رائحة 'مراحيض السلطة' بالصوت والصورة
نيسان ـ نشر في 2026-07-18 الساعة 18:55
نيسان ـ إبراهيم قبيلات
بعد رحلة نصف قرن من المسؤولية أخرج الوزير الاسبق جواد العناني ريحا من التصريحات الغريبة. المشكلة ليست في الحمامات، ولا في مكان بنائها، ولا حتى في حكايات الأمهات التي يحتفظ بها الأبناء في ذاكرتهم. المشكلة تبدأ عندما تتحول تلك الحكايات إلى رسائل سياسية، ويصبح قائلها رجل دولة شغل أعلى المناصب، وعاش في قلب السلطة لأكثر من نصف قرن.
خرج الوزير الأسبق الدكتور جواد العناني بتصريح أثار موجة واسعة من الجدل، مستعيدا رواية قال إنها على لسان والدته: "بدك تترك الجمال في فلسطين وتروح على الأردن اللي حماماتهم خارج البيت"؟. ثم أتبعها بضحكة طويلة.
قد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، مجرد طرفة من زمن مضى، لكن من يعرف طبيعة السياسة يدرك أن الكلمات لا تُقاس بحروفها، بل بمن ينطقها، وبالتوقيت الذي تُقال فيه، وبما يمكن أن تتركه من أثر.
جواد العناني ليس سياسيا عابرا، ولا مسؤولا سابقا خرج من المشهد منذ سنوات. إنه أحد أكثر رجال الدولة التصاقا بمراكز القرار، وأحد الوجوه التي رافقت الدولة الأردنية في محطات اقتصادية وسياسية مفصلية. ولهذا، فإن المجتمع لا يتعامل مع حديثه بوصفه جلسة ذكريات، بل باعتباره جزءا من ذاكرة السلطة نفسها.
ومن الخطأ أن يظن أحد أن العناني يتحدث باسم الأردنيين من أصولهم ومنابتهم المختلفة. فهو لا يمثل إلا نفسه، وإن كان لا بد من توصيف سياسي، فهو يمثل جيلا من النخبة التي صنعتها السلطة، وتنقلت بين مواقع القرار لعقود طويلة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا قالت والدته قبل سبعين عاما؟
السؤال هو: لماذا اختار أن يروي هذه الحكاية اليوم؟
فالسياسي المحترف يعرف أن المقارنات بين فلسطين والأردن ليست تفصيلا اجتماعيا، ولا دعابة عائلية. وهي، بحكم التاريخ والحساسية الوطنية، قادرة على إثارة نقاشات لا تنتهي، خصوصا عندما تصدر عن شخصية تعرف جيدا وزن الكلمة في المجال العام.
أما الإشارة إلى "حمامات خارج البيوت" في خمسينيات القرن الماضي، فهي ليست اكتشافا تاريخيا، فقد كانت تلك المرحلة تعكس ظروفا عاشتها غالبية المجتمعات العربية، قبل أن تبدأ مشاريع التحديث والبناء، ولم يكن الأردنيون يومها يقيسون قيمة أوطانهم بعدد الحمامات داخل المنازل، بل بقدرتهم على بناء دولة بإمكانات محدودة وإرادة كبيرة.
ذلك الجيل الذي عاش شظف العيش، هو نفسه الذي أسس مؤسسات الدولة، وحمى حدودها، وصنع استقرارها. ولهذا، فإن استدعاء تلك الصورة اليوم، بمعزل عن سياقها التاريخي، يفتح الباب أمام قراءات لا يحتاجها المجتمع، ولا تخدم ذاكرته الوطنية.
لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس عن دقة الرواية، بل عن الغاية من استحضارها، وهل أراد العناني إطلاق نكتة عابرة؟ أم إرسال رسالة سياسية مبطنة؟ أم أنها مجرد زلة لسان من رجل خبر السياسة طويلا؟
لا أحد يملك الإجابة الحاسمة، لكن المؤكد أن رجلا أمضى نصف قرن في مواقع القرار يعرف أن الكلمات، حين تخرج من أفواه رجال الدولة، لا تبقى كلمات، إنها تتحول إلى مواقف، وإلى إشارات، وإلى مادة للنقاش العام.
وربما لهذا السبب، لم تكن رائحة "مراحيض" الحديث هي التي أثارت الانتباه، بل رائحة السياسة التي خرجت معها، ففي النهاية، ما يعلق في ذاكرة الناس ليس موقع المرحاض، بل الرسائل التي تحاول السلطة تمريرها من خلاله.
بعد رحلة نصف قرن من المسؤولية أخرج الوزير الاسبق جواد العناني ريحا من التصريحات الغريبة. المشكلة ليست في الحمامات، ولا في مكان بنائها، ولا حتى في حكايات الأمهات التي يحتفظ بها الأبناء في ذاكرتهم. المشكلة تبدأ عندما تتحول تلك الحكايات إلى رسائل سياسية، ويصبح قائلها رجل دولة شغل أعلى المناصب، وعاش في قلب السلطة لأكثر من نصف قرن.
خرج الوزير الأسبق الدكتور جواد العناني بتصريح أثار موجة واسعة من الجدل، مستعيدا رواية قال إنها على لسان والدته: "بدك تترك الجمال في فلسطين وتروح على الأردن اللي حماماتهم خارج البيت"؟. ثم أتبعها بضحكة طويلة.
قد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، مجرد طرفة من زمن مضى، لكن من يعرف طبيعة السياسة يدرك أن الكلمات لا تُقاس بحروفها، بل بمن ينطقها، وبالتوقيت الذي تُقال فيه، وبما يمكن أن تتركه من أثر.
جواد العناني ليس سياسيا عابرا، ولا مسؤولا سابقا خرج من المشهد منذ سنوات. إنه أحد أكثر رجال الدولة التصاقا بمراكز القرار، وأحد الوجوه التي رافقت الدولة الأردنية في محطات اقتصادية وسياسية مفصلية. ولهذا، فإن المجتمع لا يتعامل مع حديثه بوصفه جلسة ذكريات، بل باعتباره جزءا من ذاكرة السلطة نفسها.
ومن الخطأ أن يظن أحد أن العناني يتحدث باسم الأردنيين من أصولهم ومنابتهم المختلفة. فهو لا يمثل إلا نفسه، وإن كان لا بد من توصيف سياسي، فهو يمثل جيلا من النخبة التي صنعتها السلطة، وتنقلت بين مواقع القرار لعقود طويلة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا قالت والدته قبل سبعين عاما؟
السؤال هو: لماذا اختار أن يروي هذه الحكاية اليوم؟
فالسياسي المحترف يعرف أن المقارنات بين فلسطين والأردن ليست تفصيلا اجتماعيا، ولا دعابة عائلية. وهي، بحكم التاريخ والحساسية الوطنية، قادرة على إثارة نقاشات لا تنتهي، خصوصا عندما تصدر عن شخصية تعرف جيدا وزن الكلمة في المجال العام.
أما الإشارة إلى "حمامات خارج البيوت" في خمسينيات القرن الماضي، فهي ليست اكتشافا تاريخيا، فقد كانت تلك المرحلة تعكس ظروفا عاشتها غالبية المجتمعات العربية، قبل أن تبدأ مشاريع التحديث والبناء، ولم يكن الأردنيون يومها يقيسون قيمة أوطانهم بعدد الحمامات داخل المنازل، بل بقدرتهم على بناء دولة بإمكانات محدودة وإرادة كبيرة.
ذلك الجيل الذي عاش شظف العيش، هو نفسه الذي أسس مؤسسات الدولة، وحمى حدودها، وصنع استقرارها. ولهذا، فإن استدعاء تلك الصورة اليوم، بمعزل عن سياقها التاريخي، يفتح الباب أمام قراءات لا يحتاجها المجتمع، ولا تخدم ذاكرته الوطنية.
لهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس عن دقة الرواية، بل عن الغاية من استحضارها، وهل أراد العناني إطلاق نكتة عابرة؟ أم إرسال رسالة سياسية مبطنة؟ أم أنها مجرد زلة لسان من رجل خبر السياسة طويلا؟
لا أحد يملك الإجابة الحاسمة، لكن المؤكد أن رجلا أمضى نصف قرن في مواقع القرار يعرف أن الكلمات، حين تخرج من أفواه رجال الدولة، لا تبقى كلمات، إنها تتحول إلى مواقف، وإلى إشارات، وإلى مادة للنقاش العام.
وربما لهذا السبب، لم تكن رائحة "مراحيض" الحديث هي التي أثارت الانتباه، بل رائحة السياسة التي خرجت معها، ففي النهاية، ما يعلق في ذاكرة الناس ليس موقع المرحاض، بل الرسائل التي تحاول السلطة تمريرها من خلاله.


