اتصل بنا
 

ملياردير بلا تكييف 70 عاماً.. لماذا عاش تشارلي مونغر في منزل متواضع؟

نيسان ـ نشر في 2026-07-07 الساعة 15:20

ملياردير بلا تكييف 70 عاما.. لماذا
نيسان ـ عاش الملياردير الأميركي تشارلي مونغر، أحد أعظم المستثمرين في العصر الحديث، نحو 70 عاما في منزل متواضع لم يكن مزودا حتى بجهاز تكييف، رغم امتلاكه ثروة تقدر بمليارات الدولارات. وبينما اختار كثير من الأثرياء القصور الفاخرة والممتلكات الضخمة، فضّل مونغر حياة بسيطة، مؤمنا بأن الثراء الحقيقي لا يُقاس بحجم المنزل، بل بالأفكار والعلاقات والقدرة على التعلم.
وأمضى نائب رئيس مجلس إدارة "بيركشاير هاثاواي"، الذي توفي في نوفمبر 2023 قبل أسابيع قليلة من بلوغه عامه المئة، نحو سبعين عاما في المنزل نفسه بمدينة لوس أنجلوس. ولم يكن المنزل متواضعا مقارنة بثروته فحسب، بل إنه لم يكن مزودا حتى بجهاز تكييف، بحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال".
وخلال موجة حر شديدة ضربت كاليفورنيا قبل ثلاث سنوات من وفاته، اضطر عدد من أصدقائه إلى إحضار مراوح كهربائية وأكياس من الثلج لتبريد مكتبته، في مشهد أثار دهشة كثيرين، خصوصا أنه كان يمتلك ثروة تقدر بمليارات الدولارات وكان بإمكانه العيش في أفخم المنازل وأكثرها تجهيزا.
إلا أن غياب وسائل الرفاهية عن منزله لم يكن نتيجة إهمال أو ضيق في الإمكانات، بل كان قرارا شخصيا يعكس فلسفته في الحياة. فقد كان مونغر، الذي بدأ مسيرته محاميا متخصصا في العقارات قبل أن يتحول إلى أحد أنجح المستثمرين في العصر الحديث، يرى أن امتلاك منزل ضخم لا يعني بالضرورة امتلاك حياة أفضل.
ورغم امتلاكه منزلا فاخرا مطلا على المحيط في منطقة مونتيسيتو بولاية كاليفورنيا، فإن ذلك المنزل ظل شبه خالٍ معظم الوقت. ووصفت صحيفة وول ستريت جورنال المنزل بأنه "مذهل"، وكان يقع داخل مجمع سكني مسوّر صممه مونغر بنفسه، حتى إن السكان المحليين أطلقوا على المنطقة اسم "مونغرفيل" بسبب ارتباطه الوثيق بها. كما أخبر أحد أصدقائه في وقت سابق أنه كان يتوقع قضاء سنواته الأخيرة في ذلك المنزل.
لكن الأمور سارت على نحو مختلف. فبدلًا من الانتقال إلى القصر المطل على المحيط، فضّل مونغر البقاء في منزله القديم الذي اشتراه قرابة عام 1953، ولم يجر عليه تعديلات أو توسعات كبيرة طوال تلك السنوات. وبينما كان كثير من أصحاب الثروات يحولون أموالهم إلى قصور مترفة، ظل مونغر يعيش ببساطة، حتى إنه كان يعتمد على المراوح وأكياس الثلج للتغلب على حرارة الصيف.
وفي مقابلة مسجلة مع شبكة "CNBC" بُثت بعد وفاته، شرح مونغر الأسباب التي دفعته إلى رفض أسلوب الحياة الذي يتبناه كثير من الأثرياء.
وقال: "أنا ووارن بافيت نملك من الذكاء ما يكفي لنرى أصدقاءنا الذين أصبحوا أثرياء وهم يبنون هذه المنازل الضخمة والفاخرة. وفي كل الحالات تقريًا، أعتقد أن تلك المنازل تجعل أصحابها أقل سعادة، لا أكثر سعادة."
وأضاف أن المنزل البسيط يؤدي الغرض المطلوب، موضحا أن المنزل الأكبر قد يسمح باستضافة عدد أكبر من الضيوف، لكنه في المقابل يفرض تكاليف مرتفعة ولا يقدم منفعة حقيقية توازي تلك التكاليف.
ولم يكن موقفه قائما على الاعتبارات المالية وحدها، بل ارتبط أيضا بقناعاته الأخلاقية. فقد كان مونغر، الذي أنجب تسعة أبناء من زواجين، يرى أن المبالغة في إظهار الثراء قد تترك آثارا سلبية على الأبناء وطريقة تفكيرهم.
وقال في المقابلة نفسها: "كان لدي عدد كبير من الأطفال، لذلك كان بإمكاني تبرير امتلاك منزل أكبر. ومع ذلك، قررت ألا أعيش حياة أبدو فيها مثل دوق ويستمنستر أو ما شابه. فعلت ذلك عن قصد، لأنني لم أعتقد أن ذلك سيكون جيدًا للأطفال."
وأصبحت هذه الفلسفة جزءا أساسيا من شخصية مونغر ونهجه في الحياة. فقد كان يؤكد باستمرار أن العيش بأقل من الإمكانات المتاحة ليس مجرد وسيلة لتوفير المال، بل استراتيجية تساعد الإنسان على التركيز على ما هو أكثر أهمية، مثل التفكير بعيد المدى، واتخاذ القرارات الحكيمة، وبناء العلاقات مع الأشخاص المناسبين.
وأكد ابنه بالتبني، هال بورثويك، في حديثه لصحيفة "وول ستريت جورنال"، أن مونغر لم يفقد شغفه بالتعلم حتى في سنواته الأخيرة. فعلى الرغم من تراجع قدرته على الحركة وضعف بصره، ظل يناقش أحدث التطورات في الذكاء الاصطناعي، ويتابع الاستثمارات العقارية، ويشارك في اجتماعات وغداءات دورية مع أصدقائه داخل منزله.
ورغم امتلاكه ثروة هائلة كان يمكن أن توفر له أي نمط حياة يريده، فإن مونغر لم يرَ أن الثراء الحقيقي يكمن في القصور أو مظاهر البذخ، بل في امتلاك الوقت للقراءة، والعقل المنفتح على التعلم، والمشروعات التي تثير الفضول، والأشخاص الذين يحيطون بالإنسان. ولذلك ظل يعيش حتى أيامه الأخيرة بالطريقة التي آمن بها، مكتفيا بكتبه وأفكاره وأصدقائه، وحتى ببعض أكياس الثلج عندما ترتفع درجات الحرارة.

نيسان ـ نشر في 2026-07-07 الساعة 15:20

الكلمات الأكثر بحثاً