اتصل بنا
 

أمجد تادرس يروي تجارب الصحفيين المحليين الذين صنعوا قصص الغرب عن الشرق

نيسان ـ نشر في 2026-07-19 الساعة 14:56

أمجد تادرس يروي تجارب الصحفيين المحليين
نيسان ـ في سرير مستشفى ببغداد، استيقظ رجل نجا للتو من صاروخ أمريكي ليجد صدام حسين واقفا عند رأسه، ينحني ويطبع قبلة على خده. لم يكن الناجي جنرالا ولا وزيرا ولا ضيفا رفيعا من ضيوف النظام؛ كان صحفيا أردنيا يعمل في الظل لحساب شبكة أمريكية، جاء يغطي الحرب فكاد يصير من ضحاياها.
المشهد واحد من حكايات كثيرة يرويها أمجد تادرس في مذكراته "الفيكسر" (The Fixer) الصادرة بالإنجليزية مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2025، والتي يفتح فيها المنتج السابق لشبكة "سي بي إس نيوز" الأمريكية في الشرق الأوسط دفاتر ثلاثة عقود ونيف أمضاها خلف الكاميرا، يصنع القصص التي يظهر بها غيره على الشاشة، من حروب العراق إلى الربيع العربي، ومن خلفيات منفذي هجمات 11 سبتمبر/أيلول إلى الهجمات الكيميائية على المدنيين في سوريا.
مهنة الظل
كلمة "فيكسر" التي اختارها تادرس عنوانا لمذكراته تسمي مهنة بلا مجد ظاهر؛ فالفيكسر (المنسق المحلي الذي يمهد للمراسل الأجنبي طريقه في بلد لا يعرفه) هو من يدبر التصاريح ويفتح الأبواب المغلقة ويرتب المقابلات الصعبة، ويقرأ الخريطة الأمنية قبل الجغرافية، ويترجم الثقافة قبل أن يترجم اللغة. وهي مهنة غالبا لا يتصدر صاحبها الشاشة ووجهه لا يظهر في الكادر، لكن التقرير الذي يخطف الجوائز ما كان ليوجد لولاه.
من هذه الزاوية تكتسب المذكرات قيمتها؛ فالرجل الذي أمضى عمره يضع الآخرين في الضوء يقف فيه الآن بنفسه، والصوت الذي ظل يهمس في آذان أشهر مراسلي أمريكا يتحدث أخيرا بضمير المتكلم. وقد لخص بيل أوينز، المنتج التنفيذي السابق لبرنامج "60 دقيقة" الشهير، المفارقة في تقديمه للكتاب حين ذكر أن تادرس اختار لنفسه لقب "الفيكسر" بينما كان الجميع في البرنامج يعرفونه ببساطة بوصفه "الأفضل".
من الهندسة إلى الحرب
لم تكن الصحافة خطة تادرس الأولى. وُلد في الأردن لعائلة لاجئة فلسطينية، ودرس الهندسة الميكانيكية في "إمبريال كوليدج" بلندن وتخرج فيها بمرتبة الشرف، قبل أن تقذفه المصادفة، كما يروي الناشر، إلى عالم الأخبار عام 1990، عشية حرب الخليج الثانية.
ومنذ ذلك العام حتى 2023 ظل الرجل عين "سي بي إس" على المنطقة ومنتجها الإقليمي، يدير تغطية التحولات الكبرى واحدة تلو الأخرى، ويقتنص في الطريق 4 جوائز "إيمي" (أرفع جوائز التلفزيون الأمريكي) عن قصص منها تغطية هجمات الغاز الكيميائي في سوريا و"الخوذ البيضاء"، إلى جانب جائزة "بيبودي" العريقة وجائزتي "ألفريد دوبونت" من كلية الصحافة بجامعة كولومبيا.
وفي عام 2013، ومع انزلاق سوريا إلى حربها الطويلة، شارك تادرس في تأسيس مؤسسة إعلامية مستقلة التي تدرب شبانا سوريين على تقديم صحافة محايدة عن بلادهم بالعربية والإنجليزية، وصارت تقاريرها مرجعا تستند إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا، ونالت جوائز دولية منها جائزة "ماكنلتي" عام 2017.
بين عالمين
يقدم الناشر الكتاب سيرة لرجل عاش معلقا بين ضفتين متباعدتين؛ فبعض العرب رأوا في عمله لشبكة أمريكية شبهة تجسس، وبعض الغربيين رأوا في دفاعه عن سياقات المنطقة تبريرا للطغاة.
أما تادرس نفسه فيختصر عقيدته المهنية بأن الصحافة إبراز لقصص الذين يعانون في إقليم يغرق في الفوضى، وأن مهمته كانت انتزاع الحقيقة من بين أنياب الأمر الواقع. وفي لقاء استضافته مؤسسة عبد الحميد شومان في عمّان، قال تادرس إن تغطية الحروب تحتاج إلى "التجرد من التوجهات والآراء الشخصية"، وإن على الإعلام مسؤولية مجتمعية في توعية الجمهور.
هذه المنطقة الرمادية التي عاش فيها الكاتب هي ما التقطه المحتفون بالكتاب. فالإعلامي الأمريكي المخضرم دان راذر، مذيع نشرة "سي بي إس" المسائية طوال ربع قرن، وصف المذكرات بأنها "رائعة"، ورأى فيها قصصا من الكواليس تضيء الأحداث العالمية برؤى طازجة.
ومن الضفة العربية، كتب وزير خارجية الأردن الأسبق مروان المعشر (نائب رئيس مؤسسة كارنيغي للسلام) أن الكتاب قراءة لازمة لمن يبحث عن فهم أعمق مما يطفو على السطح لأحداث المنطقة وشخوصها. أما كلاريسا وارد، كبيرة المراسلين الدوليين في شبكة "سي إن إن"، فرأت في المذكرات نسيجا يجمع اللحظات التي صنعت العناوين بالمناورات الخفية التي جعلت تلك السبق الصحفية ممكنة.
ولعل أطرف ما في قائمة المادحين شهادة الصحفي الفلسطيني داود كتّاب، الذي ذكر أن الكتاب يحفر عميقا في قصص المنطقة مثل التحقيق في قضية طيار أمريكي مفقود في العراق، مرورا بفصول عن كواليس الإعلام العربي لا عن الحروب وحدها.
يسوق الناشر الكتاب بوصفه أكثر من مذكرات، درسا في أخلاقيات المهنة زمن يكون فيه أول قتلى الحروب هو الحقيقة، ومادة تصلح لطلبة الصحافة والعلوم السياسية تفتح أسئلة من نوع "من يملك حق رواية قصة هذه المنطقة؟" و"كيف تصوغ السياسة والانطباعات المسبقة ما نحسبه حقيقة؟". وهي أسئلة تتجاوز صاحبها إلى جيل كامل من الصحفيين المحليين الذين حملوا على أكتافهم صحافة الغرب عن الشرق، ثم غابوا عن سطورها.
المصدر: الجزيرة

نيسان ـ نشر في 2026-07-19 الساعة 14:56

الكلمات الأكثر بحثاً