اتصل بنا
 

عندما يحكي الرُّكام

نيسان ـ عبد المجيد زراقط ـ نشر في 2026-07-21 الساعة 13:39

عندما يحكي الركام
نيسان ـ بقلم: عبد المجيد زراقط
القنبلة اليدويَّة في كفِّي اليسرى، وفي يدي اليمنى قضيب حديد صغير، أنبشُ به كومة الرُّكام الماثلة أمامي.
هذه كومة ُركام منزلي، الذي ورثته عن أبي، ورمَّمته مرَّاتٍ كثيرة، لكنَّ طائرات الأعداء المحتلِّين، الصهاينة، الحربيَّة قصفته، هذه المرَّة، وجعلته ركاماً. الكُوَم تحيط بي من كلِّ جانب. حيُّنا صارت بيوته جميعها كُوَماَ.
الطائرات الحربيَّة داشرة في السماء، مثل كائنات خرافيَّة هائجة، تقصف البشر والحجر… ألتفتُ، أنا وحدي، أجلس أمام ركام بيتي الذي غادرته منذ ساعات… كفِّي اليسرى التي كانت ترتجف، منذ سنوات، تحتضن هذه القنبلة اليدويَّة، بثبات. القنبلة، في كفِّي، منذ ساعات، ألفتها، ووعدتها بأن أجيد استخدامها. أعطاني إيّاها ابني محمد، صباح هذا اليوم، عندما سمعني أقول:
– لا، يا ابنتي، يا أسماء، أنا أخرج من المنزل، أبحث عن ماء وخبز للأحبَّة العطاشى الجائعين.. كنت أعرف أنَّه من الصَّعب أن أفي بوعدي، فالعدوُّ الصهيونيُّ يواصل حصاره لنا؛ وهو، الاَن، يتشدَّد في حصاره، ولكن لا بدَّ من المحاولة.
علَّمني ابني محمد، بسرعة، كيف أستخدمها، وقال لي بعد ذلك:
– أقذفهم بها، يا أبي، من وراء حاجز. أنا خارج، لدينا الاَن مهمَّة عاجلة.
خرجنا معاً، هرول هو، في الزقاق الضيِّق الملتوي، ليلتحق برفاقه المقاومين، ومشيت أنا، في الطريق العام. أمس، صباحاً، تناولنا اَخر كِسَر خبزٍ يابسة، وأمس، مساءً، بلَّلنا شفاهنا باَخر رشفات الماء، ولم يبق عندنا منه قطرة واحدة. واليوم، عند الظهر، تعلَّق بي حفيداي، إبراهيم وسميَّة بأيدٍ نحيلة. حضنتهما، وقبَّلتهما. جلسنا على الصوفا العتيقة، قرب النافذة. مسحت العرق عن وجه كلٍّ منهما النحيل والشاحب، وقلت لهما: صبراً، يا حبيبيَّ. وتذكَّرت قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): صبراً اَل ياسر، فرحت أردُّده.
كان القصف يتواصل، والبيت يهتزُّ. فتحت ضرفَتي النافذة. لم يأت منها هواء. فحَّت، من الخارج، رائحةٌ غريبة، كريهةٌ، رائحة حرائق وبارود ونتن، نعرف هذه الرائحة جيِّدا، هذه رائحة تلك الكائنات التي لا تشبع من القتل والتدمير والتهجير.. قال حفيدي إبراهيم ابن السنوات الست: جدُّو، أنا، جائع وعطشان، وتعبان، وقالت أخته سميَّة، ابنة الخمس سنوات، وهي تحاول ترطيب شفتيها الجافَّتين بلسانها الصغير: جدُّو، ماعاد فيِّي أصبر، جدُّو، الله يخلِّيك، بدِّي أشرب… لم تكمل سميَّة كلامها. خفُت صوتُها، واختفى. فقالت أسماء أمُّهما: أتركا جدَّكما، فهو مثلكما، عطشٌ وجائع، أنا خارجة، و… قطع زوجها محمد كلامها. دخل من الغرفة الأخرى إلى غرفتنا مسرعاً، بندقيته على كتفه، وجهاز اتصالات في يده. سلَّم بسرعة. وقال لها:
– لا تخرجي…
تحلَّقنا حول محمد، فاحتضننا لحظات. ثم أفلت منَّا، وأسرع يُخرج من خزانة خشبية في المطبخ صندوقاً خشبيَّاً كبيراً، ويضعه على كتفه، ويهمُّ بالخروج. قلت له:
الصغيران الحبيبان لا يستطيعان التحمُّل إلى أن تعود. أنا أخرج، وقد أجد ما يبلُّ الرِّيق.
قال: أنت تخرج، يا أبي!؟
قلت: إبراهيم وسميَّة ما عادا قادرين على الاحتمال، لا يمكن أن أراهما يذبلان أمامي.
أخرج القنبلة من الصندوق، وقال: إن كان لا بدَّ من أن تخرج، تُخْرِج هذه معك.
خرجت، وسرعان ما عدت لأرتمي أمام هذا الرُّكام، وأنا أضرب رأسي ووجهي بيدي، ولا أعرف ما أقول. ثم لم أدر إلا، وأنا ألتصق بهذا الرُّكام، مددت يدي أحاول شدَّه إلى صدري. كانت قطع الباطون ثقيلة. لم أستطع قلب واحدة منها. رأيت قضيباً من الحديد في طرف كومة الرُّكام. أمسكته بيدي، ورحت أحرِّك القطع، وأنبش به. تعلَّقت عيناي بحقيبة تمزَّق جلدها الأزرق. هذه حقيبة كتب إبراهيم. أرادها زرقاء بلون السماء. كانت عالقة بين قطع خشب وباطون. أمسكتها. برفقٍ، ورحت أسحبها. صارت قطعٌ منها بين يديَّ، قبَّلتها، شممتها. قبَّلتها من جديد…
أطلَّ وجه إبراهيم الجميل، وهو يحملها، ويلوِّح لي بيده، ويركض ليلحق بالحافلة التي تنقله هو وأخته إلى المدرسة. أرى عينيه اللوزيتين السوداوين تتعلَّقان بي ضاحكتين كعهدي به… وتركض سميَّة، الجميلة السمراء، ضاحكة، وشعرها الأسود الطويل يتدلَّى جديلتين على كتفيها… أفيق من عيشي معهما. أفتح عينيَّ اللتين كانتا تفيضان بالدموع، وأسألهما: أين أنتما الاَن؟ هل صرختما عندما سقطت قطع السقف عليكما؟
أرى أمامي قطع باطون كبيرة وصغيرة، تخرج منها قضبان حديدٍ صدئة، وأرى حجارة باطون مكسَّرة ومفتَّتة، وخشباً مقطَّعاً قطعاً كبيرة وصغيرة… هذا بيتنا، هكذا صار بيتنا… لم أعد أرى، الدمع يفيض من عينيَّ. تركته يبلِّل لحيتي الطويلة البيضاء، ورحت أتذوَّقه دافئاً مالحاً.. هو الطعم نفسه الذي نذوقه منذ جاء لمَمُ تلك الكائنات الغريبة من بلاد العالم إلى بلادنا.. صار ذلك الطعم رفيق دروبنا، ذقته، من قبل، مرَّاتٍ كثيرة، حياتنا هي هذه المرَّات، والمرارات.. مرارات تمرُّ في شريطٍ طويلٍ في عينيَّ، ألتقط منها القليل:
كانت الحاجة خديجة، زوجتي، أمُّ محمد، تصلح شبكتي الأولى التي كنت أصطاد بها السمك. كانت تصلحها، بعدما قطع جنود العدوّ ِالكثير من خيوطها، وقالوا لي:
روح من هون، ما في صيد، ما في سمك…
قلت لهم: هذه مهنتي أعيش منها،أنا وزوجتي وأبنائي.
قالوا: تعيش!؟ ولماذا تعيش!؟ أنتو لازم بيموت، روح، ما في سمك، هذا البحر لنا.
سحبوا الشبكة، وقطَّعوا خيطانها، ورموها بعيداً. التقطتها، حملتها، وعدت إلى البيت. حكيت للحاجة ما حدث، فقالت:
أنا أصلحها لك، خذ الشبكة الثانية غداً، وعد إلى صديقك البحر، هو بحرنا منذ ألوف السنين، وليس بحرهم.
صباح اليوم التالي، أخذت شبكتي الثانية، وقصدت بحرنا. كنت في مياهنا مع صيَّادي السمك. كنَّا نرمي شباكنا، وبينها شبكتي الثانية. حوَّمت طائرة حربية، وقصفت وسط المدينة، بيتي هناك، تركت كلَّ شيء، وركضت، وركض الصيادون… عندما وصلت، سمعت أبناء الحيِّ يهلِّلون ويكبِّرون. كان جثمان أم محمد في نعش من النعوش المحمولة على الأكتاف… ذقت الطعم المالح أياماً حالكةً طويلة.
نهضت، رميت قضيب الحديد، مددت يداً قوية، قلبت قطعة باطون صغيرة، وقطعة أخرى مثلها . أمسكت أصابعي أصابع طريَّة. شددتها. استجابت ليدي. برفقٍ سحبتها. هذه كفُّ يد إبراهيم مدمَّاة.. لا، هذه كفُّ يد سميَّة. رفعتها عن الأرض. شممتها، قبَّلتها. فاض دمعي. نقاطه اختلطت بدمها.
وضعت اليد المدمَّاة قرب قلبي. دقَّ قلبي دقَّات قويَّة وسريعة. يسأل: أين هم؟ ويجيب: استشهدوا عطاشى جائعين…
سمعت أصوات انفجارات أعرفها. هذه يصنعها أبناؤنا، وأفرح بها. تلتها صيحات: الله أكبر، الله أكبر…
هذه صيحات المقاومين، قلت. وأضفت: الاَن، أعرف ما أقدر أن أفعله. سحبت يدي. ووقفت منتصباً. هذه هي المرة الأولى التي تنتصب فيها قامتي منذ زمن طويل. خطوت خطوات سريعة. جلست وراء قطعة كبيرة من جدار بيتنا، وقلت في نفسي: لابدَّ من أن يأتي الصهاينة، ليطاردوا المقاومين، فأهلاً بهم. لم يطل انتظاري. أتوا يمشون مثل قطيع نعاج، خمسة جنودٍ مدجَّجين بأسلحتهم، يشهرون بنادقهم، ويتلفَّتون في كلِّ ناح. صاروا في متناول قنبلتي، هيَّأَّتها كما علَّمني ابني محمد، ووقفت.
رميتهم بها، وانبطحت. دوَّى انفجارها. سقط الجميع على الأرض. نظرت إليهم، وقلت بصوتٍ قويٍّ: هذا ما يحدث لكم عندما يحكي الرُّكام…

نيسان ـ عبد المجيد زراقط ـ نشر في 2026-07-21 الساعة 13:39

الكلمات الأكثر بحثاً