اتصل بنا
 

التعليم الإضافي .. معلمون طوال العام ورواتب موسمية

نيسان ـ نشر في 2026-07-16 الساعة 20:57

التعليم الإضافي .. معلمون طوال العام
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
ليست قيمة الدول بما تنفقه على الطرق والجسور والمباني، بل بما تستثمره في الإنسان. والتعليم، في جوهره، ليس خدمة عامة تقدمها الدولة لمواطنيها، ولا بندا يمكن تقليصه كلما ضاقت الموازنات، وإنما هو مشروع وطني لحماية المستقبل، وأحد أهم أعمدة الأمن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
لهذا يصعب فهم المفارقة التي يعيشها آلاف معلمي التعليم الإضافي في الأردن. فهؤلاء لا يقفون خارج المنظومة التعليمية، ولا يؤدون دورا ثانويا فيها، بل يحملون العبء نفسه الذي يحمله أي معلم على رأس عمله، ويقفون أمام الطلبة بالساعات نفسها، ويشرحون المناهج نفسها، ويصححون الامتحانات نفسها، ويتحملون المسؤولية التربوية والأخلاقية نفسها، لكنهم عندما يتعلق الأمر بالحقوق، يصبحون فئة مختلفة تماما.
القضية هنا ليست في المسمى الوظيفي، بل في العدالة. فالمدرسة لا تميز بين معلم أصيل وآخر إضافي، والطالب لا يسأل من يشرح له إن كان على ملاك الوزارة أو يعمل بعقد مؤقت، والسبورة لا تفرق بين هذا وذاك، وحدها الحقوق هي التي تعرف هذا التمييز.
أكثر ما يثير التساؤل أن معلم التعليم الإضافي يفقد راتبه مع بداية العطلة المدرسية، وكأن الحياة هي الأخرى تدخل في إجازة.
هل تتوقف إيجارات المنازل في الصيف؟
هل تؤجل البنوك أقساطها؟
هل تنخفض أسعار الغذاء والدواء؟
هل تمنح شركات الكهرباء والمياه عطلة لفواتيرها؟
إذا كانت الحياة لا تتوقف، فلماذا يتوقف دخل المعلم؟
أدرك تماما حجم الضغوط التي تواجهها الخزينة العامة، وأعرف أن الحكومات تضطر أحيانا إلى إعادة ترتيب أولوياتها والبحث عن وسائل لضبط الإنفاق، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يجوز أن يكون التعليم أول ضحايا هذه الحسابات؟.
إن أي سياسة مالية توفر جزءا من النفقات على حساب استقرار المعلم، لا تحقق وفرا حقيقيا، بل تؤجل كلفة أكبر سيدفعها المجتمع لاحقا، فالمعلم الذي ينشغل بكيفية تأمين إيجار منزله أو إعالة أسرته، لن يستطيع أن يمنح طلبته كامل طاقته، ليس لأنه لا يريد، بل لأنه بشر قبل أن يكون موظفا.
ومن هنا فإن قضية معلم التعليم الإضافي ليست قضية فئة تطالب بتحسين أوضاعها الوظيفية، بل قضية تتعلق بفلسفة الدولة في إدارة قطاع التعليم، فإما أن يكون التعليم استثمارا وطنيا يستحق أن توفر له أفضل الكفاءات وأكثرها استقرارا، وإما أن يبقى ملفا يخضع لحسابات الوفر المالي قصيرة المدى.
وليس من قبيل المبالغة القول إن الدول التي سبقتنا لم تبن نهضتها لأنها امتلكت موارد أكبر، بل لأنها فهمت أن بناء الإنسان يسبق بناء الحجر، وأن المعلم ليس رقما في كشوف الرواتب، بل هو حجر الأساس في بناء المجتمع كله.
إنصاف معلم التعليم الإضافي لا يحتاج إلى خطابات احتفالية عن مكانة المعلم، ولا إلى كلمات تلقى في المناسبات، وإنما يحتاج إلى مراجعة حقيقية لهذا الملف، تضمن له الحد الأدنى من الاستقرار الوظيفي والاجتماعي، لأن من يصنع استقرار الأجيال، لا يجوز أن يعيش هو نفسه في قلق دائم.
فالعدالة لا تبدأ داخل قاعة المحكمة فقط، بل تبدأ أيضا داخل المدرسة، عندما يشعر كل معلم أن الدولة تنظر إليه بوصفه شريكا في صناعة المستقبل، لا موظفا مؤقتا يمكن الاستغناء عنه مع انتهاء الفصل الدراسي.

نيسان ـ نشر في 2026-07-16 الساعة 20:57

الكلمات الأكثر بحثاً