تركيا: مخاض الدستور المدني الأوّل في تاريخ الجمهورية
نيسان ـ رصد ـ نشر في 2016-01-12 الساعة 09:27
.
يبدو أن 2016 في تركيا، سيكون عام الدستور الجديد، مع التحركات التي يقوم بها رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو في هذا السياق، إذ التقى قيادات كل من حزب "الشعب الجمهوري" (أكبر أحزاب المعارضة) وحزب "الحركية القومية" (يميني متطرف)، ثم التقى يوم الأربعاء الماضي، رئيس المجلس النيابي إسماعيل كهرمان، ليؤكد أن المهمة باتت عند رئاسة المجلس بعد تأمين الأرضية اللازمة لإعادة إحياء لجنة المصالحة الدستورية لمدة ستة أشهر، بتمثيل متساوٍ لكل الأحزاب المتواجدة في البرلمان.
لم تعرف الدولة التركية، على الرغم من سيطرة أتاتورك عليها منذ تأسيسها، نظاماً رئاسياً من الناحية الدستورية، كما لم تعرف أيضاً دستوراً وضعه المدنيون بشكل حر في تاريخها منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى، سوى دستور 1921 والذي تكوّن من 23 مادة فضفاضة شارك في كتابتها العسكر وتتناسب مع ظروف تركيا خلال فترة "حرب الإنقاذ" (1919-1923) والذي يُعدّ استمراراً للدستور العثماني الأول أو القانون الأساسي 1876. وكانت أهم ميزاته أنه الدستور الأول الذي منح الحكم والسيادة بمطلقها إلى الأمة ممثلة بمجلس الأمة الذي يدير البلاد، من دون أن يحدد حتى نظام الحكم أو العاصمة.
تلاه دستور عام 1924 الذي يُعدّ انعكاساً حقيقياً لنتائج "حرب الإنقاذ" ومعاهدة لوزان. وتعرّض للكثير من التعديلات المتلاحقة، فكان الدستور الذي أعلن الجمهورية التركية وألغى السلطنة، قبل أن يلغي الخلافة أيضاً، وحدّد اللغة التركية لغة رسمية وحيدة والعاصمة أنقرة، ليتم إزالة مادة "الإسلام هو دين الدولة" منه عام 1928. لكن لم توضع العلمانية بنداً فيه لغاية عام 1937 كجزء من المبادئ الأتاتوركية الستة الداعية لبناء الجمهورية القومية التركية العلمانية المركزية الثورية الحديثة. ولم يعتمد الدستور "التعددية" بل ما أطلق عليه "ديمقراطية الأغلبية" في ظل حكم الحزب الواحد وهو حزب "الشعوب الجمهوري"، الذي أسسه أتاتورك، بنظام برلماني.
وتم إدخال تعديلات على الدستور في عام 1946 وجرى السماح بالتعددية الحزبية، حتى جاء انقلاب عام 1960 بقيادة العسكر الذين وضعوا دستور 1962، والذي كان الوحيد بنظام برلماني بحجرتين، شيوخ ونواب، ليَليه انقلاب العسكر مجدداً عام 1980 والذي أنتج دستور 1982 بنظام برلماني وبمقدمة تعتمد مبادئ أتاتورك.
وتبدو أمام تركيا اليوم مهمة كتابة دستور مدني جديد، يستبدل الدستور الحالي أو دستور عام 1982، وهي مهمة لا يختلف عليها اثنان في تركيا من ناحية المبدأ، بل لا يخلو أي برنامج انتخابي لأي حزب من ضرورة العمل على الدستور الجديد. وعلى الرغم من أن لجنة المصالحة الدستورية التي عملت لما يقارب عامين بين 2011 و2013 استطاعت التوافق على تغيير 60 مادة من الدستور الحالي، إلا أنه حتى هذه التوافقات لم ترَ النور واستمرت الخلافات.
وبينما يحاول حزب "العدالة والتنمية" استغلال الانتصار الكبير الذي حققه في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وتمزّق المعارضة لتمرير مشروعه الأهم بالتحوّل إلى النظام الرئاسي، يبدو أن إحياء مشروع الدستور الجديد يُعدّ جزءاً من خطة استراتيجية لإنهاء تمرد حزب "العمال الكردستاني" من دون الحاجة إلى التفاوض معه، خصوصاً بعد أن فشلت محاولة الأخير بتحريض الأكراد على التمرّد على الدولة التركية.
و أن الخطة الجديدة التي يجري العمل عليها، هي الأكثر شمولاً في تاريخ الصراع بين أنقرة و"العمال الكردستاني"، إذ تضم إضافة إلى توجيه ضربات عسكرية لـ"الكردستاني" داخل وخارج الأراضي التركية، وتمديد التواجد العسكري التركي نحو شمال العراق كما حدث أخيراً في الموصل، أبعاداً اجتماعية واقتصادية، تعمل على دعم المواطنين المتضررين من الاشتباكات الأخيرة في المدن، خصوصاً أن عمليات "الكردستاني" فيها لم تلقَ دعماً كبيراً.
وكذلك تقوم الخطة على التوجّه نحو كتابة دستور جديد يتم من خلاله تجاوز تهميش الدساتير السابقة للأكراد، من دون الاضطرار إلى التفاوض بشكل مباشر مع "الكردستاني" وتقديم تنازلات له، وبالتالي حصر العلاقة مع "الكردستاني" بأنه تنظيم إرهابي يبحث عن الاستيلاء على السلطة.
(العربي الجديد)


