اتصل بنا
 

'الناجون من الظلام'.. شهادة حية من جحيم السجون الإسرائيلية

نيسان ـ نشر في 2026-07-19 الساعة 14:54

الناجون من الظلام.. شهادة حية من
نيسان ـ يأخذ الكاتب والباحث السياسي الفلسطيني وسام عفيفة في كتابه الجديد "الناجون من الظلام"، القارئ إلى قلب تجربة الأسر عبر حكاية "أسامة"، المخرج التلفزيوني الشاب من غزة، الذي انتقل من خلف الكاميرا إلى داخل المشهد، فأصبح شاهدا وضحية في آن واحد.
لا يقدم الكتاب، الصادر حديثا عن دار النشر العالمية "لفت وورد بوكس"، سردا تقليديا لمعاناة الاعتقال، بل يعيد بناء التجربة من الداخل، محولا الشهادة الفردية إلى ذاكرة إنسانية وسياسية تكشف ما يعيشه الأسرى خلف القضبان، حيث تتحول الزنازين إلى اختبار قاس للكرامة والهوية والقدرة على البقاء.
شهادة من قلب الأسر
يمزج "الناجون من الظلام" بين الشهادة الحية والسيرة الذاتية والكتابة المشهدية، مستندا إلى تجربة "أسامة" باعتباره صحفيا ومخرجا يمتلك حسا بصريا عاليا؛ لذلك جاءت الحكاية مليئة بالتفاصيل الدقيقة التي تنقل القارئ إلى عالم السجن: لحظات الانتظار، والتحقيق، والعزل، والصمت، والعلاقات بين الأسرى، ومحاولات الحفاظ على الإنسانية وسط القسوة.
يقول عفيفة للجزيرة نت: "يأتي هذا الكتاب في زمن يعاد فيه بناء الوعي العالمي تجاه فلسطين، وتتكشف فيه حقائق ما جرى خلف الأسلاك الشائكة وبين الأنقاض".
كما أن فكرته انطلقت من قناعة بأن "قصص الأسرى لا يجب أن تبقى مجرد إفادات قانونية أو أخبار عابرة، بل يجب نقلها إلى مساحة أوسع تجعل القارئ يقترب من الإنسان خلف الحكاية" يضيف عفيفة مردفا "أردت أن تتحول الشهادة من وثيقة جامدة إلى ذاكرة حية تحمل صوت صاحبها، وتكشف التجربة بكل ما فيها من ألم وصمود".
وتجربة أسامة تحمل خصوصية كبيرة -بحسب عفيفة- فهو ليس أسيرا فقط، بل صحفيا ومخرجا كان يعمل على توثيق حكايات الحرب والناس، قبل أن يجد نفسه داخل الحكاية نفسها. ويشير إلى أن قصته لا تمثل حالة فردية، بل تختصر تجربة آلاف المعتقلين الذين مروا بظروف مشابهة.
الذاكرة في مواجهة النسيان
وعن ولادة الكتاب يقول عفيفة: "أجريت مع أسامة سلسلة طويلة من الجلسات والحوارات. في البداية كان استحضار التفاصيل مؤلما وصعبا، لكن إدراكه لأهمية نقل ما حدث جعله يشارك تجربته كاملة، ومع الوقت أصبح جزءا من عملية بناء الشهادة، لا مجرد ناقل لها".
واستغرق إعداد الكتاب أشهرا من العمل المتواصل، بدءا من جمع الشهادات وتسجيلها وتدقيقها، وصولا إلى إعادة صياغتها في بناء سردي يعتمد على المشهد والصورة، بعيدا عن السرد التقليدي، حيث لم يرد عفيفة كتابة مقابلة طويلة أو سردا زمنيا فقط، "بل بناء مشاهد تجعل القارئ يرى الحدث ويشعر بثقله. كل مشهد في الكتاب يحمل إمكانية أن يكون قصة أو مشهدا بصريا أو جزءا من عمل وثائقي".
ويطرح الكتاب أسئلة تتجاوز تجربة السجن نفسها: كيف يحافظ الإنسان على كرامته حين يسلب منه كل شيء؟ كيف تصبح الذاكرة ملاذا؟ وكيف يتحول التمسك بالهوية إلى وسيلة للبقاء؟
بهذا المعنى، يصبح "الناجون من الظلام" أكثر من كتاب عن الاعتقال، بل شهادة إنسانية تحفظ أصوات الذين عاشوا التجربة، وتواجه النسيان، وتضيف إلى أدب السجون الفلسطيني وثيقة تحمل بعدا أدبيا وحقوقيا عابرا للحدود.
من حدود السجن إلى ذاكرة العالم
وينتمي "الناجون من الظلام" إلى أدب الشهادات والسجون، حيث تتحول الكتابة إلى وسيلة لحفظ الذاكرة ومواجهة محاولات طمس التجارب الإنسانية، كما تبرز أهمية ترجمة الكتاب إلى الإنجليزية في نقل هذه الشهادة إلى جمهور أوسع خارج حدود اللغة والجغرافيا.
ويؤكد مترجم الكتاب إلى الإنجليزية حسام المدهون، أن الترجمة في السياق الفلسطيني لا تقتصر على نقل الكلمات، بل تصبح أداة لكسر العزلة وإيصال التجارب الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون إلى العالم.
ويقول المدهون -للجزيرة نت- إن القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في الفضاء العربي، وإن تفاصيل ما يحدث داخل السجون الإسرائيلية ليست مجهولة للفلسطينيين والعرب، لأنها جزء من واقع يومي تعيشه المنطقة، "لكن أهمية الترجمة تكمن في الوصول إلى القارئ العالمي، ومواجهة الروايات الأحادية التي تختزل الفلسطيني في رقم أو إحصائية، بعيدا عن قصته الإنسانية".
ويضيف "تجربة أسامة في الكتاب لا تقدم مجرد وصف للألم، بل تنقل شهادة حية بصوت صاحبها وتفاصيلها الدقيقة، بعيدا عن التجميل أو الاختزال، لتمنح القارئ فرصة لرؤية الإنسان خلف الخبر".
الصمود حفاظا على الهوية والكرامة
ويرى المدهون أن الكتاب يقدم الصمود بمعناه الأعمق، فالأسر داخل السجون لا يتعلق فقط بالقدرة على تحمل الظروف القاسية، بل يرتبط بمعركة مستمرة للحفاظ على الهوية والكرامة والوعي. ويقول: "أسامة لم يكن يواجه السجن كمكان فقط، بل كمحاولات لكسر إرادته وإنسانيته، لذلك أصبح التمسك بالذاكرة والهوية وسيلة للمقاومة والبقاء".
وفي كثير من السياقات -برأيه- "ينظر إلى السجن باعتباره مكانا يجمع أشخاصا اعتقلوا بسبب أفعال مختلفة، لكن تجربة الأسرى الفلسطينيين تحمل بعدا آخر، حيث تصبح الهوية نفسها جزءا أساسيا من القضية". ويؤكد أن هذه الهوية تتحول إلى مساحة تضامن جماعي بين الأسرى، يتقاسمون فيها الألم والمسؤولية والقدرة على الصمود.
ويختتم المدهون بالقول: إن كتاب "الناجون من الظلام" ليس مجرد كتاب عن المعاناة، بل وثيقة تحفظ أصوات الذين عاشوا التجربة، وتؤكد أن الإنسان قادر على مقاومة النسيان بالكتابة والذاكرة والرغبة في البقاء.
ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يواجه الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية واقعا أكثر قسوة، حيث تحولت الزنازين إلى مساحات تضيق بالحياة وتثقلها العزلة والخوف والانتظار الطويل. ولم يعد الأسر يقتصر على قيود المكان، بل امتد إلى الحرمان من التواصل والخصوصية والاطمئنان على الأهل والعالم خارج الجدران.
التفاصيل مهمة
في هذا الواقع القاسي، تصبح التفاصيل الصغيرة وسائل للبقاء؛ كلمة بين الأسرى، وذكرى من الحياة قبل الاعتقال، أو التمسك بروتين يومي بسيط يحفظ التوازن والهوية. ويصف أسرى محررون هذه المرحلة بأنها تجاوزت مفهوم الاعتقال التقليدي، لتصبح اختبارا للقدرة على الصمود والحفاظ على الكرامة والإرادة.
وتتحدث شهادات أولئك الأسرى وتقارير حقوقية عن تصاعد الانتهاكات داخل السجون بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما يشمل العنف الجسدي والانتهاك الجنسي والمعاملة المهينة والضغوط النفسية والجسدية، إضافة إلى ممارسات تهدف إلى إنهاك الأسرى وكسر قدرتهم على التحمل.
كما وثقت جهات حقوقية حالات وفاة خلال الاحتجاز، وسط مطالبات بالتحقيق في ظروف الاعتقال ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات مثبتة.
ولا تنتهي آثار هذه التجارب عند بوابات السجون، فالناجون يحملون معهم ذاكرة ثقيلة من الألم والخوف، وتتحول شهاداتهم إلى وسيلة لكشف ما يجري خلف الأبواب المغلقة، والدفاع عن حق الإنسان في المعاملة الكريمة حتى في أكثر الظروف قسوة.
التساؤلات المشروعة
وفي السياق، يقول مدير معهد ترايكونتيننتال للبحوث الاجتماعية ومحرر مقدمة كتاب "الناجون من الظلام"، فيجاي براشاد للجزيرة نت: "شعرت بصدمة عميقة أمام حجم المعاناة التي تنقلها صفحات الكتاب. لم تكن القسوة في تفاصيل الاعتقال فقط، بل في حقيقة أن هذه الأحداث نفسها ما كان ينبغي لها أن تحدث من الأساس".
ويضيف "يضع هذا الكتاب القارئ أمام سؤال إنساني كبير: كيف يمكن لإنسان أن يخضع إنسانا آخر لكل هذا القدر من الألم والإذلال؟ وكيف يمكن أن تتحول أماكن يفترض أن تخضع للمعايير الإنسانية إلى مساحات تنتزع فيها الكرامة؟".
لهذا السبب -يواصل براشاد، وهو هندي الجنسية- "لم يكن نشر هذا الكتاب مجرد خيار أدبي، بل ضرورة إنسانية"، داعيا لإيصاله إلى أكبر عدد ممكن من القُرّاء، "لأن مواجهة هذه الروايات تبدأ بالمعرفة، وبالاستماع إلى أصوات من عاشوا التجربة. إنه ليس مجرد كتاب، بل شهادة تحفظ أصوات الذين عاشوا التجربة وتمنحها حضورا أمام العالم".
وما يقدمه الكتاب -بحسبه- يتجاوز قصة فرد واحد، فهو يوثق محاولة تجريد الفلسطيني من صوته وإنسانيته، لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن الفلسطينيين يواصلون الحفاظ على ذاكرتهم ونقل قصصهم.
أنسنة التوثيق وتدويله
من جهته، يؤكد أستاذ القانون الدولي وعميد كلية الحقوق في جامعة الأقصى، وليد مزهر، أن توثيق شهادات الأسرى والناجين يمثل ركنا أساسيا في حفظ الذاكرة وبناء السردية التاريخية والقانونية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال. ويقول للجزيرة نت: إن كتاب "الناجون من الظلام" يقدم نموذجا لتوثيق التجارب الفردية وتحويلها إلى مادة إنسانية وحقوقية تكشف آثار الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون.
ويوضح أن شهادات الناجين تكتسب أهمية كبيرة في القانون الدولي، كونها قد تشكل مصدرا للمعلومات حول طبيعة الانتهاكات، خاصة عندما تتقاطع شهادات متعددة وتتكرر الأنماط والأساليب، ما يحول التجارب الفردية إلى مؤشرات على ممارسات ممنهجة تحتاج إلى التحقيق والمساءلة.
والتوثيق لا يقتصر على الجانب القانوني، يضيف مزهر "بل يلعب دورا في مواجهة محاولات الإنكار وطمس الذاكرة، إذ تمنح الكتابة للضحايا فرصة لاستعادة صوتهم وهويتهم وتحويل الألم الفردي إلى ذاكرة جماعية".
كما أن المؤسسات الحقوقية -وفقه- تضطلع بدور مهم في جمع هذه الشهادات والتحقق منها وتحويلها إلى ملفات قابلة للعرض أمام الجهات القانونية الدولية، بما يساهم في دعم مسار العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
ويخلص الأكاديمي مزهر إلى أن الأعمال التي توثق تجارب الأسرى لا تمثل مجرد روايات عن الألم، بل وثائق تحفظ التاريخ وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية حماية الإنسان وكرامته. فـ"الناجون من الظلام" لا يروي فقط ما حدث خلف الجدران، بل يثبت أن الذاكرة قادرة على مقاومة الغياب، وأن الكتابة يمكن أن تصبح شاهدا على ما حاول الصمت إخفاءه.
وتشير معطيات نادي الأسير الفلسطيني (غير حكومي) حتى بداية يوليو/تموز الجاري، إلى أن الاحتلال يواصل اعتقال أكثر من 9400 أسير في سجونه، بينهم 99 أسيرة وأكثر من 350 طفلا، إضافة إلى 3244 معتقلا إداريا (بتوصية من المخابرات وملف اتهام سري دون تهمة أو محاكمة).
وبلغ عدد المعتقلين الذين يصنفهم الاحتلال تحت مسمى "المقاتلين غير الشرعيين" 1320 معتقلا جميعهم من غزة، في مؤشر على استمرار تصاعد حملات الاعتقال في قطاع غزة بالتزامن مع استمرار جريمة الإبادة الجماعية.

نيسان ـ نشر في 2026-07-19 الساعة 14:54

الكلمات الأكثر بحثاً