1928 من جديد: هل نقترب من نظام اقتصادي عالمي جديد؟
نيسان ـ نشر في 2026-07-14 الساعة 12:26
نيسان ـ * دروس من الكساد العظيم في عصر الذكاء الاصطناعي
«إن الخطر الأكبر الذي يواجه المجتمعات لا يكمن في التغير التكنولوجي ذاته، بل في عجز المؤسسات عن التكيف قبل أن تصبح الاختلالات الهيكلية غير قابلة للعكس.»
نادراً ما يعيد التاريخ نفسه بالطريقة ذاتها، لكنه كثيراً ما يتردد صداه عبر أنماط متشابهة. ولذلك فإن قيمة دراسة الكساد العظيم لا تقتصر على البحث التاريخي، بل تكمن في فهم القوى الهيكلية التي حوّلت الاختلالات الاقتصادية إلى واحدة من أعمق الأزمات في التاريخ الحديث. فالسنوات التي سبقت انهيار عام 1929 تذكرنا بأن فترات الازدهار قد تخفي وراءها تراكمات من نقاط الضعف، وأن المجتمعات كثيراً ما تعجز عن إدراك المخاطر النظامية إلا بعد أن تصبح غير قابلة للتراجع.
واليوم، وبعد ما يقرب من قرن من الزمان، يبدو أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة جديدة من التحول الهيكلي العميق. ولا شك أن الظروف تختلف اختلافاً جوهرياً عما كانت عليه آنذاك، إلا أن العديد من السمات الأساسية تحمل تشابهاً لافتاً مع تلك التي ميزت أواخر عشرينيات القرن الماضي. فقد عادت اللامساواة الحادة، وتصاعدت النزعات الحمائية، وتفاقم التشرذم الجيوسياسي، وضعفت المؤسسات الدولية، وازدادت الاستقطابات السياسية، لتصبح جميعها مرة أخرى من السمات البارزة للمشهد الاقتصادي العالمي.
ولا تهدف هذه المقالة إلى الزعم بأن كساداً عظيماً جديداً بات أمراً حتمياً، وإنما تطرح سؤالاً أكثر أهمية:
هل نبني اليوم مرة أخرى نظاماً اقتصادياً تتشابه نقاط ضعفه الهيكلية مع تلك التي سبقت عام 1929، وفي الوقت ذاته نخلق مواطن ضعف جديدة كلياً تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين؟
فإذا كانت الإجابة، ولو جزئياً، بالإيجاب، فإن العقود المقبلة قد لا تشهد تكراراً للتاريخ، بل ظهور نوع مختلف جذرياً من الأزمات الاقتصادية العالمية.
لقد دخل العالم الكساد العظيم وهو مقيد بجمود نظام الذهب، وبمستويات مرتفعة من الرفع المالي، وبسوء توزيع الثروة، وبعجز الحكومات عن الاستجابة الحاسمة بعد اندلاع الأزمة. أما الاقتصاد العالمي اليوم، فهو أكثر تطوراً وترابطاً، ويتمتع بمؤسسات نقدية ومالية أكثر قوة بكثير. فالبنوك المركزية تمتلك أدوات لم يكن من الممكن تصورها في ثلاثينيات القرن الماضي، كما تدير الحكومات منظومات شاملة للحماية الاجتماعية، وتوفر مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي دعماً مالياً طارئاً لم يكن له وجود خلال فترة ما بين الحربين العالميتين.
وقد خفّضت هذه التطورات المؤسسية بدرجة كبيرة احتمال تكرار كساد عالمي بالطريقة نفسها التي حدث بها في الماضي.
إلا أنها لا تلغي احتمال حدوث اختلالات نظامية.
بل إنها قد تغير فقط شكلها وطبيعتها.
فعلى خلاف الاقتصاد الصناعي في القرن العشرين، أصبح الاقتصاد العالمي الناشئ يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والبنية التحتية الرقمية، ورأس المال المعرفي، بدلاً من الإنتاج التقليدي كثيف العمالة. كما أصبحت الإنتاجية تنفصل تدريجياً عن التشغيل، وأخذت الثروة تُولد بصورة متزايدة من الملكية الفكرية، والخوارزميات، والبيانات، والأتمتة، واقتصادات المنصات، بدلاً من التوسع في استخدام العمل البشري.
ويطرح هذا التحول تحدياً هيكلياً جديداً بالكامل.
فللمرة الأولى منذ الثورة الصناعية، قد يستمر النمو الاقتصادي حتى مع تراجع الطلب على العمل. فقد يواصل الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعه، وتستمر أرباح الشركات في النمو، وتواصل الأسواق المالية تسجيل مستويات قياسية جديدة، بينما تعاني في الوقت نفسه شريحة متزايدة من المجتمع من ركود الدخول، وتراجع فرص العمل، وتصاعد الشعور بعدم الأمان الاقتصادي.
وقد تصبح هذه الظاهرة، التي سبق أن وصفتها بمصطلح «النمو بلا وظائف» (Jobless Growth)، السمة الاقتصادية الأبرز للعقود القادمة.
وإذا تسارع هذا التحول، فقد لا تعود اللامساواة ناتجة أساساً عن عدم تكافؤ ملكية رأس المال المادي كما كان الحال قبل الكساد العظيم، بل قد تنشأ بصورة متزايدة عن عدم تكافؤ ملكية المعرفة، والخوارزميات، والبنية التحتية الحاسوبية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، ورأس المال الفكري.
ولا تقتصر آثار ذلك على أسواق العمل وحدها.
فمعظم دول الرفاه الحديثة، بما في ذلك أنظمة التقاعد، والتأمين ضد البطالة، وتمويل الرعاية الصحية، وآليات الحماية الاجتماعية، لا تزال مصممة في جوهرها لاقتصاد يشكل فيه التشغيل المصدر الرئيس للدخل، والضرائب، ومساهمات الضمان الاجتماعي.
وإذا توقف نمو التشغيل تدريجياً مقارنة بمعدلات نمو الإنتاجية، فإن هذه الترتيبات المؤسسية ستتعرض حتماً لضغوط مالية متزايدة.
ومن المفارقات أن الحكومات نفسها قد تشهد ارتفاعاً في إيراداتها الضريبية الناتجة عن الصناعات الآلية عالية الإنتاجية، في الوقت الذي تواجه فيه صناديق التقاعد تراجعاً في قاعدة الاشتراكات نتيجة تباطؤ نمو العمالة.
وقد يعيد هذا التباعد تشكيل البنية المالية للدول الحديثة بصورة جوهرية.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام صناع السياسات خلال العقود القادمة لن يقتصر على إدارة النمو الاقتصادي، بل سيتمثل في إدارة الانتقال من اقتصاد قائم على العمل إلى اقتصاد قائم على الإنتاجية، دون الإضرار بالتماسك الاجتماعي.
وربما يمثل ذلك أهم فارق بين عصرنا الحالي وأواخر عشرينيات القرن الماضي.
لقد نشأ الكساد العظيم لأن الرأسمالية الصناعية أخفقت مؤقتاً.
أما الأزمة النظامية المقبلة – إن حدثت – فقد تنشأ لأن الرأسمالية المعرفية نجحت بكفاءة مفرطة.
فالأتمتة ليست فشلاً اقتصادياً.
والذكاء الاصطناعي ليس فشلاً اقتصادياً.
والتحول الرقمي ليس فشلاً اقتصادياً.
بل على العكس، فهي تمثل إنجازات تكنولوجية استثنائية.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان تطور المؤسسات التي تنظم الضرائب، والتعليم، والتقاعد، وأسواق العمل، والحماية الاجتماعية، بالسرعة نفسها التي يتقدم بها التطور التكنولوجي.
لقد أثبت التاريخ أن الثورات التكنولوجية تتجاوز دائماً سرعة الإصلاح المؤسسي.
فقد أفرزت الثورة الصناعية في نهاية المطاف حقوق العمال، والتعليم الشامل، وأنظمة التأمين الاجتماعي، ودولة الرفاه الحديثة، ولكن ذلك لم يتحقق إلا بعد عقود من الصراعات الاجتماعية والتكيفات الاقتصادية.
ومن المرجح أن تتطلب ثورة الذكاء الاصطناعي تحولاً مؤسسياً لا يقل عمقاً.
وقد يستدعي ذلك استحداث أدوات مالية جديدة بالكامل، بما في ذلك آليات تعيد توزيع جزء من المكاسب الإنتاجية التي تحققها الأتمتة لدعم صناديق التقاعد، وتمويل التعليم مدى الحياة، ومساندة إعادة دمج القوى العاملة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي خلال المرحلة الانتقالية. وبدلاً من فرض الضرائب على التكنولوجيا ذاتها، قد تحتاج الحكومات إلى إعادة تصميم آليات توزيع القيمة الاقتصادية التي تخلقها التكنولوجيا.
وفي نهاية المطاف، فإن الدرس الأهم المستفاد من عام 1928 ليس الخوف ولا التشاؤم.
إنه الاستعداد المؤسسي.
فالمجتمعات نادراً ما تنهار لأن الابتكار يتقدم بسرعة مفرطة.
بل إنها تتعثر عندما تعجز مؤسساتها عن التكيف مع الواقع الاقتصادي المتغير.
ومن ثم، فإن التحدي الحاسم في القرن الحادي والعشرين لا يتمثل في معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد العالمي، فذلك التحول قد بدأ بالفعل.
أما السؤال الحقيقي، فهو ما إذا كانت الحكومات، والمؤسسات الدولية، والمجتمعات، قادرة على إعادة تصميم العقد الاجتماعي بالسرعة الكافية لضمان أن تتحول الطفرة التكنولوجية غير المسبوقة إلى ازدهار إنساني يشمل الجميع.
قد لا يعيد التاريخ نفسه أبداً.
لكن تجاهل دروسه كان دائماً يحمل ثمناً باهظاً.
* وزير الزراعة الأردني الأسبق - باحث مستقل في الاقتصاد الاستراتيجي، وحوكمة المستقبل، والتقنيات الناشئ
«إن الخطر الأكبر الذي يواجه المجتمعات لا يكمن في التغير التكنولوجي ذاته، بل في عجز المؤسسات عن التكيف قبل أن تصبح الاختلالات الهيكلية غير قابلة للعكس.»
نادراً ما يعيد التاريخ نفسه بالطريقة ذاتها، لكنه كثيراً ما يتردد صداه عبر أنماط متشابهة. ولذلك فإن قيمة دراسة الكساد العظيم لا تقتصر على البحث التاريخي، بل تكمن في فهم القوى الهيكلية التي حوّلت الاختلالات الاقتصادية إلى واحدة من أعمق الأزمات في التاريخ الحديث. فالسنوات التي سبقت انهيار عام 1929 تذكرنا بأن فترات الازدهار قد تخفي وراءها تراكمات من نقاط الضعف، وأن المجتمعات كثيراً ما تعجز عن إدراك المخاطر النظامية إلا بعد أن تصبح غير قابلة للتراجع.
واليوم، وبعد ما يقرب من قرن من الزمان، يبدو أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة جديدة من التحول الهيكلي العميق. ولا شك أن الظروف تختلف اختلافاً جوهرياً عما كانت عليه آنذاك، إلا أن العديد من السمات الأساسية تحمل تشابهاً لافتاً مع تلك التي ميزت أواخر عشرينيات القرن الماضي. فقد عادت اللامساواة الحادة، وتصاعدت النزعات الحمائية، وتفاقم التشرذم الجيوسياسي، وضعفت المؤسسات الدولية، وازدادت الاستقطابات السياسية، لتصبح جميعها مرة أخرى من السمات البارزة للمشهد الاقتصادي العالمي.
ولا تهدف هذه المقالة إلى الزعم بأن كساداً عظيماً جديداً بات أمراً حتمياً، وإنما تطرح سؤالاً أكثر أهمية:
هل نبني اليوم مرة أخرى نظاماً اقتصادياً تتشابه نقاط ضعفه الهيكلية مع تلك التي سبقت عام 1929، وفي الوقت ذاته نخلق مواطن ضعف جديدة كلياً تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين؟
فإذا كانت الإجابة، ولو جزئياً، بالإيجاب، فإن العقود المقبلة قد لا تشهد تكراراً للتاريخ، بل ظهور نوع مختلف جذرياً من الأزمات الاقتصادية العالمية.
لقد دخل العالم الكساد العظيم وهو مقيد بجمود نظام الذهب، وبمستويات مرتفعة من الرفع المالي، وبسوء توزيع الثروة، وبعجز الحكومات عن الاستجابة الحاسمة بعد اندلاع الأزمة. أما الاقتصاد العالمي اليوم، فهو أكثر تطوراً وترابطاً، ويتمتع بمؤسسات نقدية ومالية أكثر قوة بكثير. فالبنوك المركزية تمتلك أدوات لم يكن من الممكن تصورها في ثلاثينيات القرن الماضي، كما تدير الحكومات منظومات شاملة للحماية الاجتماعية، وتوفر مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي دعماً مالياً طارئاً لم يكن له وجود خلال فترة ما بين الحربين العالميتين.
وقد خفّضت هذه التطورات المؤسسية بدرجة كبيرة احتمال تكرار كساد عالمي بالطريقة نفسها التي حدث بها في الماضي.
إلا أنها لا تلغي احتمال حدوث اختلالات نظامية.
بل إنها قد تغير فقط شكلها وطبيعتها.
فعلى خلاف الاقتصاد الصناعي في القرن العشرين، أصبح الاقتصاد العالمي الناشئ يعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والبنية التحتية الرقمية، ورأس المال المعرفي، بدلاً من الإنتاج التقليدي كثيف العمالة. كما أصبحت الإنتاجية تنفصل تدريجياً عن التشغيل، وأخذت الثروة تُولد بصورة متزايدة من الملكية الفكرية، والخوارزميات، والبيانات، والأتمتة، واقتصادات المنصات، بدلاً من التوسع في استخدام العمل البشري.
ويطرح هذا التحول تحدياً هيكلياً جديداً بالكامل.
فللمرة الأولى منذ الثورة الصناعية، قد يستمر النمو الاقتصادي حتى مع تراجع الطلب على العمل. فقد يواصل الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعه، وتستمر أرباح الشركات في النمو، وتواصل الأسواق المالية تسجيل مستويات قياسية جديدة، بينما تعاني في الوقت نفسه شريحة متزايدة من المجتمع من ركود الدخول، وتراجع فرص العمل، وتصاعد الشعور بعدم الأمان الاقتصادي.
وقد تصبح هذه الظاهرة، التي سبق أن وصفتها بمصطلح «النمو بلا وظائف» (Jobless Growth)، السمة الاقتصادية الأبرز للعقود القادمة.
وإذا تسارع هذا التحول، فقد لا تعود اللامساواة ناتجة أساساً عن عدم تكافؤ ملكية رأس المال المادي كما كان الحال قبل الكساد العظيم، بل قد تنشأ بصورة متزايدة عن عدم تكافؤ ملكية المعرفة، والخوارزميات، والبنية التحتية الحاسوبية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، ورأس المال الفكري.
ولا تقتصر آثار ذلك على أسواق العمل وحدها.
فمعظم دول الرفاه الحديثة، بما في ذلك أنظمة التقاعد، والتأمين ضد البطالة، وتمويل الرعاية الصحية، وآليات الحماية الاجتماعية، لا تزال مصممة في جوهرها لاقتصاد يشكل فيه التشغيل المصدر الرئيس للدخل، والضرائب، ومساهمات الضمان الاجتماعي.
وإذا توقف نمو التشغيل تدريجياً مقارنة بمعدلات نمو الإنتاجية، فإن هذه الترتيبات المؤسسية ستتعرض حتماً لضغوط مالية متزايدة.
ومن المفارقات أن الحكومات نفسها قد تشهد ارتفاعاً في إيراداتها الضريبية الناتجة عن الصناعات الآلية عالية الإنتاجية، في الوقت الذي تواجه فيه صناديق التقاعد تراجعاً في قاعدة الاشتراكات نتيجة تباطؤ نمو العمالة.
وقد يعيد هذا التباعد تشكيل البنية المالية للدول الحديثة بصورة جوهرية.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام صناع السياسات خلال العقود القادمة لن يقتصر على إدارة النمو الاقتصادي، بل سيتمثل في إدارة الانتقال من اقتصاد قائم على العمل إلى اقتصاد قائم على الإنتاجية، دون الإضرار بالتماسك الاجتماعي.
وربما يمثل ذلك أهم فارق بين عصرنا الحالي وأواخر عشرينيات القرن الماضي.
لقد نشأ الكساد العظيم لأن الرأسمالية الصناعية أخفقت مؤقتاً.
أما الأزمة النظامية المقبلة – إن حدثت – فقد تنشأ لأن الرأسمالية المعرفية نجحت بكفاءة مفرطة.
فالأتمتة ليست فشلاً اقتصادياً.
والذكاء الاصطناعي ليس فشلاً اقتصادياً.
والتحول الرقمي ليس فشلاً اقتصادياً.
بل على العكس، فهي تمثل إنجازات تكنولوجية استثنائية.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في ضمان تطور المؤسسات التي تنظم الضرائب، والتعليم، والتقاعد، وأسواق العمل، والحماية الاجتماعية، بالسرعة نفسها التي يتقدم بها التطور التكنولوجي.
لقد أثبت التاريخ أن الثورات التكنولوجية تتجاوز دائماً سرعة الإصلاح المؤسسي.
فقد أفرزت الثورة الصناعية في نهاية المطاف حقوق العمال، والتعليم الشامل، وأنظمة التأمين الاجتماعي، ودولة الرفاه الحديثة، ولكن ذلك لم يتحقق إلا بعد عقود من الصراعات الاجتماعية والتكيفات الاقتصادية.
ومن المرجح أن تتطلب ثورة الذكاء الاصطناعي تحولاً مؤسسياً لا يقل عمقاً.
وقد يستدعي ذلك استحداث أدوات مالية جديدة بالكامل، بما في ذلك آليات تعيد توزيع جزء من المكاسب الإنتاجية التي تحققها الأتمتة لدعم صناديق التقاعد، وتمويل التعليم مدى الحياة، ومساندة إعادة دمج القوى العاملة، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي خلال المرحلة الانتقالية. وبدلاً من فرض الضرائب على التكنولوجيا ذاتها، قد تحتاج الحكومات إلى إعادة تصميم آليات توزيع القيمة الاقتصادية التي تخلقها التكنولوجيا.
وفي نهاية المطاف، فإن الدرس الأهم المستفاد من عام 1928 ليس الخوف ولا التشاؤم.
إنه الاستعداد المؤسسي.
فالمجتمعات نادراً ما تنهار لأن الابتكار يتقدم بسرعة مفرطة.
بل إنها تتعثر عندما تعجز مؤسساتها عن التكيف مع الواقع الاقتصادي المتغير.
ومن ثم، فإن التحدي الحاسم في القرن الحادي والعشرين لا يتمثل في معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد العالمي، فذلك التحول قد بدأ بالفعل.
أما السؤال الحقيقي، فهو ما إذا كانت الحكومات، والمؤسسات الدولية، والمجتمعات، قادرة على إعادة تصميم العقد الاجتماعي بالسرعة الكافية لضمان أن تتحول الطفرة التكنولوجية غير المسبوقة إلى ازدهار إنساني يشمل الجميع.
قد لا يعيد التاريخ نفسه أبداً.
لكن تجاهل دروسه كان دائماً يحمل ثمناً باهظاً.
* وزير الزراعة الأردني الأسبق - باحث مستقل في الاقتصاد الاستراتيجي، وحوكمة المستقبل، والتقنيات الناشئ
نيسان ـ نشر في 2026-07-14 الساعة 12:26
رأي: المهندس سعيد بهاء المصري


