أمريكا: ضجة حول تغيير النظام
د. مدى الفاتح
كاتب سوداني
نيسان ـ نشر في 2026-06-30 الساعة 12:33
نيسان ـ كتب كثيرة أثارت ضجة عقب صدورها، لكن القليل منها كان مثار جدل حتى قبل أن يصبح في متناول الناس. من هذا كتاب الكاتبة ماجي هيبرمان، الذي كتبته بالاشتراك مع جوناثان سوان، وكلاهما صحافيان في صحيفة «نيويورك تايمز»، الذي صدر رسميا في الأسبوع الماضي. كانت الصحيفة الأمريكية قد صنعت دعاية للكتاب عبر نشر مقتطفات منه قبل صدوره، ما ضاعف حجم التشويق والرغبة في الحصول على نسخة منه.
الكتاب، الذي حمل عنوان: «تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبريالية لدونالد ترامب»، والمبني على قرابة الألف مقابلة مع مقربين من دوائر صنع القرار الأمريكي، ربما تكون قد بيعت منه حتى الآن عشرات الآلاف من النسخ بسبب ما أثارته المعلومات والنصوص الواردة فيه من ضجة. الكتاب، الذي لا يخلو من جرأة، كان يفتح الباب لإعادة التفكير في فكرة تغيير النظام، التي كان الرئيس ترامب مهووسا بها، والتي سعى لتطبيقها في إيران.
إلا أن الضجة لم تتمحور حول مجرد انتقاد أطروحات ترامب، فقد اعتاد الرئيس الأمريكي على انتقادات الصحافيين، حتى بات لا يبالي بها، وإنما حول شيء أخطر، حيث احتوى الكتاب على تفاصيل وتسريبات من داخل البيت الأبيض. مسؤولون أمريكيون أبدوا قلقهم من أن تكون محادثات سرية قد تم اختراقها أو التنصت عليها. احتمال آخر دار في الأذهان هو ألا يكون هناك تنصت، وإنما أن يوجد هناك ضمن الدائرة الضيقة المقربة من الرئيس الأمريكي من يقوم بالتسريب. هذا الاحتمال دفع للتساؤل عمن يتسبب في ذلك، وعما إذا كان يفعل ذلك رغبة في إفشال رئاسة ترامب، وإمعانا في تشويه صورته، أو لمجرد كونه غير مقدر لخطورة ما يفعله. المدافعون عن الكتاب من منطق حرية الصحافة، اعتبروا أن ما يتناوله لا يسيئ للولايات المتحدة، ولا يفشي أسرارا أمنية، بل يركز على السلوك الشخصي للرئيس، وعلى أشياء من قبيل حبه لمظاهر الترف والبذخ وتشبيه نفسه بزعماء أقوياء أو مستبدين مثل، هتلر وماوتسي تونغ وستالين، ورغبته في التغطية على ملفات خطيرة مثل ملف إبستين، الذي حاول استخدام نفوذه من أجل إخفائه.
في الحقيقة فإن ترامب لا يخفي إعجابه بدول الاستبداد، حتى يظهر وكأنه كان يتمنى أن تملك بلاده نظاما شبيها بها، لا تقوم فيه الصحافة بدور الناقد القاسي، كما هو الحال معه اليوم، وهو ما قاله ذات مرة لمسؤول عن التحرير في صحيفة «نيويورك تايمز» نفسها، حيث أخبره أنه يعتقد أن على الصحافة الوطنية ألا تركز على السلبيات وأوجه القصور.
يقول الصحافيون، الذين يتابعون تغطيات البيت الأبيض، إن قصر الرئاسة الأمريكي لا يحوي الكثير من الأسرار، وإنه ليس من الصعب على أي صحافي استقصائي أن يخرج بمعلومات خاصة وحصرية
يقول الصحافيون، الذين يتابعون تغطيات البيت الأبيض، إن قصر الرئاسة الأمريكي لا يحوي الكثير من الأسرار، وإنه ليس من الصعب على أي صحافي استقصائي أن يخرج بمعلومات خاصة وحصرية، فالموظفون الرفيعون، بمن فيهم الرئيس ترامب نفسه، معروفون بأنهم ثرثارون ولا يقاومون شهوة الحديث عن أي شيء وفي أي وقت. ما حواه الكتاب من تفاصيل محرجة استدعى غضب المسؤولين، فعلى الرغم من أن ترامب معروف بالعفوية، وبأنه يتحدث من دون مراعاة للدبلوماسية ويقوم بالتغريد والنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، من دون حساسية، إلا أنه في الأخير لا يرغب بأن يتم نشر ما لا يريد من أفعال أو أقوال.
كان الجدل حول الكتاب فرصة كذلك لمناقشة مفهوم الأمن القومي في الحالة الأمريكية، فقد ثبت في وقت سابق، أن ترامب احتفظ بملفات سرية في منزله، وهو أمر ممنوع قانونيا، لكونه يعرض تلك الملفات للخطر، كما رآه العالم وهو ينشر رسائل خاصة أرسلت إليه من رؤساء آخرين عبر موقع «تروث»، فهل كان ذلك خرقا للأمن القومي؟ أم أن هذا المفهوم لا يُستدعى إلا في حالة الكتب والمقالات الصحافية؟ هذا السؤال كان مطروحا بشدة منذ سمع الناس بالكتاب، وبشكل عام انقسم المتابعون إلى قسمين، فمنهم من اعتبر أن الكتاب يمكن أن يكشف الكثير، وأن يمثّل شرحا لخفايا اتخاذ القرار في واشنطن، ومنهم من جعل الأمر يندرج تحت بند نظرية المؤامرة، وهو التفسير المفضل لأنصار ترامب، الذين يعتبرون أن أعداءهم الديمقراطيين، ومن خلفهم مؤسسات الدولة العميقة والنادي السياسي التقليدي، يتربصون بهم. قضية إبستين، التي شغلت الرأي العام في الولايات المتحدة وفي غيرها من البلدان، كانت تحظى باهتمام كبير في الكتاب، وهي لا شك من الموضوعات، التي تسبب الحرج والضيق للرئيس الأمريكي وللمتورطين. ما ورد في الكتاب من دلائل على تواطؤ الإدارة الأمريكية، ومحاولتها التستر على الجناة وإغلاق ملف القضية، أعاد فتح هذا الموضوع من جديد في وقت حساس يتأهب فيه الأمريكيون لخوض انتخابات التجديد النصفي. الحقيقة هي أن الكتاب، بما ورد فيه من حقائق، يمكن أن يكون مفيدا جدا لدعاية الديمقراطيين، الذي سيخبرون الناخبين أن الرئيس الجمهوري، الذي كان يتحدث عن قيم الأسرة وعن حماية أخلاق أمريكا من الديمقراطيين الذين أفسدوها، هو أكثر انحرافا وفسادا من الجميع. أعداء ترامب تناولوا هذا الكتاب وفقراته، التي تسخر من سلوك الرئيس، بشكل أقرب للشماتة، لحد قول بعضهم إن ترامب، الذي كان يحب التقليل من شخصية الرئيس السابق بايدن، ويصفه بالنائم خلال الاجتماعات، أو بأنه عجوز أخرق، أصبح هو نفسه مثار ضحك وسخرية من خلال المواقف، التي أدخل نفسه فيها.
النقطة الأكثر حساسية في هذا الكتاب تمثلت في الفكرة، التي تم إيصالها إلى القارئ، وهي أن الإدارة الأمريكية ليست على قلب رجل واحد، وأن المقربين من ترامب، وإن كانوا مجبرين على تمثيله وتنفيذ سياساته، إلا أن هذا لا يعني أنهم مقتنعون بها. يظهر هذا في مثال نائب الرئيس جي دي فانس، الذي أظهر وفاء لما كان مطروحا من برنامج رئاسي مبني على سياسة الانعزال، ورفض التدخل العسكري وإرسال الجنود للخارج. فانس كان أبدى، وفق الكتاب، اعتراضه خلال اجتماع أمني على شن حرب على إيران قائلا، إنها ستقود لحدوث فوضى في المنطقة والكثير من الخسائر. كان ذلك هو أيضا رأي جهاز الاستخبارات، الذي أدلى به مسؤولوها ردا على المقترح المقدم لترامب من بنيامين نتنياهو، إلا أن الجميع لم يلبثوا أن استسلموا أمام رغبة الرئيس الجارفة، ليصبح فانس، المعترض السابق، أحد أبرز المفاوضين والمتحدثين باسم الحملة الأمريكية على إيران.
بسبب ما ناله الكتاب من اهتمام تمت استضافة هيبرمان وسوان في قناة «سي إن إن» الإخبارية الأمريكية، وفي الكثير من المنابر الإعلامية المهمة من أجل التحدث عنه. في كل هذه المقابلات كان الصحافيان يرفضان الإفصاح عن مصادرهما، كما حدث خلال استضافتهما في برنامج «ديلي شو» مع الإعلامي جون ستيورات قبل أيام، على الرغم من محاولته بطرق شتى الضغط عليهما. ستيوارت سأل عن التحقق من صحة هذه المعلومات قائلا إنها ربما تكون قد سرّبت إليهما بشكل مقصود لتشتيت الانتباه أو كنوع من التضليل. الصحافيان قالا إن ما ورد في الكتاب لم يكن مبنيا على شهادة شخص واحد، وإنما على مقابلة العشرات من الشهادات حول الحدث الواحد، وأنهما استبعدا بالفعل كل ما لم يتم التحقق من صحته.
*كاتب سوداني
الكتاب، الذي حمل عنوان: «تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبريالية لدونالد ترامب»، والمبني على قرابة الألف مقابلة مع مقربين من دوائر صنع القرار الأمريكي، ربما تكون قد بيعت منه حتى الآن عشرات الآلاف من النسخ بسبب ما أثارته المعلومات والنصوص الواردة فيه من ضجة. الكتاب، الذي لا يخلو من جرأة، كان يفتح الباب لإعادة التفكير في فكرة تغيير النظام، التي كان الرئيس ترامب مهووسا بها، والتي سعى لتطبيقها في إيران.
إلا أن الضجة لم تتمحور حول مجرد انتقاد أطروحات ترامب، فقد اعتاد الرئيس الأمريكي على انتقادات الصحافيين، حتى بات لا يبالي بها، وإنما حول شيء أخطر، حيث احتوى الكتاب على تفاصيل وتسريبات من داخل البيت الأبيض. مسؤولون أمريكيون أبدوا قلقهم من أن تكون محادثات سرية قد تم اختراقها أو التنصت عليها. احتمال آخر دار في الأذهان هو ألا يكون هناك تنصت، وإنما أن يوجد هناك ضمن الدائرة الضيقة المقربة من الرئيس الأمريكي من يقوم بالتسريب. هذا الاحتمال دفع للتساؤل عمن يتسبب في ذلك، وعما إذا كان يفعل ذلك رغبة في إفشال رئاسة ترامب، وإمعانا في تشويه صورته، أو لمجرد كونه غير مقدر لخطورة ما يفعله. المدافعون عن الكتاب من منطق حرية الصحافة، اعتبروا أن ما يتناوله لا يسيئ للولايات المتحدة، ولا يفشي أسرارا أمنية، بل يركز على السلوك الشخصي للرئيس، وعلى أشياء من قبيل حبه لمظاهر الترف والبذخ وتشبيه نفسه بزعماء أقوياء أو مستبدين مثل، هتلر وماوتسي تونغ وستالين، ورغبته في التغطية على ملفات خطيرة مثل ملف إبستين، الذي حاول استخدام نفوذه من أجل إخفائه.
في الحقيقة فإن ترامب لا يخفي إعجابه بدول الاستبداد، حتى يظهر وكأنه كان يتمنى أن تملك بلاده نظاما شبيها بها، لا تقوم فيه الصحافة بدور الناقد القاسي، كما هو الحال معه اليوم، وهو ما قاله ذات مرة لمسؤول عن التحرير في صحيفة «نيويورك تايمز» نفسها، حيث أخبره أنه يعتقد أن على الصحافة الوطنية ألا تركز على السلبيات وأوجه القصور.
يقول الصحافيون، الذين يتابعون تغطيات البيت الأبيض، إن قصر الرئاسة الأمريكي لا يحوي الكثير من الأسرار، وإنه ليس من الصعب على أي صحافي استقصائي أن يخرج بمعلومات خاصة وحصرية
يقول الصحافيون، الذين يتابعون تغطيات البيت الأبيض، إن قصر الرئاسة الأمريكي لا يحوي الكثير من الأسرار، وإنه ليس من الصعب على أي صحافي استقصائي أن يخرج بمعلومات خاصة وحصرية، فالموظفون الرفيعون، بمن فيهم الرئيس ترامب نفسه، معروفون بأنهم ثرثارون ولا يقاومون شهوة الحديث عن أي شيء وفي أي وقت. ما حواه الكتاب من تفاصيل محرجة استدعى غضب المسؤولين، فعلى الرغم من أن ترامب معروف بالعفوية، وبأنه يتحدث من دون مراعاة للدبلوماسية ويقوم بالتغريد والنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، من دون حساسية، إلا أنه في الأخير لا يرغب بأن يتم نشر ما لا يريد من أفعال أو أقوال.
كان الجدل حول الكتاب فرصة كذلك لمناقشة مفهوم الأمن القومي في الحالة الأمريكية، فقد ثبت في وقت سابق، أن ترامب احتفظ بملفات سرية في منزله، وهو أمر ممنوع قانونيا، لكونه يعرض تلك الملفات للخطر، كما رآه العالم وهو ينشر رسائل خاصة أرسلت إليه من رؤساء آخرين عبر موقع «تروث»، فهل كان ذلك خرقا للأمن القومي؟ أم أن هذا المفهوم لا يُستدعى إلا في حالة الكتب والمقالات الصحافية؟ هذا السؤال كان مطروحا بشدة منذ سمع الناس بالكتاب، وبشكل عام انقسم المتابعون إلى قسمين، فمنهم من اعتبر أن الكتاب يمكن أن يكشف الكثير، وأن يمثّل شرحا لخفايا اتخاذ القرار في واشنطن، ومنهم من جعل الأمر يندرج تحت بند نظرية المؤامرة، وهو التفسير المفضل لأنصار ترامب، الذين يعتبرون أن أعداءهم الديمقراطيين، ومن خلفهم مؤسسات الدولة العميقة والنادي السياسي التقليدي، يتربصون بهم. قضية إبستين، التي شغلت الرأي العام في الولايات المتحدة وفي غيرها من البلدان، كانت تحظى باهتمام كبير في الكتاب، وهي لا شك من الموضوعات، التي تسبب الحرج والضيق للرئيس الأمريكي وللمتورطين. ما ورد في الكتاب من دلائل على تواطؤ الإدارة الأمريكية، ومحاولتها التستر على الجناة وإغلاق ملف القضية، أعاد فتح هذا الموضوع من جديد في وقت حساس يتأهب فيه الأمريكيون لخوض انتخابات التجديد النصفي. الحقيقة هي أن الكتاب، بما ورد فيه من حقائق، يمكن أن يكون مفيدا جدا لدعاية الديمقراطيين، الذي سيخبرون الناخبين أن الرئيس الجمهوري، الذي كان يتحدث عن قيم الأسرة وعن حماية أخلاق أمريكا من الديمقراطيين الذين أفسدوها، هو أكثر انحرافا وفسادا من الجميع. أعداء ترامب تناولوا هذا الكتاب وفقراته، التي تسخر من سلوك الرئيس، بشكل أقرب للشماتة، لحد قول بعضهم إن ترامب، الذي كان يحب التقليل من شخصية الرئيس السابق بايدن، ويصفه بالنائم خلال الاجتماعات، أو بأنه عجوز أخرق، أصبح هو نفسه مثار ضحك وسخرية من خلال المواقف، التي أدخل نفسه فيها.
النقطة الأكثر حساسية في هذا الكتاب تمثلت في الفكرة، التي تم إيصالها إلى القارئ، وهي أن الإدارة الأمريكية ليست على قلب رجل واحد، وأن المقربين من ترامب، وإن كانوا مجبرين على تمثيله وتنفيذ سياساته، إلا أن هذا لا يعني أنهم مقتنعون بها. يظهر هذا في مثال نائب الرئيس جي دي فانس، الذي أظهر وفاء لما كان مطروحا من برنامج رئاسي مبني على سياسة الانعزال، ورفض التدخل العسكري وإرسال الجنود للخارج. فانس كان أبدى، وفق الكتاب، اعتراضه خلال اجتماع أمني على شن حرب على إيران قائلا، إنها ستقود لحدوث فوضى في المنطقة والكثير من الخسائر. كان ذلك هو أيضا رأي جهاز الاستخبارات، الذي أدلى به مسؤولوها ردا على المقترح المقدم لترامب من بنيامين نتنياهو، إلا أن الجميع لم يلبثوا أن استسلموا أمام رغبة الرئيس الجارفة، ليصبح فانس، المعترض السابق، أحد أبرز المفاوضين والمتحدثين باسم الحملة الأمريكية على إيران.
بسبب ما ناله الكتاب من اهتمام تمت استضافة هيبرمان وسوان في قناة «سي إن إن» الإخبارية الأمريكية، وفي الكثير من المنابر الإعلامية المهمة من أجل التحدث عنه. في كل هذه المقابلات كان الصحافيان يرفضان الإفصاح عن مصادرهما، كما حدث خلال استضافتهما في برنامج «ديلي شو» مع الإعلامي جون ستيورات قبل أيام، على الرغم من محاولته بطرق شتى الضغط عليهما. ستيوارت سأل عن التحقق من صحة هذه المعلومات قائلا إنها ربما تكون قد سرّبت إليهما بشكل مقصود لتشتيت الانتباه أو كنوع من التضليل. الصحافيان قالا إن ما ورد في الكتاب لم يكن مبنيا على شهادة شخص واحد، وإنما على مقابلة العشرات من الشهادات حول الحدث الواحد، وأنهما استبعدا بالفعل كل ما لم يتم التحقق من صحته.
*كاتب سوداني
نيسان ـ نشر في 2026-06-30 الساعة 12:33
رأي: د. مدى الفاتح كاتب سوداني


