اتصل بنا
 

إيران تبحث عن 'الخائن'.. حملة صامتة لإعادة ترميم المنظومة الأمنية

نيسان ـ نشر في 2026-06-29 الساعة 12:34

إيران تبحث عن الخائن.. حملة صامتة
نيسان ـ لم يعد النظام الإيراني يتعامل مع الاختراقات الإسرائيلية باعتبارها حوادث أمنية منفصلة، بل بوصفها مؤشرًا على خلل داخلي أعمق داخل بنيةالحرس الثوري والأجهزة الأمنية.
فمنذ الحرب الأخيرة، تصاعدت في إيران لغة "التعاون مع العدو" و"شبكات التجسس" و"الاختراق"، بالتوازي مع موجة توقيفات وإعدامات وتشديد رقابي توحِي بأن النظام دخل مرحلة تفتيش داخلي قاسية، بحثًا عن مصدر التسريبات التي سمحت لإسرائيل والولايات المتحدة بالوصول إلى مواقع حساسة وقيادات وشبكات اتصالات.
ووثَّقت الصحافة الإيرانية المعارضة، ولا سيما "إيران إنترناشيونال" و"إيران واير"، خلال الأشهر الماضية نمطًا متكررًا من الإعلان عن تفكيك خلايا، واعتقال متهمين بالتعاون مع الموساد، وتنفيذ إعدامات بتهم التجسس.
لكن أهمية هذه الموجة لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في توقيتها السياسي والأمني.
فالنظام الذي لطالما قدّم نفسه باعتباره خبيرًا في اختراق خصومه، يبدو اليوم منشغلًا بسؤال معاكس: من الذي اخترقه من الداخل؟

من فشل أمني إلى هاجس داخلي
تكشف متابعة الخطاب الإيراني الرسمي أن السلطة لم تعد تكتفي بتحميل المسؤولية للتفوق التقني الإسرائيلي، بل توسع دائرة الاشتباه داخل المجتمع ومؤسسات الدولة، فكل هاتف، كل صورة، كل رسالة، وكل اتصال خارجي يمكن أن يتحول إلى مادة اتهام.
وفي هذا السياق، لا تبدو محاكمات التجسس مجرد إجراءات قضائية، بل هي جزءٌ من محاولة سياسية لإقناع الداخل بأن الخلل ليس في بنية النظام، بل في "خونة" و"عملاء" تسللوا إليه.
غير أن هذا التفسير لا يجيب، وفق تقديرات مراكز بحث غربية، عن السؤال الأصعب: كيف استطاعت إسرائيل، تحويل إيران إلى ساحة عمل استخباراتي مفتوحة نسبيًّا؟
فاستهداف قيادات ومواقع ومنشآت لا يحتاج فقط إلى صور أقمار صناعية أو قدرات سيبرانية، بل إلى طبقات من المعلومات البشرية والميدانية، حسب تقديرها.
وهذا ما يجعل حملة البحث عن "الخائن" انعكاسًا لحجم الصدمة داخل المؤسسة الأمنية.

إعدامات ورسائل ردع
بحسب تقارير حقوقية وإعلامية معارضة، نفَّذت السلطات الإيرانية أحكام إعدام بحق متهمين بالتعاون مع الموساد ووكالة الاستخبارات المركزية، كما تحدثت تقارير عن مئات المعتقلين على خلفية الاشتباه بالتعاون مع إسرائيل بعد جولات الحرب.
وتقدم السلطة هذه الإجراءات باعتبارها حماية للأمن القومي، بينما تراها منظمات حقوقية جزءًا من توسع خطير في استخدام تهم التجسس ضد معارضين وناشطين وأقليات ومواطنين عاديين.
وفقًا لهؤلاء، فإن الرسالة هنا مزدوجة. فهي موجهة للخارج لإظهار أن النظام ما زال قادرًا على الضبط والعقاب، وموجهة للداخل لإغلاق المجال العام تحت ذريعة الحرب.
وكلما اتسع الفشل الأمني، اتسعت معه الحاجة إلى مشهد عقابي: اعترافات، محاكمات، إعدامات، ومصادرة ممتلكات.
وبهذا المعنى، تتحول معركة الاختراق من ملف استخباراتي إلى أداة لإعادة إنتاج الخوف داخل المجتمع الإيراني.
الحرس تحت المجهر
تذهب بعض مراكز الأبحاث الغربية إلى أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية لم تستهدف القدرات العسكرية الإيرانية فقط، بل استهدفت أيضًا ثقة النظام بنفسه وبمؤسساته.
فالحرس الثوري، الذي بنى شرعيته على فكرة الردع والسيطرة والقدرة على نقل المعركة إلى الخارج، وجد نفسه أمام حرب كشفت هشاشة في الاتصالات، وضعفًا في حماية القيادات، ومحدودية في ردع الخصم.
هنا يبرز رأي الباحث في الشأن الإيراني محمد صالح الفتيح، الذي أشار إلى أن إيران تواجه خللًا بنيويًّا في منظومة الاتصالات، مؤكدًا أن المشكلة ليست تقنية فقط، بل مرتبطة بنمط القيادة نفسه: قادة معروفون، تحركات قابلة للتتبع، وبنية مركزية تجعل الضربة الواحدة قادرة على إرباك مستويات عدة من القرار.
وفقًا لقراءة الفتيح، فإن انتقال إيران إلى أنماط تواصل أكثر بدائية وانخفاض ظهور القيادات لا يعكس قوة أمنية، بل إنه اعترافٌ ضمنيٌّ بأن المنظومة القديمة أصبحت مكشوفة.
كما يرى الفتيح أن انهيار جزء من نموذج الردع عبر الوكلاء دفع طهران إلى حماية الداخل أوَّلًا. وهذا يفسر لماذا تبدو إيران اليوم أكثر عصبية أمنيًّا، فهي لا تخشى ضربة جديدة فقط، بل تخشى أن تكون الضربة المقبلة مبنية على معلومات من داخل بيتها.

نيسان ـ نشر في 2026-06-29 الساعة 12:34

الكلمات الأكثر بحثاً