اتصل بنا
 

عندما تتحول نظريات المؤامرة الى واقع مرير!

نيسان ـ نشر في 2026-07-12 الساعة 12:31

نيسان ـ على مدى أكثر من 45 سنة، تابعت خلالها كرة القدم بشغف، قاومت بشراسة كل الادعاءات بأن هناك تلاعبات وفساد ومحسوبيات فيها، وتمسكت بشدة بنزاهة اللعبة وبصدق مسؤوليها، ورفضت، بل سخرت، من كل «نظريات المؤامرة»… الى أن حل مونديال 2026 علينا.
البداية كانت من قبل حتى ركلة البداية وانطلاق المونديال، عندما قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تجميد عقوبة النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، بالايقاف مباراتين، والسماح له بالمشاركة مع منتخب بلاده من أول مباراة في المونديال الحالي. بالطبع هو خبر جميل وسار لعشاق «الدون»، لكن ماذا عن قوانين كرة القدم؟ وماذا عن شعارات الفيفا «لا للعنصرية» و«لا للتمييز»؟
لكن تقبلت ذلك على مضض، وسار الأمر على ما يرام، واستمر رفضي لاتهامات الفيفا بـ«التمييز» بين اللاعبين والفرق، وربما اعتقدت ان مشاركة رونالدو ستكون مهمة تسويقيا وجماهيريا من وجهة نظر الاتحاد الدولي، رغم ان المنتخبات المنافسة للبرتغال في المجموعة ذاتها، مثل الكونغو وأوزبكستان وكولومبيا، كان من الممكن ان تصعد الامر وتعتبر مشاركة الهداف التاريخي للبرتغال ضدها غير عادلة ومنافية للقوانين. لكن هذا لم يحدث، فاعتقدت أن قلة من المتابعين والجماهير والمحترفين، رفعت صوتها وحاجبيها، لاستغراب القرار، فلما أنا أسير عكس التيار؟
لكن فجأة تفطنت الى نعمة العالم علينا بوجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واستدركت وجود خصلة من المحاسن في شخصيته، وهي خاصية «الثرثرة»، فلولاها لما علمنا بالكارثة الجديدة والفضيحة الكروية، عندما صرح الرئيس ترامب بانه هو من طلب من رئيس الفيفا جاني انفانتينو بأن يرفع عقوبة الإيقاف لنجم هجوم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغن بعد طرده في مباراة دور الـ32 أمام البوسنة، ما يعني حرمانه من المشاركة مع منتخب بلاده في دور الـ16 أمام بلجيكا، وبالفعل استجاب انفانتينو صاحب شعارات «لا للتمييز» و«لا للمحسوبيات» و«نعم للعدالة للجميع»، لصديقه الرئيس الأمريكي، الذي بات مقربا منه جداً، حتى أنه واساه على عدم منحه جائزة «نوبل للسلام»، فاستحدث السويسري جائزة جديدة أسماها «جائزة الفيفا للسلام»، وأصبح ترامب أول من يحظى بها، في خضم الضربات الأمريكية على الأراضي الإيرانية، بينها مجزرة مدرسة «ميناب».
حادثة بالوغن هذه، لو وقعت مع رئيس غير ترامب، وافترضنا انه كان جو بايدن، لما علمنا بتفاصيلها، ولكان أتعبنا التفكير والتخمين عن سبب قرار الفيفا تجميد عقوبة المهاجم الأمريكي، ولتجادلنا بأن هناك مادة في القانون تسمح بحدوث ذلك، ولكنت خضت معارك كلامية مع أصحاب «نظريات المؤامرة»، التي تتدعي ان الرئيس الأمريكي تدخل بالأمر وطلب من رئيس الفيفا تجميد العقوبة.
لكن تصريح ترامب، ولا مبالاة الفيفا بردود الأفعال الغاضبة، قادني مثل الملايين من عشاق اللعبة الحقيقيين، الى شعور حاد بالمرارة وفقدان الشغف باللعبة، وفقدان الثقة بمسؤوليها، بل باتت تتعزز شكوكي بكل القرارات، وأي شيء ينافي المنطق سيكون تحت طائلة الشك والتمحيص.
طبعا المنتخب الأمريكي كان هو الآخر ضحية ودفع الثمن، خصوصا أن ادارته لم تتدخل باستئناف قرار إيقاف مهاجمهم، بل أن مدربهم ماوريسيو بوتشيتينو بدأ بالتحضير لخطة مباراته أمام بلجيكا من دون بالوغن، لكن فريقه خسر بقسوة وسهولة غريبة 1-4، في أسوأ مبارياتهم في المونديال، وكأنهم دفعوا ثمن «الكارما الرياضية» وكره الملايين فجأة لهم.
كل هذا، ولم نأت بعد على ذكر مباراة مصر والأرجنتين، والتي وقع فيه ظلم واضح على «الفراعنة» بحرمانهم من هدف يعتبر من الأجمل في المونديال، والسماح باحتساب هدف الفوز للارجنتين رغم خطأ على صلاح. نقطة الجدل هي اذا كنت (كطاقم تحكيمي) ستلغي هدف مصر بسبب احتكاك وخطأ سبق الهدف بأكثر من 15 ثانية، فانك يجب تلغي هدف فوز الارجنتين، واذا أردت ان تحسب صحة أحدهما فيجب أن تحسب صحة الآخر.
في السابق كنت لأحزن على خسارة مصر بهذه الطريقة، وكنت سأعتبر الاقصاء من سوء الطالع وربما بسبب خطأ تقديري عفوي من الحكام، لكن بعد معرفة تفاصيل قصة بالوغن قبلها بأيام، تفجرت عندي ينابيع «نظريات المؤامرة» للأسف، لأنها أصبحت واقعا مريرا.
«الفاسد» انفانتينو يجب ان يدفع الثمن، وانا طبعا هنا لا أذمه، لأنه اعترف بنفسه بتلقيه اتصال ترامب، وأمر بتغيير قانون من قوانين كرة القدم إرضاء لعلاقته السياسية، ولهذا يجب ان يقال او يستقيل فور انتهاء المونديال، بل فتح تحقيق معه، مثلما حدث مع أسلافه الفاسدين من مسؤولي الفيفا في السنوات الماضية، ويجب أن ترفع شكوى إلى لجنة الأخلاقيات التابعة للجنة الأولمبية الدولية بشأن «الانتهاكات المتكررة للحياد السياسي» من إنفانتينو. حيث يُلزم القسم الذي يؤديه أعضاء اللجنة الأولمبية الدولية، وبينهم إنفانتينو، بالعمل «بشكل مستقل عن المصالح التجارية والسياسية»، وهو التزام يؤكده أيضا الميثاق الأولمبي.
أنا واثق من أن «الكارما الرياضية» ستنال من الأرجنتين، لكن شغفي بكرة القدم والمونديال أصبح في ضحالة متزايدة، بل لا يتعدى اهتمامي بما تبقى منه من مباريات، اهتمام أطرش بآخر صيحات الأغنيات.

نيسان ـ نشر في 2026-07-12 الساعة 12:31


رأي: خلدون الشيخ

الكلمات الأكثر بحثاً