على الله تعود.. ياهذا!
نيسان ـ نشر في 2026-07-20 الساعة 19:01
نيسان ـ مطلع شهر كانون الأول من عام 2015، كنا وبعض صديقات وجارات نتعلل بناصية لليلة باردة. التلفزيون في حالة كتم صوت دائم، أخطف نظرة من فترة لأخرى ، الصورة كافية، على أساس "المكتوب مبين من عنوانه"-إلا إن حدث جلل- لا أدري وقتها مَن قلب عن الأخبار إلى محطة تبث برنامجا غنائيا ترفيهيا، سمعت عنه كثيرا، ولكن كانت تلك أول مرة أشاهده، "عرب أيدل". ظهرت فرقة لصغار من غزة، ورحنا نستمع لرحلتهم الشاقة من قلب القطاع مرورا بمصر و ومعاناة السفر، حتى وصلوا بيروت للمشاركة في المسابقة الواسعة، فرقة التخت الشرقي، بينهم طفل كان متوشحا بالشماغ الفلسطيني، قد يكون أصغرهم، ما زالت ملامحُه لا تغادرني، أرى فيها كل ملامح المذبوحين هناك. هل كبروا وطالت قاماتهم؟ هل خرجوا من تحت الركام؟ أترى أحدهم مر ملثما في شريط صور ، أو كان صاحب الدم الذي ينزُّ من وراء الكفن؟
اشتدت العاصفة عندما بدأ الأطفال غناء رائعة وديع الصافي "على الله تعود".. يا الله، ما هذا الاختيار الموائم، مع كل هذا الشجن والتعب والغربة والضياع ونحن وهم... توقفت إشارة البث... هذا وقت الستالايت؟ "برد قرد.. ثلج.. اللي هو". لا سبيل إلا محاولة الصعود إلى السطح ومحاولة إعادة ضبط اللاقط أو فعل ما يمكن لإعادة الإشارة لمعرفة نتيجة مشاركة الفرقة، ويجب فوزها بالباز الذهبي، وإلا سنلعن سنسفيل الفن والغناء وسنحقد على لجنة التحكيم إلى يوم القيامة، حتى وإن لم يعزفوا نوتة ولم يغنوا" كوبلية" واحد...
ظلت هدى في الغرفة تراقب عودة الإشارة، تتواصل معنا بالهاتف: أيون، أجت.. راحت.. رجّعوا شوي زي أول... المطر زخَّ.. تبللت وصارت يدي كالبوز.. عمتي" السبعينية" تحوس من حولي، ما الداعي لكي تتبعنا إلى السطح، بكامل لبسها التقليدي، تخشى أن يراها رجل غريب.. لا يصح أن تظهر بدون "معصِّب رأسها" حتى في الليل والمطر وعلى سطح البيت... على فكرة، "معاصب النساء، وخاصة في التصميم ومن حيث الأبهة، أشبه ما تكون بالتاج الذي كانت تضعه الملكة زنوبيا على رأسها، محتمل أن ذلك تقليدٌ لها بين نساء بادية بلاد الشام". قالت: "لفِّي الصحن" قطيمة"صوب لبنان... مو "العجيان" يغنّون بلبنان هسع؟!".. عمتي هذه لا علاقة لها بالسياسة ولا تعرف ما الفرق بين قومية وامبريالية ووطنية، ولا ما هو التخت الشرقي ولا الجاز الغربي.. لكنها خبيرة بالزيتون وطعم الزيت الأجود، ومعالجة الصبيان وقطع "الطنطاف" وبعج البطن... على باب الله، تحركها الفطرة في كل مواقفها مما تسمع وترى.
عاد البث وكانت اللحظات الأخيرة، وفازت فرقة غزة بالباز الذهبي، وسالت دموع الطفل الذي كان يعزف على آلة القانون... ودموعنا أيضا تخالطها الابتسامات... قالت عمتي: "الحمد لله اللي جبر خاطرهم وخاطرنا". قد يكون هذا هو فعلًا جبر الخاطر، ولمسة هناك تجبر غصة هنا... وذلك وإن كان بصورة ليست بعيدة، ما حدث البارحة عندما فازت إسبانيا بكأس العالم. متى تبدأ المباراة؟ أنا ومن أعرف أنهم لم يتابعوا سوى مشاركات العرب الأولية.
حلت أم أسامة محل عمتي هذه المرة. لا أدري ما طبيعة الخلل التقني الذي حدث لتلفزيون جيراننا فانقطع الإرسال... صرنا "نتلقّط" ما يُكتب على فيسبوك... لا جديد حتى اللحظة.. كلها منشورات ما قبل المباراة.. وقفنا في البلكونة، نخمن لمن رجحت كفة الملعب من خلال ردات فعل زبائن مطعم نصب شاشة عرض كبيرة في ساحته... لا صوت.. قالت مرام: "لغوا هدف لإسبانيا... تأكدي يا بنت، معقول.. مؤامرة.. كله سياسية.. لا لا لسه تعادل سلبي"... سألت أم أسامة: "شو يعني سلبي؟!".. يعني صفر صفر.. في أمل... هتفت غدير: "يسعد الله.. هدف لإسبانيا... قولي والله..." .. قديش ظل؟ خمس دقايق... خلصت.. صفَّر الحكم.. فازت.. والله فازت.. أقلع يا ولاد الكلب.
نعم.. فرحنا وكأن طفلًا غزيًّا سيرفع الكأس فوق ركام مدرسته.
فوز بطعم جبر الخاطر بالنسبة لنا: حضرت فيه كل مواقف إسبانيا الرسمية والشعبية من حرب الإبادة على غزة، لم تكن مواقف استعراضية عابرة للشجب والاستنكار، بل ذهب الإسبان أقصى المستطاع، بالباع والذراع، َ، وفعلت حكومتهم ما عجزت عنه دولٌ لطالما ادَّعت العدل والحق، بل وأحرجت أولياء الدم كلهم.. من قدر ومن لم يقدر.. أما "الجنس الثالث" ممن تماهى مع العدو.. فلا مئة مخرز يكسر عينه... مبروك جبر الخاطر لغزة التي ما زالت تُذبح وتُركل على وقع تصفيق وصفير جماهير الطوائف... كانت البارحة شِبْوة "الماتادور" الإسباني في قمتها، وهو يصرع راعي ثيران الكاوبوي قبل أن يصرع مالك المزرعة ذاته... وتدندت في بلادنا كل "البيزان" مهيضة الأجنحة، منتوفة الريش... "على الله تعود".. في أيِّ جبر خاطر.... يا هذا... !!
اشتدت العاصفة عندما بدأ الأطفال غناء رائعة وديع الصافي "على الله تعود".. يا الله، ما هذا الاختيار الموائم، مع كل هذا الشجن والتعب والغربة والضياع ونحن وهم... توقفت إشارة البث... هذا وقت الستالايت؟ "برد قرد.. ثلج.. اللي هو". لا سبيل إلا محاولة الصعود إلى السطح ومحاولة إعادة ضبط اللاقط أو فعل ما يمكن لإعادة الإشارة لمعرفة نتيجة مشاركة الفرقة، ويجب فوزها بالباز الذهبي، وإلا سنلعن سنسفيل الفن والغناء وسنحقد على لجنة التحكيم إلى يوم القيامة، حتى وإن لم يعزفوا نوتة ولم يغنوا" كوبلية" واحد...
ظلت هدى في الغرفة تراقب عودة الإشارة، تتواصل معنا بالهاتف: أيون، أجت.. راحت.. رجّعوا شوي زي أول... المطر زخَّ.. تبللت وصارت يدي كالبوز.. عمتي" السبعينية" تحوس من حولي، ما الداعي لكي تتبعنا إلى السطح، بكامل لبسها التقليدي، تخشى أن يراها رجل غريب.. لا يصح أن تظهر بدون "معصِّب رأسها" حتى في الليل والمطر وعلى سطح البيت... على فكرة، "معاصب النساء، وخاصة في التصميم ومن حيث الأبهة، أشبه ما تكون بالتاج الذي كانت تضعه الملكة زنوبيا على رأسها، محتمل أن ذلك تقليدٌ لها بين نساء بادية بلاد الشام". قالت: "لفِّي الصحن" قطيمة"صوب لبنان... مو "العجيان" يغنّون بلبنان هسع؟!".. عمتي هذه لا علاقة لها بالسياسة ولا تعرف ما الفرق بين قومية وامبريالية ووطنية، ولا ما هو التخت الشرقي ولا الجاز الغربي.. لكنها خبيرة بالزيتون وطعم الزيت الأجود، ومعالجة الصبيان وقطع "الطنطاف" وبعج البطن... على باب الله، تحركها الفطرة في كل مواقفها مما تسمع وترى.
عاد البث وكانت اللحظات الأخيرة، وفازت فرقة غزة بالباز الذهبي، وسالت دموع الطفل الذي كان يعزف على آلة القانون... ودموعنا أيضا تخالطها الابتسامات... قالت عمتي: "الحمد لله اللي جبر خاطرهم وخاطرنا". قد يكون هذا هو فعلًا جبر الخاطر، ولمسة هناك تجبر غصة هنا... وذلك وإن كان بصورة ليست بعيدة، ما حدث البارحة عندما فازت إسبانيا بكأس العالم. متى تبدأ المباراة؟ أنا ومن أعرف أنهم لم يتابعوا سوى مشاركات العرب الأولية.
حلت أم أسامة محل عمتي هذه المرة. لا أدري ما طبيعة الخلل التقني الذي حدث لتلفزيون جيراننا فانقطع الإرسال... صرنا "نتلقّط" ما يُكتب على فيسبوك... لا جديد حتى اللحظة.. كلها منشورات ما قبل المباراة.. وقفنا في البلكونة، نخمن لمن رجحت كفة الملعب من خلال ردات فعل زبائن مطعم نصب شاشة عرض كبيرة في ساحته... لا صوت.. قالت مرام: "لغوا هدف لإسبانيا... تأكدي يا بنت، معقول.. مؤامرة.. كله سياسية.. لا لا لسه تعادل سلبي"... سألت أم أسامة: "شو يعني سلبي؟!".. يعني صفر صفر.. في أمل... هتفت غدير: "يسعد الله.. هدف لإسبانيا... قولي والله..." .. قديش ظل؟ خمس دقايق... خلصت.. صفَّر الحكم.. فازت.. والله فازت.. أقلع يا ولاد الكلب.
نعم.. فرحنا وكأن طفلًا غزيًّا سيرفع الكأس فوق ركام مدرسته.
فوز بطعم جبر الخاطر بالنسبة لنا: حضرت فيه كل مواقف إسبانيا الرسمية والشعبية من حرب الإبادة على غزة، لم تكن مواقف استعراضية عابرة للشجب والاستنكار، بل ذهب الإسبان أقصى المستطاع، بالباع والذراع، َ، وفعلت حكومتهم ما عجزت عنه دولٌ لطالما ادَّعت العدل والحق، بل وأحرجت أولياء الدم كلهم.. من قدر ومن لم يقدر.. أما "الجنس الثالث" ممن تماهى مع العدو.. فلا مئة مخرز يكسر عينه... مبروك جبر الخاطر لغزة التي ما زالت تُذبح وتُركل على وقع تصفيق وصفير جماهير الطوائف... كانت البارحة شِبْوة "الماتادور" الإسباني في قمتها، وهو يصرع راعي ثيران الكاوبوي قبل أن يصرع مالك المزرعة ذاته... وتدندت في بلادنا كل "البيزان" مهيضة الأجنحة، منتوفة الريش... "على الله تعود".. في أيِّ جبر خاطر.... يا هذا... !!
نيسان ـ نشر في 2026-07-20 الساعة 19:01
رأي: ميسر السردية


