اتصل بنا
 

مشروع قانون الملكية العقارية

مؤسس ورئيس مجلس الإدارة لشركة "Panorama Consulting Engineers" منذ عام 2006. كما عمل محاضراً غير متفرغ في كلية الهندسة والتكنولوجيا في " الجامعة الأردنية " بين عامي 2006 و2007، إضافة إلى أنه كان ناشراً ورئيساً للتحرير في "مجلة أبعاد الهندسية". كان عضواً في "مجلس النواب الأردني" بين 2013 و2016 ورئيسا للجنة النقل والخدمات النيابية فيه، وعمل أيضاً في "أمانة عمّان الكبرى" حيث كان عضواً منتخباً في مجلسها لمدة 8 سنوات، ثم انتخب نائباً لأمين عمان لمدة 6 سنوات.

* حين يلتقي الإصلاح بحدود الدستور.. الإطار الدستوري في ميزان التطبيق

نيسان ـ نشر في 2026-07-21 الساعة 12:36

نيسان ـ في الثاني عشر من تموز الجاري، دعا جلالة الملك عبد الله الثاني مجلس الأمة إلى دورة استثنائية لبحث عدد من مشروعات القوانين، من أبرزها مشروع القانون المعدّل لقانون الملكية العقارية لسنة 2026، بعد أن أقرّه مجلس الوزراء وأحاله إلى مجلس النواب.
والمشروع، وفق ما تعلنه الحكومة، يستهدف تطوير خدمات دائرة الأراضي والمساحة، واستكمال التحول الرقمي، وبناء قاعدة بيانات متقدمة للسوق العقاري، وقبل ذلك كله معالجة ملفات إزالة الشيوع، وهي الملفات التي بقي كثير منها معلقًا سنوات، وتحوّلت في كثير من الحالات إلى نزاعات ممتدة بين ورثة أو شركاء في ملكية واحدة، تنتظر البتّ فيها لتحرير عقاراتها ودخولها الدورة الاقتصادية.
هذه الأهداف، في ذاتها، لا تثير خلافًا، فهي تعكس حاجة حقيقية عاشها كثير من المواطنين ممن طال انتظارهم لحلّ ملفات ميراث أو شراكة عقارية.
غير أن الدولة الدستورية لا تكتفي بسلامة الغايات، بل تُخضع الوسائل ذاتها لميزان الدستور. فالسؤال ليس: هل نحتاج إلى الإصلاح؟ بل: هل تظل أدوات هذا الإصلاح، وهي تنتقل من مجلس الوزراء إلى قبة البرلمان، منسجمة مع الضمانات الدستورية التي تحمي الحقوق والحريات؟
ومن هنا تبدأ القراءة الدستورية.
الدستور… الحد الفاصل بين التنظيم والانتقاص
أحاط الدستور الأردني حق الملكية بضمانات واضحة، فنصت المادة (11) على أنه لا يجوز استملاك ملك أحد إلا للمنفعة العامة وفي مقابل تعويض عادل وفقًا للقانون، بما يؤكد أن الملكية ليست مجرد حق مالي، وإنما حق دستوري لا يجوز المساس به إلا في الحدود التي رسمها الدستور.
وترتبط حماية الملكية ارتباطًا وثيقًا بحماية حق التقاضي، إذ أكدت المادتان (27) و(97) استقلال السلطة القضائية، ضمانًا لخضوع القرارات التي تمس الحقوق والمراكز القانونية لرقابة القضاء.
ثم جاء التعديل الدستوري لعام 2011 ليكرس قاعدة جوهرية في المادة (128/1)، مؤداها أن القوانين التي تنظم الحقوق والحريات لا يجوز أن تمس جوهر هذه الحقوق أو أساسياتها. وهذه القاعدة هي التي تميز بين التنظيم المشروع والانتقاص غير المشروع.
وانطلاقًا من هذا الإطار، استقر الفقه الدستوري على أن سلطة المشرّع في تنظيم الحقوق ليست سلطة مطلقة، وإنما تقف عند الحد الذي لا يمس جوهر الحق ولا يعطل ممارسته.
ومن ثم يبقى السؤال الجوهري، وهو ينظر في نصوص المشروع المعروض حاليًا على النواب: هل ينظم التشريع الحق، أم ينتقص من جوهره؟
إزالة الشيوع… حكاية آلاف الملفات المعلّقة
لعل أكثر ما يجسّد أهمية هذا الملف أن أي متابع لحركة المحاكم والدوائر العقارية يعرف نموذج الأسرة التي تملك عقارًا مشتركًا بين عدة ورثة، ويتعطل بيعه أو استثماره لسنوات لعدم اتفاقهم، أو لبطء الإجراءات القضائية والإدارية اللازمة لإزالة الشيوع عنه.
هذا النموذج، المتكرر في آلاف الملفات على مستوى المملكة، هو ما يفسر إجماع الحكومة والنواب على أن معالجة إزالة الشيوع لم تعد تحتمل التأجيل.
ولا خلاف على أن تسريع هذه الإجراءات يخدم الاقتصاد الوطني ويعيد آلاف العقارات إلى الدورة الاقتصادية، لكن العدالة، بالنسبة لهذا الوارث أو ذاك الشريك، لا تُقاس بسرعة القرار وحدها، بل بسلامة الإجراءات التي تسبقه، وبقاء بابه مفتوحًا للاعتراض إن شعر أن حصته لم تُقدَّر بعدل.
ومن ثم يظل المعيار الدستوري هو ألا يؤدي تسريع الإجراءات أو إعادة تنظيمها إلى الانتقاص من حقوق الدفاع أو الاعتراض أو الطعن، وأن تبقى الرقابة القضائية قائمة بفاعليتها، بما يحفظ حقوق جميع الشركاء.
فالاختصار المطلوب هو اختصار الإجراءات، لا اختصار الضمانات.
وكلما اتسعت صلاحيات الجهة الإدارية في إدارة إجراءات إزالة الشيوع، ازدادت الحاجة إلى ضمانات قضائية وإجرائية راسخة تكفل مراجعة القرارات، وتمكن أصحاب الحقوق من إبداء دفوعهم وممارسة حقهم في الاعتراض والطعن وفقًا للقانون.
التحول الرقمي… بين الكفاءة والأمن القانوني
يتجه المشروع إلى استكمال التحول الرقمي، وتطوير قاعدة بيانات للسوق العقاري، وإصدار مؤشرات تدعم التخطيط وصنع القرار، وهو توجه محمود ما دام يحقق الكفاءة الإدارية ويحسن جودة الخدمات العامة، فيختصر على المواطن رحلة الانتقال بين الدوائر لإنجاز معاملة كان يستغرق إنجازها أيامًا في الماضي.
غير أن الأمر يختلف إذا أصبحت تلك البيانات أساسًا لقرارات تترتب عليها آثار قانونية أو مالية، كاحتساب الرسوم أو اعتماد قيم مرجعية للعقارات.
ففي هذه الحالة تصبح الشفافية، ووضوح المنهجية، وإمكان مراجعة تلك القرارات والطعن فيها وفقًا للقانون، ضمانات لا غنى عنها.
فالتحول الرقمي يطور وسائل الإدارة، لكنه لا يغير طبيعة الحقوق الدستورية ولا ينتقص من الضمانات المقررة لحمايتها.
ومن هنا تبرز أهمية الأمن القانوني، القائم على وضوح القواعد وإمكان توقع آثارها. فالمواطن والمستثمر لا يبحثان عن سرعة الإجراءات وحدها، بل عن نظام قانوني مستقر يمكن الركون إليه.
الاستثمار… في ميزان الدستور
الاستثمار المستدام لا يقوم على سرعة الإجراءات وحدها، وإنما على عدالة القواعد القانونية واستقرارها.
لذلك فإن نجاح أي إصلاح تشريعي لا يُقاس بقدرته على تسريع المعاملات فحسب، بل بقدرته على ترسيخ اليقين القانوني وتحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وصون الحقوق الدستورية.
ومن هذا المنطلق، يظل مبدأ التناسب أحد أهم المعايير الدستورية التي تحكم التنظيم التشريعي؛ فكل قيد يفرضه القانون ينبغي أن يكون ضروريًا لتحقيق غاية مشروعة، وألا يتجاوز ما تقتضيه المصلحة العامة، مع المحافظة على توازن عادل بين مقتضيات التنمية الاقتصادية والحقوق الفردية.
فالجاذبية الاستثمارية تنشأ من استقرار التشريع بقدر ما تنشأ من كفاءة الإدارة، ولن يُقاس نجاح المشروع، وهو الآن على طاولة مجلس النواب، بعدد المعاملات المنجزة، بل بقدرته على توفير بيئة قانونية واضحة يطمئن إليها المواطن والمستثمر معًا.
إصلاح يعزز الثقة
لا تنطلق هذه القراءة من افتراض وجود مخالفة دستورية في مشروع القانون، ولا تستبق ما قد تنتهي إليه المحكمة الدستورية إذا طُعن بالقانون بعد صدوره، وإنما تستند إلى مبدأ دستوري راسخ مؤداه أن التشريعات التي تمس الحقوق الأساسية تستوجب أعلى درجات التدقيق، وأن جودة التشريع تقاس بقدرته على الجمع بين الكفاءة والضمانة.
فكلما اتسعت صلاحيات الإدارة، ازدادت الحاجة إلى رقابة قضائية فعالة وضمانات إجرائية راسخة، لأن سيادة القانون تقوم على التوازن بين السلطة والحق، لا على تغليب أحدهما على الآخر.
وفي النهاية، يبقى الدستور المرجعية العليا التي تهدي عملية الإصلاح التشريعي، وهي الآن أمانة في يد مجلس النواب خلال هذه الدورة الاستثنائية.
فالتنمية لا تتحقق على حساب الحقوق، كما أن حماية الحقوق ليست عبئًا على التنمية، بل هي أحد أهم مقوماتها، لأنها تمنحها الشرعية والاستقرار والاستدامة.
فالدستور لا يقف في مواجهة الإصلاح، وإنما يضمن أن يبقى الإصلاح في خدمة الإنسان والحق ودولة القانون.

نيسان ـ نشر في 2026-07-21 الساعة 12:36


رأي: المهندس عامر البشير مؤسس ورئيس مجلس الإدارة لشركة "Panorama Consulting Engineers" منذ عام 2006. كما عمل محاضراً غير متفرغ في كلية الهندسة والتكنولوجيا في " الجامعة الأردنية " بين عامي 2006 و2007، إضافة إلى أنه كان ناشراً ورئيساً للتحرير في "مجلة أبعاد الهندسية". كان عضواً في "مجلس النواب الأردني" بين 2013 و2016 ورئيسا للجنة النقل والخدمات النيابية فيه، وعمل أيضاً في "أمانة عمّان الكبرى" حيث كان عضواً منتخباً في مجلسها لمدة 8 سنوات، ثم انتخب نائباً لأمين عمان لمدة 6 سنوات.

الكلمات الأكثر بحثاً