اتصل بنا
 

حين يسيء التبرير للدولة

مؤسس ورئيس مجلس الإدارة لشركة "Panorama Consulting Engineers" منذ عام 2006. كما عمل محاضراً غير متفرغ في كلية الهندسة والتكنولوجيا في " الجامعة الأردنية " بين عامي 2006 و2007، إضافة إلى أنه كان ناشراً ورئيساً للتحرير في "مجلة أبعاد الهندسية". كان عضواً في "مجلس النواب الأردني" بين 2013 و2016 ورئيسا للجنة النقل والخدمات النيابية فيه، وعمل أيضاً في "أمانة عمّان الكبرى" حيث كان عضواً منتخباً في مجلسها لمدة 8 سنوات، ثم انتخب نائباً لأمين عمان لمدة 6 سنوات.

نيسان ـ نشر في 2026-07-25 الساعة 13:32

نيسان ـ يتناول هذا المقال مبدأً عاماً في مسؤولية الخطاب الصادر عن شاغلي المواقع العامة، ولا يقصد الحكم على شخص بعينه أو الجزم بدوافعه أو مسؤوليته عن واقعة محددة.
أمانة الكلمة
يُنْسَب إلى الحسن البصري حكمة قالها للخليفة عمر بن عبد العزيز حين سأله: بمن أستعين على الحكم؟ فأجابه: «عليك بأهل الشرف، فإن شرفهم يمنعهم من الخيانة».
ربما وصلت إلينا الرواية بصيغ مختلفة، لكن معناها بقي حياً؛ فالدولة لا يحميها من يسارعون إلى تبرير كل موقف، وإنما من يعرفون قيمة الكلمة، ويحترمون الحقيقة، ولا يستهينون بعقول الناس.
نواجه أحياناً سقطات تصدر عن مسؤولين أو شاغلي مواقع دستورية وعامة، يظن أصحابها أنهم يدافعون عن الدولة، فإذا بكلامهم يتحول إلى عبء عليها، وقد تبدأ المسألة بمحاولة لتفسير واقعة أو حماية صورة مؤسسة، ثم تنتهي إلى توسيع الشك وإضعاف الثقة، بسبب رواية لم تكن الدولة مضطرة إلى تبنيها أصلاً.
وأهل الشرف ليسوا فقط أولئك الذين تمتنع أيديهم عن المال العام؛ فالأمانة أوسع من النزاهة المالية، وهناك أمانة الموقع، وأمانة السلطة، وأمانة تمثيل الناس، وقبل ذلك كله أمانة الحقيقة. وقد يخلّ المسؤول بأمانة موقعه من غير أن يختلس ديناراً، حين يتحدث في أمر لا يعرفه، أو يطلق تفسيراً لا يصمد أمام أول سؤال، أو يحوّل قضية حساسة إلى مادة للسخرية من الدولة ومؤسساتها.
خطر الارتجال
المشكلة في مثل هذه الحالات ليست دائماً زلة لسان عابرة، بل قد تكشف طريقة في التفكير؛ حين يتعامل بعض من في المواقع العامة مع غياب المعلومة باعتباره فراغاً ينبغي ملؤه بأي تفسير، ولو لم يستند إلى واقعة أو دليل.
في الشأن العام، قد يكون قول «لا أعلم» أكثر احتراماً للموقع وللناس من إجابة مرتجلة؛ فالاعتراف بحدود المعرفة ليس ضعفاً، بل دليل مسؤولية. أما من يجهل المعلومة ثم يتبرع بتفسيرها، فلا يبدد الشكوك، وإنما يفتح الباب أمام أسئلة أكبر.
ومن يشغل موقعاً دستورياً أو عاماً ليس معلقاً عابراً؛ فمن حقه أن يسأل وينتقد ويطالب بالتوضيح، وأن يستخدم أدوات الرقابة والمساءلة، أو يحيل الأمر إلى الجهات المختصة. لكنه لا يملك أن يضع مكان المعلومة رواية من عنده لا تسندها الوقائع.
كلما ارتفع الموقع، أصبحت الكلمة أكثر كلفة، فالخطأ الذي يصدر عن شخص عادي قد يبقى في حدوده، أما حين يصدر عن مسؤول، فإنه يُحسب غالباً على المؤسسة التي يمثلها، حتى لو لم تطلب منه الكلام.
والإساءة إلى الدولة لا تأتي دائماً في صورة هجوم مباشر؛ فقد تأتي في صورة دفاع مرتبك عنها، بل إن الرواية الضعيفة، حين تصدر بقصد التبرير، قد تضر بصورة الدولة أكثر من نقد خصومها، لأنها لا تقنع أحداً، وتوحي بأن بعض أصحاب المواقع العامة لا يقدّرون قدرة المواطنين على الفهم والمقارنة.
الدولة القوية لا تحتاج إلى روايات هشة، تحتاج إلى خطاب يعرف ما يمكن إعلانه، وما تفرض المصلحة العامة عدم الخوض فيه. تستطيع المؤسسة الرسمية أن تقول إن بعض التفاصيل تخضع لاعتبارات أمنية، أو إن القضية لدى الجهات المختصة، هذا جواب مفهوم ويحترم، أما الارتجال فلا يكشف حقيقة ولا يحمي سراً، بل يضيف إلى الواقعة أزمة ثقة كان يمكن تجنبها.
الناصح والمبرر
هناك فرق واضح بين الناصح والمبرر.
الناصح يقول للمؤسسة: خاطبوا الناس بما تعرفونه، ولا تتركوا الفراغ طويلاً، لأن الشك سيسارع إلى ملئه، أما المبرر فيبحث عن أسرع إجابة، لا عن أدقها، ويظن أن أي تفسير مريح أفضل من الاعتراف بعدم امتلاك المعلومة.
الناصح يحرص على ألّا تُحمّل الدولة كلاماً لا تستطيع الدفاع عنه، أما المبرر فيربط هيبتها بقدرته على إنكار ما يراه الناس أو التشكيك في صحته، وحين تنهار روايته، تبقى الدولة وحدها تدفع ثمن كلامه.
الدولة لا تخدمها المجاملة الدائمة، ولا التصفيق لكل موقف؛ فما يخدمها هو السؤال الصادق، والمعلومة الدقيقة، والاعتراض المسؤول، والتنبيه إلى الخطأ قبل أن يتسع أثره، ولهذا قد يكون بعض من يزعمون الدفاع عنها أشد إساءة إليها من كثير من معارضيها.
حق المواطن في الحقيقة
حق المواطن في المعرفة لا يعني أن تُكشف له الأسرار الأمنية أو العسكرية، ولا أن تصبح كل معلومة متاحة للنشر، لكنه يعني، في الحد الأدنى، ألّا يُطلب منه تصديق رواية تناقض المنطق أو المعلومات المتاحة.
وقد آن الأوان لأن نقيس أهل المواقع العامة بمعرفتهم ودقتهم واستقلال رأيهم، لا بارتفاع أصواتهم أو كثرة إعلانهم الولاء. فالحماسة، حين تنفصل عن المعرفة، قد تصبح تهوراً، والولاء حين يفارق الصدق يصبح تضليلاً، والدفاع عن الدولة من دون احترام الحقيقة قد ينتهي إلى الإساءة إليها.
المسؤول الحقيقي ليس الأكثر استعجالاً في الكلام، وإنما من يعرف متى يتحدث، وماذا يقول، وما حدود المعلومة التي يملكها، فالكلمة في الموقع العام ليست انطباعاً شخصياً عابراً، بل مسؤولية ينعكس أثرها على الناس والمؤسسات.
شجاعة الاعتذار
ليس عيباً أن يخطئ صاحب الموقع العام، لكن ما يميز رجل الدولة هو قدرته على الاعتراف بخطئه وتصحيح كلامه حين تتضح الحقيقة.
الاعتذار لا ينتقص من المكانة، بل يؤكد أن صاحبها يدرك مسؤوليته أمام الناس، أما المكابرة فلا تمحو تصريحاً مسجلاً، ولا تجعل الرواية الضعيفة أكثر صدقاً؛ بل تنقل المسألة من خطأ يمكن تجاوزه إلى أزمة يصعب احتواؤها.
الشرف لا يعني ألّا يخطئ الإنسان، بل ألّا يصر على الخطأ بعد أن يتبين له، ومن يصحح كلامه يحمي نفسه ومؤسسته، بينما يحمّل المكابر الدولة عبء الدفاع عن قول لم تطلب منه أن يقوله.
وجوه الإخلال بالأمانة
لو قرأنا حكمة الحسن البصري بلغة عصرنا، لقلنا إن أهل الشرف هم الذين يمنعهم شرفهم من خيانة المال العام، وإساءة استعمال السلطة، والإخلال بأمانة الحقيقة.
فالمال العام يُخان بالاستيلاء عليه، والسلطة يُساء استعمالها حين تُسخّر للمصلحة الشخصية، أما أمانة الحقيقة فيُخلّ بها بالكلام بلا علم، أو بتقديم الظن على أنه حقيقة، أو بإطلاق روايات لا دليل عليها.
والإخلال بأمانة الحقيقة ليس هيناً؛ فهو يفسد النقاش العام، ويربك الناس، ويضعف أحد أهم مصادر قوة الدولة: ثقة المواطنين بها، وهذه الثقة لا تُبنى بالعبارات المطمئنة والمظاهر الرسمية، بل بخطاب مسؤول يزن كلماته، ويعترف بخطئه، ولا يرى في التراجع عن رواية غير صحيحة هزيمة شخصية.
الحقيقة تحمي الدولة
لقد اختصر الحسن البصري معنى عميقاً في الحكم حين قال: «استعن بمن يمنعه شرفه من الخيانة».
وفي زماننا، يبدأ الوفاء بهذه الحكمة حين يمنع الشرف صاحب الموقع العام من التفريط بالحقيقة، وحين يمنعه احترامه للدولة من تحميلها كلاماً مرتجلاً قيل باسم الدفاع عنها، ويدفعه احترام المواطن إلى تقديم المعرفة بدلاً من التبرير.
هيبة الدولة لا يصنعها إنكار الأسئلة، بل طريقة الإجابة عنها، ولا يحميها مسؤول يطلب من الناس أن يصدقوا ما لا يقنعهم، وإنما يحميها من يعرف أن الاعتراف بعدم المعرفة أفضل من اختراع جواب، وأن الصمت المؤقت قد يكون أكثر مسؤولية من كلام يثير الشكوك.
الحقيقة قد تكون ثقيلة، لكنها تحمي الدولة، أما الرواية غير المدعومة بالمعلومات فتبقيها في موضع التساؤل.

نيسان ـ نشر في 2026-07-25 الساعة 13:32


رأي: المهندس عامر البشير مؤسس ورئيس مجلس الإدارة لشركة "Panorama Consulting Engineers" منذ عام 2006. كما عمل محاضراً غير متفرغ في كلية الهندسة والتكنولوجيا في " الجامعة الأردنية " بين عامي 2006 و2007، إضافة إلى أنه كان ناشراً ورئيساً للتحرير في "مجلة أبعاد الهندسية". كان عضواً في "مجلس النواب الأردني" بين 2013 و2016 ورئيسا للجنة النقل والخدمات النيابية فيه، وعمل أيضاً في "أمانة عمّان الكبرى" حيث كان عضواً منتخباً في مجلسها لمدة 8 سنوات، ثم انتخب نائباً لأمين عمان لمدة 6 سنوات.

الكلمات الأكثر بحثاً