في صبيحة اليوم التالي للتقاعد
نيسان ـ نشر في 2026-06-27 الساعة 17:36
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
في صبيحة اليوم التالي للتقاعد، اكتشف الرجل أن الكرسي كان أشهر منه. في صباحه الأول بعد التقاعد، استيقظ في السادسة كما فعل طوال أربعين عاما. حلق ذقنه، ارتدى ثيابه بعناية، أمسك مفاتيح سيارته، ثم وقف أمام الباب.
إلى أين سيذهب؟
لأول مرة منذ عقود، لم يكن هناك مكتب ينتظره، ولا موظف يطرق بابه، ولا هاتف يرن طالبا مساعدته أو حتى توقيعه.
عاد إلى الصالون وجلس صامتا. لم يكن قد تقاعد من وظيفته فقط، بل من جزء كبير من حياته.
نحن نتحدث كثيرا عن راتب التقاعد، ولا نتحدث عن التقاعد نفسه؛ تقاعد المعنى. فالإنسان لا يفقد دخله وحده، بل يفقد الدور الذي ظل يمنحه شعورا انه ذو شأن.
أعرف معلما ما زال يقف طويلا إذا صادفه أحد تلاميذه في السوق وناداه: "أستاذ". لا يحتاج أكثر من هذه الكلمة ليشعر أن سنوات عمره لم تذهب هباء.
وسمعت عن مدير مؤسسة تقاعد منذ سنين لكنه لا يزال يحتفظ حتى اليوم بمفتاح مكتبه، رغم أنه لم يعد يفتح شيئا. ليس لأنه يشتاق إلى الغرفة، بل لأنه يشتاق إلى الرجل الذي كانه.
لكن الحياة عادلة بطريقتها.
هناك من أفنى عمره في خدمة البلد والناس، يفتح بابه وإن كان ضيقا قبل أن يطرقوه، ويبحث عن حلول قبل أن يسمع الشكوى. هؤلاء لا يتقاعدون من قلوب الناس. ستجد من يزورهم، ويسأل عنهم، ويقف احتراما لهم حتى بعد أن يغادروا مكاتبهم.
وفي المقابل، هناك من كان يختبئ عن حاجات الناس، ويستهين بوجعهم بحجج واهية؛ لأن المنصب منحه سلطة صغيرة يتلذذ بها. هؤلاء أيضا يتقاعدون، لكنهم يكتشفون متأخرين أن الكرسي كان يحظى بالاحترام أكثر منهم. سيكتشفون ذلك في أول مناسبة اجتماعية. ستخبرهم عيون الناس بالحقيقة المرة.
صحيح أن التقاعد ليس نهاية الوظيفة، لكنه بداية كشف الحساب، ليس الحساب الذي تعده المؤسسة، بل الذي تعده الحياة، فالإنسان يغادر مكتبه حاملا شيئا واحدا فقط: سيرته بين الناس.
قد يأخذ معه درعا تكريما، وساعة تذكارية، وربما صورة جماعية، لكن كل ذلك يبقى على بلا جوهر.
في صبيحة اليوم التالي للتقاعد، يبدأ كشف الحساب الحقيقي. فالمؤسسة تودع المنصب، أما الناس فلا يودعون إلا الرجال الذين لم يغلقوا أبوابهم يوما في وجوههم.
في صبيحة اليوم التالي للتقاعد، اكتشف الرجل أن الكرسي كان أشهر منه. في صباحه الأول بعد التقاعد، استيقظ في السادسة كما فعل طوال أربعين عاما. حلق ذقنه، ارتدى ثيابه بعناية، أمسك مفاتيح سيارته، ثم وقف أمام الباب.
إلى أين سيذهب؟
لأول مرة منذ عقود، لم يكن هناك مكتب ينتظره، ولا موظف يطرق بابه، ولا هاتف يرن طالبا مساعدته أو حتى توقيعه.
عاد إلى الصالون وجلس صامتا. لم يكن قد تقاعد من وظيفته فقط، بل من جزء كبير من حياته.
نحن نتحدث كثيرا عن راتب التقاعد، ولا نتحدث عن التقاعد نفسه؛ تقاعد المعنى. فالإنسان لا يفقد دخله وحده، بل يفقد الدور الذي ظل يمنحه شعورا انه ذو شأن.
أعرف معلما ما زال يقف طويلا إذا صادفه أحد تلاميذه في السوق وناداه: "أستاذ". لا يحتاج أكثر من هذه الكلمة ليشعر أن سنوات عمره لم تذهب هباء.
وسمعت عن مدير مؤسسة تقاعد منذ سنين لكنه لا يزال يحتفظ حتى اليوم بمفتاح مكتبه، رغم أنه لم يعد يفتح شيئا. ليس لأنه يشتاق إلى الغرفة، بل لأنه يشتاق إلى الرجل الذي كانه.
لكن الحياة عادلة بطريقتها.
هناك من أفنى عمره في خدمة البلد والناس، يفتح بابه وإن كان ضيقا قبل أن يطرقوه، ويبحث عن حلول قبل أن يسمع الشكوى. هؤلاء لا يتقاعدون من قلوب الناس. ستجد من يزورهم، ويسأل عنهم، ويقف احتراما لهم حتى بعد أن يغادروا مكاتبهم.
وفي المقابل، هناك من كان يختبئ عن حاجات الناس، ويستهين بوجعهم بحجج واهية؛ لأن المنصب منحه سلطة صغيرة يتلذذ بها. هؤلاء أيضا يتقاعدون، لكنهم يكتشفون متأخرين أن الكرسي كان يحظى بالاحترام أكثر منهم. سيكتشفون ذلك في أول مناسبة اجتماعية. ستخبرهم عيون الناس بالحقيقة المرة.
صحيح أن التقاعد ليس نهاية الوظيفة، لكنه بداية كشف الحساب، ليس الحساب الذي تعده المؤسسة، بل الذي تعده الحياة، فالإنسان يغادر مكتبه حاملا شيئا واحدا فقط: سيرته بين الناس.
قد يأخذ معه درعا تكريما، وساعة تذكارية، وربما صورة جماعية، لكن كل ذلك يبقى على بلا جوهر.
في صبيحة اليوم التالي للتقاعد، يبدأ كشف الحساب الحقيقي. فالمؤسسة تودع المنصب، أما الناس فلا يودعون إلا الرجال الذين لم يغلقوا أبوابهم يوما في وجوههم.


