهم السياسية أو الحزبية".
تأثير اقتصادي وسياسي
ويؤكد الزبيدي أن استمرار قضايا الفساد بهذا الحجم يؤثر بشكل مباشر على بيئة الاستثمار وثقة المؤسسات المالية الدولية بالاقتصاد العراقي.
ويكتسب هذا الأمر أهمية إضافية بعد إعلان مجموعة العمل المالي (FATF) إدراج العراق مجدداً ضمن "القائمة الرمادية" الخاصة بالدول الخاضعة لمراقبة مشددة في ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو ما يفرض ضغوطاً إضافية على بغداد لتعزيز الشفافية والرقابة المالية.
ويرى أن الكشف عن هذه القضية قد يحمل رسالتين متناقضتين؛ فمن جهة يؤكد استمرار وجود مستويات مرتفعة من الفساد داخل بعض المؤسسات، ومن جهة أخرى يعكس قدرة الأجهزة القضائية والرقابية على كشف ملفات معقدة وملاحقة الأموال غير المشروعة.
هل تمثل القضية نقطة تحول؟
وعلى الرغم من الترحيب الشعبي الواسع بالإجراءات القضائية، فإن مراقبين يحذرون من أن نجاح مكافحة الفساد لا يقاس بحجم الأموال المضبوطة فقط، بل بقدرة الدولة على استعادة الأموال المنهوبة، وإصدار أحكام قضائية رادعة، ومنع تكرار مثل هذه القضايا عبر إصلاحات مؤسسية وهيكلية.
ومع استمرار التحقيقات وإعلان القضاء العراقي أن ملاحقة المتورطين ما تزال متواصلة، تبقى قضية عدنان الجميلي واحدة من أبرز قضايا الفساد في تاريخ العراق الحديث، وقد تتحول إلى محطة مفصلية في مسار مكافحة الفساد إذا ما أفضت إلى محاسبة شاملة واسترداد فعلي للأموال العامة.
من جانبه، يعتقد الباحث والمحلل السياسي العراقي، عباس الأسدي، إن "ما نشهده اليوم من إعلان متواصل عن ملفات فساد وإجراءات قضائية بحق مسؤولين وموظفين قد يُقرأ من زاويتين مختلفتين؛ فإما أنه يعكس توجهاً حقيقياً وجاداً لمكافحة الفساد وملاحقة المتورطين، أو أنه يمثل جزءاً من عملية تهيئة تدريجية للرأي العام لاستقبال ملفات أكبر وأكثر حساسية في المرحلة المقبلة".
ويقول ، "عندما تتكرر أخبار الفساد بشكل يومي، ويعتاد المجتمع على مشاهد الاعتقالات والكشف عن الأموال والممتلكات المصادرة، فإن عنصر الصدمة يتراجع تدريجياً، ما يجعل التعامل مع قضايا أكبر وأسماء أكثر نفوذاً أقل تأثيراً على الرأي العام مقارنة بما لو طُرحت بشكل مفاجئ".
وأضاف الأسدي وهو قريب من القوى السياسية "بطبيعة الحال، يبقى هذا مجرد تساؤل وتحليل محتمل، وليس استناداً إلى معلومات أو معطيات مؤكدة".
وتابع "ويبقى السؤال الأهم: هل ستصل حملات مكافحة الفساد إلى جميع المتورطين بلا استثناء، بغض النظر عن مواقعهم ونفوذهم؟ أم أن ما يُكشف اليوم ليس سوى جزء من ملفات أكبر قد تظهر تباعاً خلال الفترة المقبلة؟"
ويشير الأسدي إنه "في جميع الأحوال، فإن نجاح أي جهد لمكافحة الفساد يقاس بمدى شموليته وعدالته واستمراره دون انتقائية أو استثناء".
ماذا قالت الحكومة؟
من جهة أخرى، أبلغ رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، القوى السياسية بما فيها الإطار الشيعي الحاكم الذي رشحه بأنه "لن يرحم الفاسدين مهما كانوا ولأي جهة سياسية ينتمون".
وقالت مصادر مقربة من مكتب الزيدي، إن رئيس الوزراء وجّه رسالة حازمة إلى القوى السياسية المختلفة، أكد فيها أن الحكومة ماضية في إجراءاتها ضد الفاسدين "مهما كانت مواقعهم وانتماءاتهم السياسية".
ووفقاً للمصادر، فإن رئيس الوزراء أبلغ عدداً من القيادات السياسية، بما في ذلك أطراف داخل الإطار التنسيقي، الذي كان قد رشّحه لرئاسة الحكومة، بأن "لا حصانة لأي متورط في قضايا الفساد"، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب إجراءات صارمة لاستعادة ثقة الشارع ومكافحة الهدر المالي.
وأضافت المصادر أن هذا الموقف يأتي في سياق تصاعد الجدل السياسي والشعبي حول ملفات فساد كبرى قيد التحقيق، وسط مطالبات بتوسيع دائرة المحاسبة وعدم اقتصارها على شخصيات أو جهات محددة.
وختمت المصادر إن الزيدي أكد للقوى السياسية في اجتماعات منفصلة أن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تخضع جميع المؤسسات لمعايير الرقابة والمساءلة، وعندما يكون تطبيق القانون شاملاً للجميع دون استثناء، باعتباره الضمانة الأساسية لحماية الدولة ومؤسساتها.
تداول مقطع مصور قديم
وأظهرت مراجعات ومتابعات إعلامية أن المقطع المصور المتداول مؤخراً على منصات التواصل الاجتماعي، والمنسوب إلى مسؤول نفطي وهو مدير المشاريع بوزارة النفط أياد حسين جوهر والموظفة لينا رعد محسن (مديرة القسم المالي في هيئة مشاريع الشمال)، لا يعود إلى الفترة الحالية، بل جرى تداوله سابقاً خلال سنوات ماضية.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن المقطع يعود إلى فترة سابقة ارتبطت بعمل وزارة النفط العراقية، وليس بحدث مستجد كما أوحت بعض المنشورات التي أعادت نشره خلال الأيام الأخيرة.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الملف يعود إلى حقبة سابقة شهدت تعاقب عدد من المسؤولين على إدارة الوزارة، فيما لم تصدر حتى الآن بيانات رسمية جديدة تؤكد وجود تطورات قضائية أو إدارية مرتبطة بالمقطع المتداول.
ويأتي تجدد تداول الفيديو بالتزامن مع تصاعد الاهتمام الشعبي والإعلامي بملفات الفساد والتحقيقات الجارية في عدد من المؤسسات الحكومية، الأمر الذي أعاد إحياء نقاشات قديمة حول بعض القضايا التي أثيرت في سنوات سابقة.


