الكونت وجه 'القمامة' أو أمل الديمقراطية الأخير!
نيسان ـ نشر في 2026-07-18 الساعة 15:04
نيسان ـ مما تتسم به الحياة السياسية البريطانية، مقارنة ببقية البلاد الأوروبية، أنه لا شفقة فيها على رئيس الحكومة إذا انهزم في الانتخابات أو، وهذا هو الأقسى، إذا شعر أعضاء مجلس العموم من حزبه (أي ما يسمى «الحزب البرلماني») بأن تدني شعبيته في استطلاعات الرأي العام سيجلب على الحزب نقمة الهزيمة الأكيدة في الانتخابات القادمة ويؤدي بهم بالتالي إلى خسران مقاعدهم البرلمانية وربما حرمانهم النهائي من أي مستقبل سياسي.
ومن مظاهر هذه القسوة أنه ما أن يعلن رئيس الحكومة استقالته حتى يبدأ موظفو الخدمة المدنية في مباشرة إجراءات «تهجيره» من 10 داوننغ ستريت، حيث إن من المشاهد المألوفة لدى الصحافيين المعتمدين في مقر الحكومة أن يلمحوا، بعد سويعات من ذهاب رئيس الحكومة إلى قصر باكنغهام لتقديم استقالته إلى الملك أو الملكة، تلك الشاحنة البيضاء الكبرى التي تأتي لنقل أمتعة عائلة المستقيل بأسرع ما يمكن. ذلك أن إيجار 10 داوننغ ستريت دائما ما ينتهي بأثر فوري. لا فترة سماح ولا إرجاء إلى ميسرة ولا رخصة بالوقوف على الأطلال. من ذلك أن نورما زوجة جون ميجور تأخرت، لسبب غير معروف، عام 1997 عن المغادرة مع زوجها وبقية العائلة، فإذا بالصحافيين يلمحونها ويصورونها وهي تستوقف سيارة أجرة سوداء مثلها مثل أي مواطنة عادية.
مما تتسم به الحياة السياسية البريطانية، أنه لا شفقة فيها على رئيس الحكومة إذا انهزم في الانتخابات أو، وهذا هو الأقسى، إذا شعر أعضاء مجلس العموم من حزبه بأن تدني شعبيته في استطلاعات الرأي العام سيجلب على الحزب نقمة
وقد حدث مرارا في التاريخ المعاصر أن اضطر رئيس الحكومة للاستقالة (التي تعني التنحي الآلي عن زعامة الحزب الحاكم) قبل انتهاء ولايته لفسح المجال لأعضاء «الحزب البرلماني» للتصويت على رئيس حكومة جديد. إذ كان ذلك هو الشأن مع أنتوني إيدن (بعد أزمة العدوان الثلاثي على مصر)، وهارولد ماكميلان (بعد فضيحة بروفومو)، ومارغريت تاتشر (بعد انتفاضة كبار ساسة حزب المحافظين عليها)، وتوني بلير (بعد تدني شعبيته بسبب جريمة المشاركة في غزو العراق). أما مسخرة البركسيت، فقد أدى زلزالها إلى فرض المغادرة الباكرة على كل من ديفيد كامرون، وتيريزا ماي، وبوريس جونسون. إلا أن ليز تراس هي التي انفردت بالرقم القياسي لما طُردت بعد مجرد 49 يوما!
أما كير ستارمر، الرجل الباهت الذي لا خبرة له بالعمل السياسي ولا شجاعة في مواجهة كارثة البركسيت ولا نزاهة في مواجهة جريمة الإبادة الإسرائيلية في غزة، فيجدر القول إنه لم يستحق يوما واحدا في الحكم كما لم يهنأ بيوم واحد فيه، باستثناء ساعة الوداع التي أظهر له فيها جميع نواب مجلس العموم، مثلما جرت العادة الحميدة عند القوم، من عبارات الود ولطيف المجاملات ما سر خاطره، خصوصا أن زعيمة المعارضة قد شفعت التحية له ولزوجته بأمنية أن يكون عام 2026 بالنسبة له مثيلا لما كان عام 1966 بالنسبة لرئيس الحكومة هارولد ويلسون: عام فوز إنكلترا بكأس العالم! فما أضيق التعايش السياسي لولا فسحة التراحم الوداعي!
هذه المناسبات القليلة التي تطفو فيها بعض مظاهر الطيبة أو المواساة بين الخصوم السياسيين، الذين ما اعتاد منهم الجمهور إلا أن يتنابزوا ويتناحروا ويُثخن بعضهم في بعض، هي مما يؤكد عراقة الحياة السياسية البريطانية وحرصها على حفظ بقية من سماحتها. أما الميزة الفارقة الأخرى فهي الإفراز المتجدد لشخصيات ظريفة تتميز بالقدرة على كسر روتين المعترك السياسي بالاقتراحات الخارقة والفكاهة المبهجة. ومن أهم هذه الشخصيات مرشحو «مونستر ريفينغ لوني بارتي»، «حزب الوحش المعربد المعتوه»، الذين دأبوا على حضور اجتماعات الأحزاب الكبرى بملابس براقة يغلب عليها الأصفر الفاقع، وعلى الطواف على دراجات مزينة تنوء بالبيارق والأجراس. أما نجم الحقبة الراهنة فهو المرشح الفكاهي الملقب، أرستقراطيّا، بـ»الكونت بينفيس»، «القَوْمَس وجه سلة القمامة»، الذي سبق له أن نافس بوريس جونسون في انتخابات 2019 و2023، والذي سيكون المنافس الأشهر للدجّال الانعزالي نايجل فراج في الانتخابات الفرعية القادمة في دائرته، كلاكتون، التي استقال من مقعدها أملا في أن تحرف الانتخابات الجديدة الأنظار (والأنوف!) عن فضائح الفساد التي أخذ عفنها ونَتَنُها يلازمانه أينما حل. ويشمل برنامج بينفيس الانتخابي مبادئ ثورية مثل «تأميم» المطربة آدال!، وإلغاء التحكيم الكروي بمساعدة فيديو الـ»ڤار»! وقد تميز بينفيس بأداء باهر في جميع محاوراته الإذاعية والتلفزية حتى أن بعض الجمهور قد بدأ يأخذ برامجه الانتخابية الساخرة، التي تتقصد الحط من شأن الساسة الكَذَبة، مأخذ الجد، قائلين إنه هو المرشح الجاد حقا، أما فراج فهو مجرد نكتة خائبة «بايخة»!
كاتب تونسي
ومن مظاهر هذه القسوة أنه ما أن يعلن رئيس الحكومة استقالته حتى يبدأ موظفو الخدمة المدنية في مباشرة إجراءات «تهجيره» من 10 داوننغ ستريت، حيث إن من المشاهد المألوفة لدى الصحافيين المعتمدين في مقر الحكومة أن يلمحوا، بعد سويعات من ذهاب رئيس الحكومة إلى قصر باكنغهام لتقديم استقالته إلى الملك أو الملكة، تلك الشاحنة البيضاء الكبرى التي تأتي لنقل أمتعة عائلة المستقيل بأسرع ما يمكن. ذلك أن إيجار 10 داوننغ ستريت دائما ما ينتهي بأثر فوري. لا فترة سماح ولا إرجاء إلى ميسرة ولا رخصة بالوقوف على الأطلال. من ذلك أن نورما زوجة جون ميجور تأخرت، لسبب غير معروف، عام 1997 عن المغادرة مع زوجها وبقية العائلة، فإذا بالصحافيين يلمحونها ويصورونها وهي تستوقف سيارة أجرة سوداء مثلها مثل أي مواطنة عادية.
مما تتسم به الحياة السياسية البريطانية، أنه لا شفقة فيها على رئيس الحكومة إذا انهزم في الانتخابات أو، وهذا هو الأقسى، إذا شعر أعضاء مجلس العموم من حزبه بأن تدني شعبيته في استطلاعات الرأي العام سيجلب على الحزب نقمة
وقد حدث مرارا في التاريخ المعاصر أن اضطر رئيس الحكومة للاستقالة (التي تعني التنحي الآلي عن زعامة الحزب الحاكم) قبل انتهاء ولايته لفسح المجال لأعضاء «الحزب البرلماني» للتصويت على رئيس حكومة جديد. إذ كان ذلك هو الشأن مع أنتوني إيدن (بعد أزمة العدوان الثلاثي على مصر)، وهارولد ماكميلان (بعد فضيحة بروفومو)، ومارغريت تاتشر (بعد انتفاضة كبار ساسة حزب المحافظين عليها)، وتوني بلير (بعد تدني شعبيته بسبب جريمة المشاركة في غزو العراق). أما مسخرة البركسيت، فقد أدى زلزالها إلى فرض المغادرة الباكرة على كل من ديفيد كامرون، وتيريزا ماي، وبوريس جونسون. إلا أن ليز تراس هي التي انفردت بالرقم القياسي لما طُردت بعد مجرد 49 يوما!
أما كير ستارمر، الرجل الباهت الذي لا خبرة له بالعمل السياسي ولا شجاعة في مواجهة كارثة البركسيت ولا نزاهة في مواجهة جريمة الإبادة الإسرائيلية في غزة، فيجدر القول إنه لم يستحق يوما واحدا في الحكم كما لم يهنأ بيوم واحد فيه، باستثناء ساعة الوداع التي أظهر له فيها جميع نواب مجلس العموم، مثلما جرت العادة الحميدة عند القوم، من عبارات الود ولطيف المجاملات ما سر خاطره، خصوصا أن زعيمة المعارضة قد شفعت التحية له ولزوجته بأمنية أن يكون عام 2026 بالنسبة له مثيلا لما كان عام 1966 بالنسبة لرئيس الحكومة هارولد ويلسون: عام فوز إنكلترا بكأس العالم! فما أضيق التعايش السياسي لولا فسحة التراحم الوداعي!
هذه المناسبات القليلة التي تطفو فيها بعض مظاهر الطيبة أو المواساة بين الخصوم السياسيين، الذين ما اعتاد منهم الجمهور إلا أن يتنابزوا ويتناحروا ويُثخن بعضهم في بعض، هي مما يؤكد عراقة الحياة السياسية البريطانية وحرصها على حفظ بقية من سماحتها. أما الميزة الفارقة الأخرى فهي الإفراز المتجدد لشخصيات ظريفة تتميز بالقدرة على كسر روتين المعترك السياسي بالاقتراحات الخارقة والفكاهة المبهجة. ومن أهم هذه الشخصيات مرشحو «مونستر ريفينغ لوني بارتي»، «حزب الوحش المعربد المعتوه»، الذين دأبوا على حضور اجتماعات الأحزاب الكبرى بملابس براقة يغلب عليها الأصفر الفاقع، وعلى الطواف على دراجات مزينة تنوء بالبيارق والأجراس. أما نجم الحقبة الراهنة فهو المرشح الفكاهي الملقب، أرستقراطيّا، بـ»الكونت بينفيس»، «القَوْمَس وجه سلة القمامة»، الذي سبق له أن نافس بوريس جونسون في انتخابات 2019 و2023، والذي سيكون المنافس الأشهر للدجّال الانعزالي نايجل فراج في الانتخابات الفرعية القادمة في دائرته، كلاكتون، التي استقال من مقعدها أملا في أن تحرف الانتخابات الجديدة الأنظار (والأنوف!) عن فضائح الفساد التي أخذ عفنها ونَتَنُها يلازمانه أينما حل. ويشمل برنامج بينفيس الانتخابي مبادئ ثورية مثل «تأميم» المطربة آدال!، وإلغاء التحكيم الكروي بمساعدة فيديو الـ»ڤار»! وقد تميز بينفيس بأداء باهر في جميع محاوراته الإذاعية والتلفزية حتى أن بعض الجمهور قد بدأ يأخذ برامجه الانتخابية الساخرة، التي تتقصد الحط من شأن الساسة الكَذَبة، مأخذ الجد، قائلين إنه هو المرشح الجاد حقا، أما فراج فهو مجرد نكتة خائبة «بايخة»!
كاتب تونسي
نيسان ـ نشر في 2026-07-18 الساعة 15:04
رأي: مالك التريكي


