اتصل بنا
 

ما بعد نتنياهو.. وجوه جديدة والسياسات نفسها

نيسان ـ نشر في 2026-07-21 الساعة 10:30

نيسان ـ سأدير الأمور بطريقة مختلفة جذريًا، عبر حروب أسرع بكثير وأشد كثافة، لكنني سأنجزها حتى النهاية - نفتالي بينيت.
قبيل السابع من أكتوبر 2023، كانت حكومة مجرم الحرب نتن ياهو تواجه أخطر أزمة داخلية منذ تشكيلها في العام السابق، بسبب خطتها لإضعاف السلطة القضائية. فقد شهد الكيان مظاهرات أسبوعية حاشدة، وإضرابات واسعة، واحتجاجات في صفوف جنود الاحتياط، وانقسامًا امتد إلى داخل المؤسسة العسكرية. وطالب وزير الدفاع آنذاك، يوآف غالانت، بوقف الخطة، محذرًا من خطرها المباشر على الأمن. وحين حاول نتن ياهو إقالته في آذار، اندلعت احتجاجات أجبرته على تعليق التشريعات مؤقتًا.
ومع ذلك، ظل ائتلاف نتن ياهو، الذي كان يملك 64 مقعدًا من أصل 120، متماسكًا. ثم جاء «طوفان الأقصى» ليمنح حكومته شريان حياة، بعدما كانت تقارير كثيرة تتوقع ألا تكمل عامها الأول. فقد وجد اليمين المتطرف في الحرب ورقة الضغط التي يحتاجها؛ فكلما تمتمت واشنطن بعبارة «وقف إطلاق النار»، أو اقترحت عاصمة أوروبية صفقة لتبادل الأسرى، سارعت أحزابه إلى التهديد بالانسحاب من الحكومة.
وهكذا، أطالت الحرب والإبادة عمر حكومة نتن ياهو، وأوصلتها إلى أول انتخابات تُجرى بعد إتمام الكنيست ولايته كاملة منذ عام 1988، لتصبح حكومته أول حكومة صهيونية تُكمل مدتها منذ عام 1973. ولم يكن استمرار الحروب منفصلًا عن مصلحة نتن ياهو الشخصية؛ فهو يدرك أن صمت المدافع قد يعني عودته إلى المحاكمة بتهم الفساد، وفتح تحقيق في إخفاقه في منع أحداث أكتوبر.
وتتحمل واشنطن، بدورها، مسؤولية استمرار حكومته، بعدما أمدّتها بالسلاح والمال، ووفّرت لها الحصانة الدولية. فلو مارست ضغطًا حقيقيًا عليه، لكان من الممكن أن ينهار ائتلافه وتُجرى انتخابات مبكرة.
واليوم، ترسم استطلاعات الرأي في فلسطين المحتلة ملامح مستقبل نتن ياهو؛ إذ تمنح ائتلافه ما بين 50 و53 مقعدًا، أي أقل بثمانية مقاعد على الأقل من عتبة الأغلبية البالغة 61 مقعدًا، وهي الحد الأدنى اللازم لتشكيل الحكومة.
ويبرز حزب «يَشَر»، الذي أسسه غادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الصهيوني الأسبق، بوصفه أحد أبرز منافسي نتن ياهو. وقد دخل الحزب السباق بهدف معلن هو هزيمته، فيما تشير الاستطلاعات إلى اقترابه من حزب الليكود. ويأتي إلى جانبه بينيت ولابيد، رئيسا الوزراء السابقان، اللذان تجاوزا خصومتهما واندمجا في حزب يحمل اسم «الوحدة»، تحت الشعار السياسي نفسه: إسقاط نتن ياهو.
قد توحي هذه الصورة بأن الكيان مقبل على حكومة أقل تطرفًا، غير أن المعركة الانتخابية لا تدور بين السلام والحرب، بل بين رؤى مختلفة لكيفية إدارة الحرب. فبينيت ولابيد وآيزنكوت متفقون على القضايا الكبرى: الحفاظ على التفوق العسكري، ومنع قيام دولة فلسطينية، واستخدام القوة لإدارة المنطقة.
وهم لا ينتقدون الحروب في ذاتها، بل ينتقدون نتن ياهو؛ لأنه، في نظرهم، يخوضها بكفاءة ضعيفة، ولم يسحق حماس بالسرعة الكافية، وسمح للاقتصاد بالركود. بل إن بعض الناخبين في الشمال يرونه متساهلًا أكثر مما ينبغي مع حزب الله. وأيًّا يكن من سيخلفه، فسيواجه الضغوط نفسها: كن أكثر تشددًا، واضرب بقوة أكبر، ولا تُبدِ أي تردد.
لذلك، قد تعدّل الحكومة المقبلة بعض التفاصيل؛ فربما تقلّص خطط إضعاف القضاء، أو تستخدم لهجة مختلفة مع الحلفاء. أما الأساسيات، فستبقى على حالها: البطش والإجرام نفسيهما، والرفض ذاته لأي تفاوض جاد، والاتكال المستمر على قرارات النقض الأميركية، وعلى ما توفره واشنطن من سلاح وأموال.
لا شك في أن للإدارة الأميركية واللوبيات الصهيونية دورًا في الانتخابات المقبلة. فإذا دعمت نتن ياهو، فسيعني ذلك رضاها عن سياساته ورغبتها في استمراره. أما إذا حجبت عنه الدعم وتوصلت إلى تفاهمات مع المعارضة، فقد نرى حكومة أقل تطرفًا في خطابها فقط، بينما تبقى السياسات على حالها. فقد بلغ الكيان حدًّا غدت معه كلمة «الاعتدال» نفسها تهمة وشتيمة.
وسيأتي السابع والعشرون من تشرين الأول، وتُفرز الأصوات، وربما يتشكل ائتلاف جديد. لكن بالنسبة إلى أهل غزة وشعوب المنطقة، ستبقى الحقيقة واحدة: قد تتغير الوجوه، أما السياسات فلن تتغير.

نيسان ـ نشر في 2026-07-21 الساعة 10:30


رأي: اسماعيل الشريف

الكلمات الأكثر بحثاً