لماذا يفقد العالم ثقته في النظام الدولي؟
لطفي العبيدي
كاتب تونسي
نيسان ـ نشر في 2026-07-24 الساعة 14:25
نيسان ـ ليست أخطر الأزمات التي تواجه النظام الدولي اليوم تعدّد الحروب، أو احتدام التنافس بين القوى الكبرى، بل تراجع الثقة في القواعد التي يفترض أنّها تُنظم العلاقات بين الدول. فالنظام الذي قُدِّم لعقود باعتباره الضامن للشرعية الدولية، يبدو اليوم عاجزا عن إقناع كثير من الدول بأن القانون يُطبق بمعيار واحد، أو أن المؤسسات الدولية تقف على المسافة نفسها من الجميع.
لم يعد الحديث عن النظام الدولي ممكنا بمعزل عن أزمة الشرعية، التي تتفاقم في بنيته. فالمشكلة لم تعد تقتصر على ضعف بعض المؤسسات أو تعثر تنفيذ القرارات الدولية، وإنما أصبحت تمس الأساس الذي يقوم عليه النظام نفسه، أي الإيمان بوجود قواعد عامة تُطبق على الجميع من دون تمييز. وهذا ما يجعل أزمة الثقة اليوم أخطر من كثير من الأزمات العسكرية، لأنها تضرب مصدر المشروعية الذي يمنح النظام الدولي تماسكه.
ما تزال القوى الكبرى تتحدث عن احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان وسيادة الدول، لكنها لا تتردد في تجاوز هذه المبادئ عندما تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية
يشير هيدلي بول إلى أن النظام الدولي لا يقوم فقط على توازنات القوة، بل على قبول الدول بمجموعة من القواعد المنظمة للعلاقات بينها. غير أن هذا القبول أصبح أكثر هشاشة مع اتساع الفجوة بين الخطاب والممارسة. فما تزال القوى الكبرى تتحدث عن احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان وسيادة الدول، لكنها لا تتردد في تجاوز هذه المبادئ عندما تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية، وهو ما أدى إلى تراجع الثقة في الخطاب الدولي نفسه. ويكفي النظر إلى التباين الواضح في التعامل مع الحرب في أوكرانيا والحرب على غزة. ففي الحالة الأولى ارتفع الخطاب الغربي إلى أقصى درجات التشديد على احترام القانون الدولي وسيادة الدول، بينما بدا أكثر انتقائية وتردّدا في الحالة الثانية، رغم تشابه الأسئلة المتعلقة بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني. وقد عزز هذا التناقض قناعة متزايدة لدى كثير من الدول بأن المبادئ لا تُطبق بالقدر نفسه على الجميع، وإنما تخضع لموازين السياسة والمصلحة. وتتجلى الأزمة كذلك في أداء المؤسسات الدولية. فمجلس الأمن، الذي أُنشئ ليكون الضامن الأول للسلم والأمن الدوليين، أصبح في نظر كثيرين ساحة تعكس صراعات القوى الكبرى أكثر مما تعكس الإرادة الجماعية للمجتمع الدولي. ولم يعد استخدام حق النقض «الفيتو» استثناءً، بل تحول في ملفات مثل سوريا وأوكرانيا وغزة إلى أداة تعطل قدرة المجلس على اتخاذ قرارات فعالة، وهو ما أضعف صورته وأثار تساؤلات جدية حول قدرته على أداء الوظيفة التي أُنشئ من أجلها.
ولا تقتصر الأزمة على المؤسسات، بل تمتد إلى القانون الدولي نفسه، الذي بات عرضة لتفسيرات متباينة حسب موازين القوة. فحين تُستخدم المبادئ ذاتها لتبرير مواقف متناقضة، تصبح الشرعية موضع نزاع بدل أن تكون مرجعية يحتكم إليها الجميع. ومن هنا يبرز مفهوم «ازدواجية المعايير» بوصفه أحد أبرز أسباب تآكل الثقة بالنظام الدولي. وقد انعكس ذلك أيضا في الجدل الذي رافق المحكمة الجنائية الدولية، فحين أصدرت قرارات تتعلق بخصوم القوى الغربية حظيت بدعم واسع، لكن عندما امتدت تحقيقاتها أو مذكرات التوقيف إلى حلفاء تلك القوى، تصاعدت الضغوط السياسية والانتقادات الموجهة إليها، الأمر الذي أعاد طرح سؤال قديم حول مدى استقلال المؤسسات القانونية الدولية عن حسابات القوة.
ويرى جون ميرشايمر أن القوى الكبرى لا تتردد في تجاوز القواعد الدولية عندما ترى أنها تقيد مصالحها الحيوية. ورغم أن هذا الطرح ينتمي إلى المدرسة الواقعية، فإنه يساعد في تفسير كثير من مظاهر السلوك الدولي الراهن، حيث تبدو القوة، في لحظات الأزمات، أكثر تأثيرا من القانون، وتصبح الشرعية ذاتها جزءا من أدوات الصراع السياسي. ولعل غزو العراق عام 2003 يمثل المثال الأبرز على هذا التداخل بين القوة والخطاب، فقد جرى تبرير التدخل العسكري بمفاهيم الأمن الدولي وأسلحة الدمار الشامل، قبل أن يتبين لاحقا حجم الجدل الذي أحاط بتلك المبررات. ولم يكن أثر ذلك مقتصرا على العراق، بل امتد إلى صورة النظام الدولي بأسره، إذ ترسخ لدى كثيرين الاعتقاد بأن الشرعية الدولية أصبحت قابلة لإعادة التفسير وفق مقتضيات القوة.
ولم يكن من قبيل المصادفة، في ظل هذا المناخ، أن تتجه قوى صاعدة مثل مجموعة «بريكس» إلى تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي، وأن تتزايد المطالب بإصلاح مجلس الأمن وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. فهذه الدعوات لا تعكس مجرد تنافس على النفوذ، بل تعبر أيضا عن تراجع الثقة في قدرة النظام الدولي الحالي على تمثيل التحولات التي يشهدها العالم.
غير أن الحديث عن أزمة الثقة لا يعني أن النظام الدولي قد انهار، بل إنه يعيش مرحلة انتقالية تتراجع فيها شرعية القواعد القديمة، بينما لم تتبلور بعد قواعد جديدة تحظى بقبول واسع. وهذا ما يفسر حالة الضبابية التي تطبع العلاقات الدولية اليوم، حيث تتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، وتتوسع التحالفات البديلة، فيما تتراجع قدرة المؤسسات التقليدية على احتواء الأزمات.
لقد كتب هنري كيسنجر، أن الشرعية هي ما يمنح النظام الدولي استقراره، لأنها تجعل الدول تقبل بقواعد اللعبة حتى عندما لا تحقق لها مكاسب مباشرة. وإذا كانت هذه الشرعية تتآكل اليوم، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدد النزاعات، بل في غياب المرجعية المشتركة القادرة على احتوائها.
لذلك، فإن السؤال الذي يواجه العالم اليوم لم يعد يتعلق فقط بكيفية إدارة الأزمات الدولية، بل بكيفية استعادة الثقة في النظام الذي يفترض أن يديرها. فحين يفقد القانون هيبته، وتصبح الشرعية محل نزاع، لا يدخل العالم مرحلة جديدة من الصراع فحسب، بل يقترب من لحظة يُعاد فيها تعريف النظام الدولي نفسه، وقواعد القوة التي ستحكمه في العقود المقبلة.
كاتب وباحث تونسي
لم يعد الحديث عن النظام الدولي ممكنا بمعزل عن أزمة الشرعية، التي تتفاقم في بنيته. فالمشكلة لم تعد تقتصر على ضعف بعض المؤسسات أو تعثر تنفيذ القرارات الدولية، وإنما أصبحت تمس الأساس الذي يقوم عليه النظام نفسه، أي الإيمان بوجود قواعد عامة تُطبق على الجميع من دون تمييز. وهذا ما يجعل أزمة الثقة اليوم أخطر من كثير من الأزمات العسكرية، لأنها تضرب مصدر المشروعية الذي يمنح النظام الدولي تماسكه.
ما تزال القوى الكبرى تتحدث عن احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان وسيادة الدول، لكنها لا تتردد في تجاوز هذه المبادئ عندما تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية
يشير هيدلي بول إلى أن النظام الدولي لا يقوم فقط على توازنات القوة، بل على قبول الدول بمجموعة من القواعد المنظمة للعلاقات بينها. غير أن هذا القبول أصبح أكثر هشاشة مع اتساع الفجوة بين الخطاب والممارسة. فما تزال القوى الكبرى تتحدث عن احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان وسيادة الدول، لكنها لا تتردد في تجاوز هذه المبادئ عندما تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية، وهو ما أدى إلى تراجع الثقة في الخطاب الدولي نفسه. ويكفي النظر إلى التباين الواضح في التعامل مع الحرب في أوكرانيا والحرب على غزة. ففي الحالة الأولى ارتفع الخطاب الغربي إلى أقصى درجات التشديد على احترام القانون الدولي وسيادة الدول، بينما بدا أكثر انتقائية وتردّدا في الحالة الثانية، رغم تشابه الأسئلة المتعلقة بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني. وقد عزز هذا التناقض قناعة متزايدة لدى كثير من الدول بأن المبادئ لا تُطبق بالقدر نفسه على الجميع، وإنما تخضع لموازين السياسة والمصلحة. وتتجلى الأزمة كذلك في أداء المؤسسات الدولية. فمجلس الأمن، الذي أُنشئ ليكون الضامن الأول للسلم والأمن الدوليين، أصبح في نظر كثيرين ساحة تعكس صراعات القوى الكبرى أكثر مما تعكس الإرادة الجماعية للمجتمع الدولي. ولم يعد استخدام حق النقض «الفيتو» استثناءً، بل تحول في ملفات مثل سوريا وأوكرانيا وغزة إلى أداة تعطل قدرة المجلس على اتخاذ قرارات فعالة، وهو ما أضعف صورته وأثار تساؤلات جدية حول قدرته على أداء الوظيفة التي أُنشئ من أجلها.
ولا تقتصر الأزمة على المؤسسات، بل تمتد إلى القانون الدولي نفسه، الذي بات عرضة لتفسيرات متباينة حسب موازين القوة. فحين تُستخدم المبادئ ذاتها لتبرير مواقف متناقضة، تصبح الشرعية موضع نزاع بدل أن تكون مرجعية يحتكم إليها الجميع. ومن هنا يبرز مفهوم «ازدواجية المعايير» بوصفه أحد أبرز أسباب تآكل الثقة بالنظام الدولي. وقد انعكس ذلك أيضا في الجدل الذي رافق المحكمة الجنائية الدولية، فحين أصدرت قرارات تتعلق بخصوم القوى الغربية حظيت بدعم واسع، لكن عندما امتدت تحقيقاتها أو مذكرات التوقيف إلى حلفاء تلك القوى، تصاعدت الضغوط السياسية والانتقادات الموجهة إليها، الأمر الذي أعاد طرح سؤال قديم حول مدى استقلال المؤسسات القانونية الدولية عن حسابات القوة.
ويرى جون ميرشايمر أن القوى الكبرى لا تتردد في تجاوز القواعد الدولية عندما ترى أنها تقيد مصالحها الحيوية. ورغم أن هذا الطرح ينتمي إلى المدرسة الواقعية، فإنه يساعد في تفسير كثير من مظاهر السلوك الدولي الراهن، حيث تبدو القوة، في لحظات الأزمات، أكثر تأثيرا من القانون، وتصبح الشرعية ذاتها جزءا من أدوات الصراع السياسي. ولعل غزو العراق عام 2003 يمثل المثال الأبرز على هذا التداخل بين القوة والخطاب، فقد جرى تبرير التدخل العسكري بمفاهيم الأمن الدولي وأسلحة الدمار الشامل، قبل أن يتبين لاحقا حجم الجدل الذي أحاط بتلك المبررات. ولم يكن أثر ذلك مقتصرا على العراق، بل امتد إلى صورة النظام الدولي بأسره، إذ ترسخ لدى كثيرين الاعتقاد بأن الشرعية الدولية أصبحت قابلة لإعادة التفسير وفق مقتضيات القوة.
ولم يكن من قبيل المصادفة، في ظل هذا المناخ، أن تتجه قوى صاعدة مثل مجموعة «بريكس» إلى تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي، وأن تتزايد المطالب بإصلاح مجلس الأمن وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. فهذه الدعوات لا تعكس مجرد تنافس على النفوذ، بل تعبر أيضا عن تراجع الثقة في قدرة النظام الدولي الحالي على تمثيل التحولات التي يشهدها العالم.
غير أن الحديث عن أزمة الثقة لا يعني أن النظام الدولي قد انهار، بل إنه يعيش مرحلة انتقالية تتراجع فيها شرعية القواعد القديمة، بينما لم تتبلور بعد قواعد جديدة تحظى بقبول واسع. وهذا ما يفسر حالة الضبابية التي تطبع العلاقات الدولية اليوم، حيث تتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، وتتوسع التحالفات البديلة، فيما تتراجع قدرة المؤسسات التقليدية على احتواء الأزمات.
لقد كتب هنري كيسنجر، أن الشرعية هي ما يمنح النظام الدولي استقراره، لأنها تجعل الدول تقبل بقواعد اللعبة حتى عندما لا تحقق لها مكاسب مباشرة. وإذا كانت هذه الشرعية تتآكل اليوم، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدد النزاعات، بل في غياب المرجعية المشتركة القادرة على احتوائها.
لذلك، فإن السؤال الذي يواجه العالم اليوم لم يعد يتعلق فقط بكيفية إدارة الأزمات الدولية، بل بكيفية استعادة الثقة في النظام الذي يفترض أن يديرها. فحين يفقد القانون هيبته، وتصبح الشرعية محل نزاع، لا يدخل العالم مرحلة جديدة من الصراع فحسب، بل يقترب من لحظة يُعاد فيها تعريف النظام الدولي نفسه، وقواعد القوة التي ستحكمه في العقود المقبلة.
كاتب وباحث تونسي
نيسان ـ نشر في 2026-07-24 الساعة 14:25
رأي: لطفي العبيدي كاتب تونسي


