اتصل بنا
 

إيران الثورية والمستبدة كما يؤرّخ لها همايون كاتوزيان

نيسان ـ نشر في 2026-06-27 الساعة 12:37

نيسان ـ يستعيد همايون كاتوزيان في كتابه «إيران والثورة» الصادر هذا العام عن منشورات جامعة يال توصيفاً من جانب أحد البرلمانيين الإيرانيين آنذاك لما كان الشاه محمد رضا بهلوي بصدد القيام به إبان ما سمي «الثورة البيضاء» مطلع الستينيات من القرن الماضي، من حيث أنه «يحاول تقليد (الإمبراطور الأخميني) أحشورش وفيديل كاسترو معاً، غير أن ذلك مستحيل».
فرزمة الإصلاحات التي جاءت بها الثورة البيضاء 1963 من إصلاح زراعي وتأميم الموارد الطبيعية، ومنح المرأة حق التصويت لا هي جعلت الشاه حاكما قوياً بحق ولا هي جعلته زعيماً ثورياً يحظى بالالتفاف الشعبي حول سياساته.
واحدة من المفارقات التي ظهرت مع «الثورة البيضاء» كما يتوقف عندها كاتوزيان أنها شرعت في تفكيك النظام الاقطاعي وفي انهيار التفاهم الذي ساد سابقاً بين المؤسسة الدينية وبين الشاه. إذ شعرت المؤسسة بوحدة الحال مع كبار الملاك العقاريين وخشيت على مصالحها الوقفية وأظهرت امتعاضها من سياسة الشاه «التحريرية» للمرأة. هذا في وقت اعتاد فيه اليسار على توصيف النظام الشاهنشاهي بأنه «شبه اقطاعي، وشبه مستعمرة». اليسار نفسه الذي لم يجد من أداة تحليلية لفهم موجة التحديث القسري من فوق التي أطلقها الشاه خارج اختزالية أن الأمريكيين يطلبون منه ذلك لتحاشي الثورة الشيوعية، كان قد تلهى قبيل الثورة البيضاء بتركيز إداناته ضد رئيس الوزراء الليبرالي علي أميني باعتباره يمثل الجناح الأقرب للأمريكان، في حين أن أميني، بخلفيته الأرستوقراطية القاجارية، كان يسعى لتقليص صلاحيات الشاه ليصبح ملكا «يملك ولا يحكم»، ويحاول ضبط ميزانية الجيش المتضخمة، وما كان على الشاه سوى أن يستغل اصطدام أميني باليسار وبالطلاب كي يطيح به، ويطلق تحديثه السلطوي الذي سوّغ من خلاله تسلّطه المنفرد وتغوّله في عسكرة الدولة واستغلال العائدات النفطية المتنامية لبناء ترسانة عسكرية ضخمة، بالتوازي مع إطلاق يد جهاز السافاك.
الثورة البيضاء حيرت اليسار نظريا. يومها كان السوفيات قد أنزلوا للتداول بين وكلائهم في العالم الثالث نظرية «طريق التطور اللارأسمالي» التي تروّج لفكرة أن الأنظمة في العالم الثالث يمكنها، وبمعية رأسمالية الدولة، وتأميم المرافق، وإجراء إصلاحات زراعية جذرية تضرب الإقطاع- أن تختزل المراحل التاريخية وتتحول نحو الاشتراكية من دون المرور برأسمالية السوق مطولا، ومن دون «جميلة» الطبقة العاملة!
في مصر، تماشى ذلك مع استصدار النظام الناصري «ميثاق العمل الوطني» وتبنيه مفهوم الاشتراكية العلمية، إنما من دون الصراع الطبقي، إذ جرى استبداله بتحالف قوى الشعب العاملة. وعلى هذا الأساس أرتأى الشيوعيون المصريون وهم في المعتقلات حل تنظيماتهم والسعي للاندماج بحزب الدولة. أما في إيران، فمن مضى إلى تفكيك ملكيات كبار الإقطاعيين و​منح المرأة حق التصويت وإشراك عمال الصناعة في أرباح المعامل لم يكن «اتحاد اشتراكيا»، بل إمبراطوراً. لم يسمها رسميا الطريق الطاووسي نحو الاشتراكية، إذا ما قورن بعبد الناصر وسواه من أنظمة العالم الثالث، لكنه في المقابل كان أكثر تقدمية في الإصلاحات المتعلقة بحقوق المرأة وبشؤون الأسرة من كل ما تفتقت عليه ثورية «الاشتراكيات العربية» حيث ظلت قوانين الأحوال الشخصية في مصر الناصرية تخضع للمدونات الفقهية التقليدية لإرضاء الشارع المحافظ.
فكيف يتصرف اليساريون بإزاء هكذا خطوات، خاصة وأن موسكو لم تتردد في التغزل بإصلاحات الشاه، وبعد أن رفضت الدول الغربية مراراً تمويل بناء مصنع للصلب في إيران، توكل السوفيات بالمهمة وأرسلوا 1300 مهندس وفني سوفياتي لبناء مجمع أصفهان للصلب.
في المقابل، نشأت حركة الإمام الخميني كثورة مضادة لتلك البيضاء، وضد ما اعتبر إصلاحات لعلمنة الدولة وتفكيك هويتها الإسلامية، لكن الخميني كان قادرا على دمج كل هذا بالتنديد المنهجي بالاستبداد الاعتباطي للشاه، في حين لم يعر اليساريون هذا العنصر «الذاتي» في سياق تحليلاتهم للبنى الاجتماعية وللمهام التاريخية الواجب إنجازها هذا القدر من الأهمية.
وعند همايون كاتوزيان أن الطابع الاعتباطي للاستبداد يطبع التاريخ الإيراني، كونه لم يخضع كاستبداد لقوانين وراثية أو تعاقدية مستقرة. ولأجل هذا يربط الاستبداد الاعتباطي بظاهرة يسميها «المجتمع قصير الأجل». فبسبب غياب قانون مستقر يحمي الملكية والعرش عبر الأجيال، يصبح التراكم الرأسمالي والتاريخي طويل الأجل مستحيلاً، فينظر إلى كل تغيير سياسي أو اعتلاء عرش جديد كبداية من الصفر، حيث تُهدم البنى السابقة وتُصادر الثروات القديمة لتُوزع على الموالين الجدد، وقد جاءت الريوع النفطية لتعزز هذه السمة الاعتباطية.
وفي حين أن الفلسفة السياسية للحداثة الغربية، بالقرن السابع عشر، وبخاصة عند توماس هوبز وجون لوك جعلت من الدولة كبنية تعاقدية ومتعالية في الوقت نفسه بديلا عن حال الطبيعة أو الفوضى، فإن إيران وفقا لمقاربة كاتوزيان لم تعرف في تاريخها سوى أحد خيارين: إما الفوضى وإما الاعتباط.
ولأجل ذلك، فان «الثورة الدستورية»، ثورة «المشروطة» على «المستبدة» بين عامي 1905 و1906 التي خرجت الجماهير فيها للإطاحة بحكم الاعتباط في نهايات العصر القاجاري وللتطلع لما تسرب إلى الوعي من نماذج سياسية أوروبية مدسترة، لم تلبث أن أعقبتها الفوضى حتى آلت الأمور مجددا الى حكم الاعتباط، مع انقلاب رضا خان عام 1921 الذي جعل من نفسه بعد ذلك شاهاً. ولما كان هذا الضابط من أسرة غير نبيلة أخذ يجد ضالته في تنسيب نفسه أسطوريا إلى ملوك العصر الفارسي القديم، حتى إذا دفعه ذلك للتعاون مع أدولف هتلر، وجر عليه اجتياح الحلفاء لإيران 1941 وتنحيته ونفيه، دخلت إيران مجددا في متعاقبة الفوضى، وقد نجحت الخمينية في التسويق الى أنه لا مخرج من هذه الدوامة سوى بالثيوقراطية المؤطرة حرسياً والمسندة شعبياً.
النظام الإسلامي أعطى لنفسه مشروعية استخدام العنف المفرط ضد الخارجين عليه، هذا مقارنة بتردد الشاه في استخدام القمع الدموي الشامل
لا يرى كاتوزيان أن الثورة على الشاه ما كان منها مهرب، بل يحاجج بأنه «لو كان الشاه مستعداً- في مواجهة الانهيار الثوري الجارف- للتخلي عن سيطرته الشخصية على مقاليد السلطة، لما حدثت الثورة»، ولو لم يضغط الشاه على العراق لإبعاد الخميني لما أمكن الأخير أن يكون محط الأنظار بهذا الشكل. لقد تخبط الشاه كثيرا في مواجهة الثورة، فتارة يعيّن حكومة عسكرية، وتارة يعتذر للشعب مع إصراره في الوقت نفسه على الاحتفاظ بالسيطرة على الجيش، «وفي حالة من اليأس، دعا الشخصية المرموقة غلام حسين صديقي لتشكيل الحكومة، لكن صديقي رفض العرض لأن الشاه لم يوافق على التخلي عن سيطرته على السلطة. وكان هذا خطأً جسيماً».
ثورة 1979 لم تكن حتمية من هذا المنظار، لكنها كانت في الوقت نفسه، على حد تعبير كاتوزيان «ثورة الشعب، وانتفاضة المجتمع بأكمله ضد الدولة». كذلك، يصعب من هذا المنظار القول بحتمية المآل الثيوقراطي الحرسي المطبق لهذه الثورة، لولا الحرب العراقية الإيرانية، وملفت في الفصل الذي يتناول تلك المرحلة كيف أن الشيوعيين الإيرانيين من حزب توده تطوعوا لإحباط أكثر من محاولة انقلابية على الخميني (انقلاب نوجه، محاولة صادق قطب زاده وشريعتمداري). ولئن أشار كاتوزيان إلى أن نهاية سنوات الخميني شهدت مواجهة حادة بين النزعة الاعتباطية الصارمة للسلطة وبين محاولات التمسك بالحد الأدنى من الضوابط المعيارية داخل النظام، وقد تمثلت هذه الذروة في إصدار الخميني أوامر بإعدام عدة آلاف من السجناء السياسيين – من اليساريين وحركة مجاهدي خلق – عبر لجنة من أربعة رجال دين شباب، فهو ​يبرز أهمية موقف آية الله منتظري الذي أحدث تنديده الشديد والعلني بهذه الإعدامات شرخاً في بنية القيادة، مما حوله من مرشح للخلافة إلى مغضوب عليه تحت الإقامة الجبرية. وربما جاز الاستطراد بأن مؤسسة الحوزة همشت من طرف النظام الذي ينعته أخصامه بأنه نظام الملالي في إثر حركة الاعتراض التي مثلها منتظري.
لقد قام نظام الحرس بتأميم المرجعية. بالتوازي، يقر كاتوزيان بأن النظام الإسلامي أعطى لنفسه مشروعية استخدام العنف المفرط ضد الخارجين عليه، هذا مقارنة بتردد الشاه في استخدام القمع الدموي الشامل، وأن هذه الحيوية القمعية «الثورية» مقرونة بإدارة هذا النظام على طريقته لمتلازمة التخويف بالاعتباط أو التخويف بالفوضى، بمقدورها تقديم زاوية نظر لمآلات النظام الثوري الإسلامي. كل هذا، قبل الحربين الأخيرتين على إيران، ومقتل المرشد وجيل كامل من أركان النظام، واستمرار نوع من النظام مع ذلك يريد أن يفهم نفسه والآخرين بأن له في آن عقل دولة وعقل ثورة دائمة، لكن هل من فكاك والحال هذه من ظاهرة «المجتمع قصير الأمد» التي يتحدث عنها كاتوزيان؟
٭ كاتب لبناني

نيسان ـ نشر في 2026-06-27 الساعة 12:37


رأي: وسام سعادة

الكلمات الأكثر بحثاً