اتصل بنا
 

لقد دُمِّر جوهر الطفولة

نيسان ـ نشر في 2026-07-05 الساعة 10:15

نيسان ـ نشر موقع الأمم المتحدة، بتاريخ 23 حزيران، تقريرًا بارزًا حمل عنوان: «لقد دُمّر جوهر الطفولة: استهداف إسرائيل المتعمّد للأطفال الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023» (The essence of childhood has been destroyed: Israel›s deliberate targeting of Palestinian children in the Occupied Palestinian Territory since 7 October 2023).
صدر هذا التقرير عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، المكلّفة بالتحقيق في الانتهاكات المرتكبة في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وفي «إسرائيل». ويتّسم التقرير بطابع قانوني وتحقيقي بحت، لا بطابع مقال رأي، إذ يقدّم استنتاجات جدّية بشأن ما تصفه اللجنة بأنه استهداف ممنهج للأطفال الفلسطينيين.
وتخلص اللجنة، في جوهر ما توصّلت إليه، إلى أن الأطفال الفلسطينيين لم يكونوا ضحايا عرضيين للنزاع، بل تعرّضوا لأنماط متكررة ومقصودة من القتل والإصابة والتجويع والتهجير القسري والاعتقال، إلى جانب حرمانهم من الرعاية الصحية والتعليم. وترى اللجنة أن هذه الأنماط تدلّ على استهداف متعمّد، وعلى انتهاج سياسات عسكرية كانت نتائجها المتوقّعة والمستمرة تدمير حياة الأطفال ومستقبلهم. وبناءً على ذلك، تخلص اللجنة إلى أن هذه الأفعال قد ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب في قطاع غزة، فضلًا عن جرائم حرب في الضفة الغربية.
أما من الناحية الإحصائية، فتقدّر اللجنة أن ما لا يقل عن 20,179 طفلًا قد استُشهدوا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما أُصيب أكثر من 44 ألف طفل آخر، مشيرةً إلى أن الأطفال يمثّلون نحو 30 % من إجمالي عدد الشهداء.
يستعرض التقرير الأنماط المختلفة من الانتهاكات المتعمّدة التي طالت الأطفال الفلسطينيين ، بدءًا من الاستهداف المباشر والمقصود لهم في حالات يتعذّر تفسيرها بالخطأ أو بمقتضيات الضرورة العسكرية، كاستهدافهم أثناء بحثهم عن الطعام والماء، أو استخدام ذخائر شديدة التدمير في مناطق مكتظة بالسكان. ويتطرّق التقرير أيضًا إلى سياسة الحصار وما نجم عنها من حرمان من الخدمات الأساسية، بما في ذلك المستشفيات وحضانات الولادة والمدارس وسائر المرافق الحيوية، إضافة إلى ممارسات الاعتقال وسوء المعاملة، وما تخلّفه هذه الانتهاكات مجتمعة من تدمير نفسي واجتماعي عميق يطال مفهوم الطفولة في جوهره.
واستخدم التقرير عبارة «دُمّر جوهر الطفولة» في إشارة تتجاوز حصر الأثر بالقتل والإصابة، لتصف انهيار المنظومة الكاملة التي تتيح للطفل أن يعيش طفولته: من المسكن والمدرسة والأسرة، إلى الرعاية الصحية واللعب والشعور بالأمان، وصولًا إلى المستقبل والاستقرار النفسي. ويخلص التقرير إلى أن الطفل الفلسطيني في غزة لم يواجه خطرًا عسكريًا عابرًا، بل واجه منظومة متكاملة من العنف والحرمان أفضت إلى تفكك حياته من جميع جوانبها، وهو ما يفسّر شدّة التعبير المستخدم: تدمير جوهر الطفولة.
وفي حين ينصبّ التركيز الأكبر للتقرير على قطاع غزة، فإنه يتناول كذلك الأوضاع في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، مسلّطًا الضوء على تصاعد العنف الممارس ضد الأطفال الفلسطينيين هناك، ولا سيما في سياقات الاعتقال والمداهمات وعنف المستوطنين.
ولم تتشكّل هذه الاستنتاجات من فراغ، بل استندت إلى جهود مئات الصحفيين الفلسطينيين الذين وثّقوا، بشجاعة استثنائية، مشاهد انتشال الأطفال من تحت الركام، ووفاة رضّع في الحضانات جراء انقطاع الكهرباء، إلى جانب سلسلة من القصص المؤلمة التي عاشها الأطفال في ظل هذه المجزرة المستمرة. وقد دفع عدد كبير من هؤلاء الصحفيين حياتهم ثمنًا لتوثيق هذه الشهادات، حتى غدت غزة من أكثر مناطق النزاع خطورة على الصحفيين في العالم. ومع ذلك، واصل الصحفيون أداء رسالتهم المهنية، ولا يزالون يدفعون أرواحهم ثمنًا لذلك.
وإذا كان من الممكن أن يُقتل أكثر من عشرين ألف طفل دون أن تتمكن الأمم المتحدة من محاسبة المتورطين والمتواطئين في هذه الجرائم، ودون أن تُقدم على طرد إسرائيل من عضويتها أو قطع العلاقات الدبلوماسية معها، فإن ذلك يثير تساؤلات جوهرية حول جدوى هذه المؤسسة الدولية، ويعزز لدى كثيرين قناعة بأنها ما هي إلا إحدى أدوات النظام الدولي القائم، تُستخدم حينًا وتُعطَّل حينًا آخر تبعًا لمصالح القوى الكبرى.
ويؤسس هذا التقرير، في نهاية المطاف، لسجلّ تاريخي لا يُمحى، سيبقى شاهدًا على ما جرى، وعلى كل من شارك في هذه الجرائم أو تواطأ معها، وعلى كل من خذل أطفال غزة وتركهم وحيدين في مواجهة القتل والحرمان. ولعل هذا السجل يظل حاضرًا في ذاكرة الأجيال القادمة، ويشكّل خطوة على طريق إنهاء الاحتلال.
للاستزادة:

نيسان ـ نشر في 2026-07-05 الساعة 10:15


رأي: اسماعيل الشريف

الكلمات الأكثر بحثاً