اتصل بنا
 

مراكز الإيواء في رفح .. غيتوهات تمييزية تحت غطاء الحماية الإنسانية

نيسان ـ نشر في 2026-07-01 الساعة 15:08

مراكز الإيواء في رفح .. غيتوهات
نيسان ـ عاد الحديث خلال الساعات الماضية عن خطط لإقامة ما يسمى مراكز إيواء إنسانية في رفح، الخاضعة لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي وسط عدم وضوح عن آليات إدارتها وهوية القائمين عليها فعليًا على الأرض، باستثناء وقوعها تحت مسؤولية مجلس السلام.
ورغم أن الحديث يُقدَّم بوصفه خطوة إنسانية ضمن مسار تنفيذ خطة ترامب لوقف حرب الإبادة ، فإن التفاصيل المتسربة حتى الآن تكشف عن معايير انتقائية لدخول هذه المراكز، وغياب واضح لأي تعريف دقيق لدور لمليشيات والعصابات المسلحة التي شكلها الاحتلال الإسرائيلي في مناطق مختلفة من شرقي القطاع، بما يعيد إلى الواجهة مخاوف قديمة من تحول هذه المراكز إلى أداة لتقسيم غزة جغرافيًا وسكانيًا لا لحمايتها.
تفاصيل خطيرة
ونقلت صحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية، مساء الثلاثاء، عن مصادر لم تسمّها أن “مجلس السلام” سيطلق خلال أسابيع مشروعًا تجريبيًا لإدارة مراكز إيواء إنساني في مناطق من قطاع غزة لا تخضع، بحسب تعبير الصحيفة، لسيطرة حركة حماس.

ووفق التقرير، ستكون منطقة تل السلطان قرب رفح الوجهة الأولى التي سيوجَّه إليها المدنيون، على أن يقتصر الدخول إليها على من وصفتهم الصحيفة بأنهم “لا يحملون السلاح ولا تربطهم صلات بحماس” وهو معيار فضفاض يفتح الباب أمام عمليات فرز وتصنيف للسكان بناء على تقدير أمني يتحكم فيه الاحتلال الإسرائيلي.
وبحسب الصحيفة، سيكون في هذه المراكز قوات مزوَّدة مسلحة بأسلحة غير فتاكة لحفظ النظام الداخلي، في حين سيواصل جيش الاحتلال بسط سيطرته وتشديد قبضته على ما تسميه إسرائيل “الخط الأصفر” وهو الحدود الفاصلة التي رسمتها تل أبيب أحاديًا داخل القطاع، والتي وسع الاحتلال نطاقها غربًا لتشمل أكثر من 70 % من مساحة القطاع.
خريطة ازدواجية
وبذلك تتشكل خريطة ازدواجية: مناطق “إيواء” منزوعة السلاح تخضع لإشراف دولي شكلي، ومساحة أوسع بكثير يستمر الاحتلال في فرض سيطرته الفعلية عليها من دون أي إطار زمني معلن للانسحاب منها.

ولم تُقدِّم التقارير الإسرائيلية أي تفصيل حول الجهة التي ستتولى تصنيف وفرز السكان المسموح لهم بدخول تل السلطان، ولا الآلية التي سيُميَّز بها “غير المسلح” عن “المسلح”، ولا الضمانات التي تحول دون توظيف هذا المعيار سياسيًا لاستبعاد فئات بعينها من الحصول على المساعدات الطبية والغذائية التي قالت الصحيفة العبرية إنها ستوجَّه حصريًا إلى هذه المراكز “بهدف تقويض قبضة حماس تدريجيًا” على سكان القطاع، وهي عبارة تكشف بذاتها أن الغاية المعلنة للمشروع سياسية وأمنية وليس إنسانية كما هو معلن.
المدينة الخضراء تعود للواجهة
المقترح الذي يجري الحديث عنه، سبق أن حذر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في يناير الماضي من خططورته، عندما كشف اتفاق إسرائيلي أميركي على إقامة ما يسمى المدينة الخضراء في رفح، جنوبي قطاع غزة، واعتبارها الحل لإيواء سكان قطاع غزة المهجرين منذ نحو ألف يوم في خيام نزوح بالية.

وأشار المرصد الأورومتوسطي إلى أن الخطة تنطوي على مخاطر جسيمة، من بينها فرض ترتيبات قد تؤدي فعليًا إلى تهجير السكان الفلسطينيين من أماكن إقامتهم الأصلية، وتحويل أجزاء واسعة من القطاع إلى مناطق عسكرية مغلقة خاضعة لسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي المباشرة.
وفي حينه، أكد الأورومتوسطي أن قوات الاحتلال الإسرائيلي تعمل إلى جانب مقاولين، على إخلاء المنطقة الواقعة بالكامل تحت السيطرة الإسرائيلية، وإزالة الأنقاض، وتسوية الأرض والقيام بتهيئتها لإنشاء تلك المدينة، وتوقع حينها أن تتسارع وتيرة هذه التحضيرات خلال المدة المقبلة.
وأشار الأورومتوسطي إلى أن هذه الخطة نموذج آخر للفشل في التعامل مع تداعيات الإبادة الجماعية المستمرة التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، حيث تطرح أفكارًا غير واقعية، تهدف في مجملها إلى إعادة التوزيع الديمغرافي في القطاع وتغيير تركيبته وفرض واقع جديد يقوم على السيطرة والهيمنة والإذلال، ولا يوفر حلولًا حقيقية لمعاناة المدنيين.

وحذر المرصد الأورومتوسطي من أن الخطط المتداولة لإعادة تشكيل المنطقة تحت مسمى “المدينة الخضراء” في رفح ستُستخدم لتكريس عزل السكان وتجميعهم قسرًا في غيتوهات خاضعة للسيطرة العسكرية، بما يفضي إلى إدامة تهجيرهم عن مناطق سكناهم الأصلية وفرض ظروف معيشية مهلكة تمس مقومات بقائهم الأساسية.
التذرع بإقامة “مدينة خضراء” لإيواء الفلسطينيين الذين سيُجبرون على الانتقال إلى منطقة تخضع حاليًا لسيطرة إسرائيل والمليشيات المسلحة التي شكلتها، يمثل – وفق الأورومتوسطي- نموذجًا بالغ الخطورة لإعادة هندسة المكان والسكان تحت إدارة عسكرية إسرائيلية مباشرة، بما يحول هذه المنطقة فعليًا إلى “غيتو” سكاني، لا سيما مع اقترانه بمحو رفح وتصفية حق السكان في العودة إلى أماكن سكنهم الأصلية، وما ينطوي عليه ذلك من مخاطر إحداث تغيير دائم في الخريطة الديمغرافية والجغرافية لقطاع غزة.
ويرى الأورومتوسطي أن إقامة ما يسمى “المدينة الخضراء”، بالصيغة المتداولة، وبما يجري تنفيذه على الأرض، تُكرّس منظومة متكاملة من الأفعال المحظورة بموجب القانون الدولي الإنساني وترقى إلى جرائم دولية؛ لأنها تقوم على النقل القسري وغير المشروع للمدنيين عبر إجبارهم على الانتقال إلى منطقة محددة تحت السيطرة الفعلية لقوة الاحتلال مع منع العودة عمليًا إلى أماكن الإقامة الأصلية أو تحويلها إلى مناطق عسكرية مغلقة، وتُدار كنظام مغلق يتحكم بالدخول والخروج والإقامة بما يفرض حرمانًا شديدًا من الحرية البدنية على نحو غير مشروع.
ويترافق ذلك مع حرمان متعمد وجسيم من حقوق أساسية على أسس تمييزية، بما يشكل اضطهادًا، فضلًا عن التدمير الواسع النطاق للممتلكات دون ضرورة عسكرية ملحة، والمساس بحرمة الموتى وحقوق العائلات عبر إزالة الأنقاض قبل انتشال الجثامين، بما يعوق تحديد الهوية والدفن اللائق، وما يترتب على محو رفح من تقويض حفظ الأدلة المادية اللازمة للتحقيق والمساءلة.
تعد مراكز الإيواء تحت سيطرة الاحتلال في رفح أو غيرها آلية مكمِّلة لمسار الإبادة الجماعية القائم؛ لأنها تُحوِّل التدمير الواسع وتهجير السكان إلى واقع دائم عبر محو رفح ومنع السكان من العودة إلى بيوتهم وأراضيهم وسبل رزقهم، ثم دفعهم إلى منطقة عزل مُدارة أمنيًا ببوابات وتصاريح ومراقبة، وتخضع للسيطرة العسكرية بما يتيح فرض قيود متوقعة وممنهجة على الغذاء والماء والدواء والوقود والخدمات الصحية، وعلى الحركة والعمل وإدامة الاعتماد القسري على مساعدات تتحكم بها قوة الاحتلال أو عصابات ينيبها، وفق الأورومتوسطي.
مجلس السلام.. تفويض دولي وغموض في التطبيق
يستند “مجلس السلام” إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر في نوفمبر 2025، الذي أجاز نشر “قوة استقرار دولية” متعددة الجنسيات لدعم إدارة قطاع غزة وإعادة إعماره خلال مرحلة انتقالية، عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأسيس المجلس في منتصف يناير 2026.
ويفترض التفويض الأممي أن تنسحب القوات الإسرائيلية من معظم مناطق القطاع فور نشر هذه القوة، على أن تتولى “لجنة وطنية” فلسطينية، يشرف عليها “المجلس التنفيذي لغزة” برئاسة الممثل السامي نيكولاي ملادينوف، إدارة الشؤون اليومية للسكان.
غير أن الوقائع الميدانية حتى الآن تسير في اتجاه مغاير لهذا التصور، فالقوات الدولية التي بدأت مركباتها الأولى بالوصول إلى منطقة الدعم اللوجستي “إندورانس” جنوب فلسطين المحتلة تمهيدًا لنشرها التدريجي داخل القطاع، من المقرر أن تنتشر أولًا في محيط رفح ضمن “الخط الأصفر” الذي يحدده ويسيطر عليه جيش الاحتلال الإسرائيلي، لا أن تحل محله.
وبذلك يتحول الانتشار الدولي، في نسخته الأولى على الأقل، إلى ترتيب يدار بالتنسيق مع الاحتلال داخل مساحة محدودة، فيما تستمر قوات الاحتلال في فرض واقعها الأمني والعسكري على الجزء الأكبر من القطاع.
ولا توفر التقارير أي معطيات بعد عن دور المليشيات المسلحة التي أنشأتها قوات الاحتلال أو فعّلتها في مناطق سيطرتها، والتي وثّقت جهات حقوقية وأممية أنها ساهمت في خلق بيئة غير آمنة تعرقل عمليًا وصول فرق الإنقاذ والإغاثة.
وبينما تتحدث الخطط المعلنة عن قوة شرطة فلسطينية جديدة، وعن حصر أو نزع سلاح فصائل المقاومة لا تقدم الوثائق المتاحة حتى الآن أي تصور واضح لكيفية تفكيك هذه المليشيات العميلة، المتورطة بجرائم قتل ومهمات أمنية للاحتلال فضلا عن السطو وإدارة الفلتان.
خط فاصل بلا معايير معلنة
ما يجمع بين هذه الخيوط المتفرقة، الخطة الإسرائيلية المسربة، وتفويض مجلس السلام الأممي، وسابقة “المدينة الخضراء”، هو غياب أي إجابة واضحة عن سؤال أساسي: من يقرر من يستحق الحماية والمساعدة في غزة، وبأي معيار؟
فبين “خط أصفر” يرسمه الاحتلال الإسرائيلي أحاديًا، و”مراكز إيواء” تفتح بمعايير أمنية غير معلنة، ومليشيات عميلة يتشكل تدريجيًا واقع ميداني يقسّم القطاع إلى مناطق متفاوتة الحقوق والخدمات، بعيدًا عن أي رؤية موحدة لإدارته أو إعادة إعماره، ما يعزز المخاوف من تحويل “الإيواء الإنساني” إلى أداة سياسية وأمنية جديدة لإعادة تشكيل خريطة غزة السكانية.

نيسان ـ نشر في 2026-07-01 الساعة 15:08

الكلمات الأكثر بحثاً