اتصل بنا
 

السوسنة السوداء .. ليست الورقة بل الدولة.. فيديو

نيسان ـ نشر في 2026-07-08 الساعة 21:46

السوسنة السوداء .. ليست الورقة بل
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
قبل أن ننشغل بمن يملك الحقيقة في قضية "السوسنة السوداء"، دعونا نتوقف عند مشهد ربما كان أكثر تأثيرا من القضية نفسها.
في الحقيقة، لم أتوقف عند عدد المخالفات التي تحدثت عنها وزارة الزراعة، ولا الرواية التي قدمها المستثمر، توقفت كثيرا عند ذلك المشهد الذي امتدت فيه يد مسؤول إلى الورقة التي كان يحملها النائب معتز أبو رمان. في لحظة واحدة، خرجت القضية من إطارها الإداري، وتحولت إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية إدارة الدولة لخلافاتها.
فالنائب، سواء اتفقنا مع أدائه أم اختلفنا، لا يمثل نفسه. قوته ليست شخصية، بل مستمدة من الناس الذين أوصلوه إلى مجلس النواب.
ومن هنا، فإن أي مشهد يبدو فيه النائب عاجزا عن ممارسة دوره الرقابي لا يقرأه المواطن بوصفه خلافا بين شخصين، وإنما بوصفه صورة للعلاقة بين السلطة التنفيذية والرقابة البرلمانية.
أما أصل القضية، فلا يزال يثير أسئلة أكثر مما يقدم إجابات.
الرواية الرسمية تبدو واضحة في ظاهرها، فوزارة الزراعة تتحدث عن مراجعة شاملة لقطاع الثروة الحيوانية، وعن تسع وعشرين مخالفة وصفتها بالحرجة، من بينها غياب الطبيب البيطري المقيم، ونواقص في سجلات التحصين، وتؤكد أن الإجراءات جاءت لحماية الأمن الحيوي، لا لمحاربة الاستثمار.
في المقابل، يقف مالك "السوسنة السوداء" برواية مختلفة تماما، فهو يتحدث عن قرار قضائي، وعن اجتماعات رسمية أفضت إلى تقليص المخالفات، بل ويقول إن الأمور كانت تتجه نحو إعادة افتتاح المشروع بعد مراجعة الملف وتصويب أوضاعه.
وبين الروايتين، يقف المواطن حائرا.
فإذا كانت المخالفات بهذا الحجم، كيف جرى الحديث عن إعادة الافتتاح؟
وإذا كانت المخالفات قد تقلصت ولم تعد تستوجب الإغلاق، فلماذا وصلت الأزمة إلى هذا المستوى من التصعيد؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى إدانة الوزارة ولا إلى تبرئة المستثمر، وإنما تكشف خللا في إدارة الملف نفسه.
فالدولة لا تقاس فقط بصحة قراراتها، بل بقدرتها على تقديم رواية متماسكة، واضحة، لا تترك الرأي العام يتنقل بين تصريحات متناقضة وتفسيرات متباينة.
كما أن المستثمر ليس خصما للدولة، تماما كما أن الرقابة ليست خصما للاستثمار، فالدولة القوية هي التي تستطيع أن تجمع بين حماية الصحة العامة وتشجيع الاستثمار، دون أن يشعر أي طرف بأنه مستهدف أو خارج مظلة القانون.
لكن ما حدث في "السوسنة السوداء" جعل الاهتمام ينصرف من جوهر الملف إلى طريقة إدارة الأزمة. فالناس لم يعودوا يناقشون المخالفات بقدر ما ناقشوا المشهد الذي رافقها، وكأن الورقة التي تمزقت طغت على كل ما كتب فيها.
وهنا تكمن المشكلة، فحين تصبح طريقة إدارة الخلاف أهم من الخلاف نفسه، فإن ذلك يعني أن الأزمة انتقلت من ملف إداري إلى أزمة ثقة.
الثقة لا تُبنى بارتفاع الصوت، ولا بالمشاهد المتشنجة، ولا بتغليب الانفعال على الحجة، الثقة تُبنى حين يكون القانون هو المرجع الوحيد، والوثيقة تُجابه بوثيقة، والرأي بالرأي، والقرار بتفسير قانوني واضح ومقنع.
قد تنتهي أزمة "السوسنة السوداء" بقرار قضائي، أو بتسوية إدارية، أو بإعادة فتح المنشأة، أو بتثبيت قرار الإغلاق.
لكن السؤال الذي سيبقى بعد انتهاء كل ذلك هو: هل خرج المواطن من هذه الأزمة أكثر ثقة بمؤسساته... أم أكثر شكا؟
لأن الدول لا تُقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، بل بقدرتها على إقناع الناس بعدالة ذلك القرار، وبالطريقة التي تدير بها اختلافاتها قبل أن تدير انتصاراتها.

نيسان ـ نشر في 2026-07-08 الساعة 21:46

الكلمات الأكثر بحثاً