اتصل بنا
 

محتكر… أم لا؟

كاتب فلسطيني

نيسان ـ نشر في 2026-07-22 الساعة 13:55

نيسان ـ قبل أقل من قرن، انطلقت بطولة كأس العالم بوعدٍ جميل؛ أن تمنح الكرة فرصةً متساوية لكل الأمم كي تحلم، ولكل الشعوب كي تكتب تاريخها بقدم لاعب، أو عبقرية مدرب، أو عزيمة فريق، لكن بعد ستةٍ وتسعين عاماً على النسخة الأولى عام 1930، يبقى السؤال معلقاً: هل بقيت البطولة بطولةً للعالم، أم تحولت إلى بطولةٍ يحتكرها عدد محدود من الدول؟
تكشف الأرقام مفارقة تستحق التأمل، فمن بين ما يزيد على 190 دولة معترفا بها في العالم، لم ينجح في رفع الكأس سوى ثماني دول فقط، أي ما يقارب أربعة في المئة من دول العالم، بينما بقيت ستة وتسعون في المئة تكتفي بالمشاهدة، أو بالمشاركة المتفاوتة، أو بالأحلام المؤجلة. البرازيل، ألمانيا، إيطاليا، الأرجنتين، الأوروغواي، فرنسا، إنكلترا وإسبانيا… أسماء تتكرر منذ عقود، وكأن الكأس تحفظ طريقها إلى الخزائن ذاتها مهما تبدلت الأجيال والنجوم.
كأس العالم ليس محتكراً بالمنع الدرامي للاحتكار، أو أن قوانينه تمنع الآخرين من الفوز، بل لأن النجاح نفسه أصبح صناعة، ومن لا يدخل مصنعها، سيبقى يصفق لمن ينتجون الأبطال
لا يمكن تفسير ذلك بالتاريخ وحده، ولا بالمصادفة. فالدول التي تتوج تمتلك منظومات متكاملة تبدأ من ملاعب الأحياء، وتمر بأكاديميات اكتشاف المواهب، وتنتهي بدوريات احترافية واقتصادات رياضية واستثمارات هائلة في الإنسان قبل الحجر، إنها لا تصنع منتخباً كل أربع سنوات، بل تعزز استثماراتها بمشروع وطني يمتد لعقود. وفي المقابل، تظل بقية دول العالم تدور في حلقة مفرغة؛ تعاني ضعفا في البنية التحتية، وتغييرات متكررة في الإدارات، ومدربين يرحلون قبل أن يقطفوا ثمار زرعهم، ولاعبين يهاجرون بحثاً عن فرصة لا توفرها أوطانهم. لذلك لا يكون الخروج المبكر مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لضعفٍ أو خللٍ يتكرر منذ سنوات. ومع ذلك، فإن كأس العالم لا يزال يحمل شيئاً من الايجابيات الخاصة، فقد رأينا منتخبات تكسر التوقعات فتتحفنا بأدائها، وتحضر معها عرساً ثقافياً نوعياً، وأخرى تصنع التاريخ من خارج دائرة الكبار، وتثبت أن الاحتكار ليس قدراً أبدياً فيأتي أولئك الذين ينحدرون من جغرافيا مجهولة ليصنعوا التاريخ ويقدموا ما تعجز عنه دول أخرى تمتلك إمكانيات هائلة. غير أن المفاجآت، مهما كانت جميلة، لا تكفي لصناعة أبطال دائمين، فالفارق بين الإنجاز العابر والمجد المستدام هو القرار والتخطيط والمتابعة وحتى الدعم السياسي.
وربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا احتكرت ثماني دول الكأس؟ بل لماذا عجزت بقية دول العالم عن كسر هذا الاحتكار؟ فالكرة لا تميز بين قدمٍ أوروبية وأخرى آسيوية أو افريقية، لكنها تكافئ من يستثمر في الصبر والمعرفة، والناشئين، والقيادة، والاستمرارية. لذلك، فإن كأس العالم ليس محتكراً بالمنع الدرامي للاحتكار، أو أن قوانينه تمنع الآخرين من الفوز، بل لأن النجاح نفسه أصبح صناعة، ومن لا يدخل مصنعها، سيبقى يصفق لمن ينتجون الأبطال، وينتظر مع كل نسخة معجزة قد تأتي.. أو لا تأتي. فهل نشهد تغيراً في هذا النسق؟ ننتظر ونرى!
كاتب فلسطيني

نيسان ـ نشر في 2026-07-22 الساعة 13:55

الكلمات الأكثر بحثاً