اتصل بنا
 

دولة الجميع… الفشل العربي الدوار

نيسان ـ نشر في 2026-07-25 الساعة 13:33

نيسان ـ انشغلت وسائل التواصل الاجتماعي في مصر على استبعاد أحد الناشئين الأقباط من اختبارات كرة القدم في نادي الاتحاد السكندري، بعد أن قامت أم الناشئ مكاري يونان، باتهام مدرب قطاع الناشئين بتوجيه عبارة تتعلق باسمه مكاري يونان، والذي يحدد بوضوح انتماءه القبطي. نفى النادي بدوره أن يكون لخلفية الناشئ القبطية أي دور في استبعاده، مؤكدا أن مستواه لا يرقى للانضمام للفريق، إلا أن الضغط الذي ترافق بالحملة أدى إلى قبوله في النهاية.
قصة اللاعبين الأقباط أو تغيبهم عن المنتخب المصري قديمة، ففي العقود الأخيرة لم يشهد الفريق المصري الذي يعرف بمنتخب الساجدين، سوى لاعبين قبطيين، وفي الربع القرن الأخير لم يكن هناك أي لاعب قبطي، مع أن الأقباط وفقا لتقديرات مختلفة يشكلون 10% من المواطنين المصريين.
مع ذلك، تبدو مصر في وضعية أفضل كثيرا على مستوى مفهوم الدولة الاحتوائية، حيث إن معظم مشكلاتها تأتي طبقية في المرتبة الأولى، بأكثر مما تعتمد على التفرقة على أساس ديني أو عرقي، لأن لحظات الصدام على أساس فئوي بقيت محدودة للغاية، وما زالت الدولة تستطيع أن تحتويها وتحد من تفاقمها، مثل التدخل الذي أتى من الأعلى لينضم الطفل مكاري إلى أكبر أندية الإسكندرية. لا يبدو الوضع كذلك في الدول التي شكلت مع مصر المحور التقليدي لمشاريع النهضة العربية في سوريا والعراق، حيث بقيت الإقصائية تفرض نفسها على المشهد السياسي بأكمله، فالهوية المذهبية التي يحملها رئيس البلاد كانت تعني الإغداق على أبناء مذهبه بالمزايا والفرص، مقابل الحرمان المنهجي للآخرين، ومهما بدت الإجراءات التجميلية في الحلقات الضيقة حول الرئيس، لينفي عن نفسه ممارسة الإقصاء، فإن الظاهرة تصبح أكثر وضوحا عند النزول في الهرم الاجتماعي إلى الطبقات الأدنى. ولم تكن أزمة الرئيس وهويته وتمكنه من الإمساك بزمام السلطة هي الوجه الوحيد للمشكلة، حيث يبدو أنها لم تكن تتفاعل في اتجاه واحد، وبالنظر إلى الخلفية العلوية للرئيس حافظ الأسد ونظامه، فإن المقدمات أتت قبل ذلك من إقصاء اجتماعي من الطائفة السنية المهيمنة على المدن الكبرى، خاصة دمشق وحلب، التي نظرت إلى العلويين بصورة مستمرة على أنهم فلاحون غلاظ وأجلاف، وأن عليهم أن يبقوا في مخزون بشري يغذي احتياجات المدن من المهن البسيطة، ولذلك كان التحاقهم بالجيش بكثافة خيارا يكفل لهم شيئا من الحراك الاجتماعي، لتعويض المكانة المفقودة بالتستر في الرداء العسكري، وما يحمله من صورة ذهنية تتمثل في اليد الثقيلة للدولة.
مع كثافة التحاق العلويين بالجيش أدى الوجود الكمي إلى الوصول إلى مواقع نوعية، جعلتهم يبنون شبكات من الثقة المتبادلة، لذلك كانت اللجنة العسكرية التي تأسست في 1959 تضم ثلاثة علويين منهم حافظ الأسد، ومعه عبد الكريم الجندي من الطائفة الإسماعيلية، وأحمد المير السني، ليحسم الأسد المشهد لمصلحته ويحول الحكم إلى شكل شبه أسري وعشائري داخل الطائفة العلوية، ويعمل على استثمار الطائفة لمصلحته، وصولا إلى اختطافها بالكامل من قبل خليفته تحت طائلة الخوف من الانتقام والإقصاء بعد الثورة السورية في 2011.
الأصل في الدولة أن تستفيد من الجميع، وتفتح الأبواب للأفضل في انتخاب بالرعاية الرسمية على جميع المستويات، بناء على كفاءة ما يقدمه الفرد بغض النظر عن خلفيته
بوصول أحمد الشرع على رأس هيئة تحرير الشام، بدأت الأحاديث عن جولة أخرى من الإقصاء، وتفجرت الأزمات من السويداء الدرزية، إلى الساحل العلوي مع مناوشات هوياتية ووجودية في بعض أحياء الشام مثل، باب توما، ومع أن الرئيس الجديد يسعى لبث الطمأنينة بين السوريين، ويحرص على التحدث معهم في صيغة تصالحية، إلا أن ذلك لا يخفف من المخاوف ولا يقدم خطوات تتجاوزها بعد اعتياد الإقصاء بوصفه منهجا متكاملا على المستوى السياسي لسنوات طويلة من حكم الأسد، واجتماعيا في فترات كثيرة سابقة.
في العراق لم تكن الصورة مختلفة كثيرا، إلا أن تقارب الوزن النسبي بين الطائفتين السنية والشيعية، ووجود حالة متقدمة من التأزم على المستوى الكردي، بوصفه تمايزا عرقيا، أدت إلى صعوبة استدراك فكرة الدولة من جديد، بل تعمقت الأزمة مع الدستور، الذي اعتمد بعد 2003 ليوزع المواقع الرئيسية في منظومة السلطة على أساس عرقي ومذهبي، وهي التجربة التي أثبتت عدم جدواها في لبنان، وأدت إلى تعميق الأزمة على مستوى كل فئة من الشعب، لتتصارع داخليا على التمثيل واحتكاره، لينتج ذلك صورةً من الدولة القلقة على المستوى الداخلي، يضاف إلى الأحمال الثقيلة التي جعلت العراق على زاوية من الاحتكاك مع بلدين يحملان طموحات إقليمية وداخلهما أزمات عرقية وهوياتية في تركيا وإيران .هذه الظروف جعلت الدولة في حالة دائمة من الخوف وأثرت على خياراتها التنموية، ففي العراق بقيت منطقة الأهوار بخصوصيتها موضوعا للتجاهل على أساس ملامحها الاجتماعية والمذهبية، رغم أهميتها القصوى لأي نموذج اقتصادي، وكذلك بقيت المناطق الكردية قبل الحصول على شكل من الحكم الذاتي يفوضها بخياراتها التنموية، ولكن عقيدة الإقصاء التي تبدأ من المستويات العليا داخل السلطة تتحول إلى سلوك عمومي وطريقة للحياة، وتتعدد مستويات الصراع، فالسنة في مواجهة الشيعة، وعلى مستوى كل من السنة والشيعة فهم يعيشون في مواجهة داخلية بناء على موقعهم من الطيف الطبقي والعشائري والجهوي.
لم يكن السودان ولا المغرب العربي بمختلف دوله يعيشون بعيدا عن أشكال أخرى من الإقصاء، ولا ينجو المشرق العربي ومحطات مختلفة من الخليج من ممارسات درجات متباينة منه، ليظهر الخلل في بنية الدولة وعلاقة السلطة مع المجتمع، وفكرة السلطة بوصفها أداة لتحصيل المكتسبات، لا إدارة الخدمات، بوصفها محركا أساسيا لتمكين الإقصاء كممارسة، والحيلولة دون بناء الدولة الجامعة التي تتعامل مع المواطنين بوصفهم مفردات وجودها الأساسية، بناء على علاقة بسيطة طرفها الفرد (الإنسان) والدولة (الأداة)، لا أن تلحق بالدولة صفات مثل الهوية الخاصة، أو حتى الانتماء الديني أو الرسالة الحضارية لتخرج من دورها كأسس رمزية للوجود وتوظف في المقابل لفرز المواطنين وتصنيفهم.
الأصل في الدولة أن تستفيد من الجميع، وتفتح الأبواب للأفضل في انتخاب بالرعاية الرسمية على جميع المستويات، بناء على كفاءة ما يقدمه الفرد بغض النظر عن خلفيته، لأن الدولة التي تعمل على أساس كفاءة عناصرها ومفرداتها تستطيع أن ترتقي بأدائها لمصلحة الجميع، أما دولة التخاطف والتنابذ في فلسفة الإقصاء فتفرز الأقدر على تمثيل التشظي والافتراق في وصفة للتهالك المتواصل وصولًا إلى دولة المعازل، والأسوأ، الميليشيات، حيث تفرغ الدولة من معناها وتصبح مجرد بناءٍ آيل للسقوط.
ترضية مكاري بموقع في فريق الناشئين بالاتحاد السكندري، ليس حلا للأزمة ولكن الحل يجب أن يتقصى البنى الاجتماعية والثقافية التي جعلت الأقباط يفضلون عدم ذهاب أولادهم إلى كرة القدم، أو الرياضة لأنهم اضطروا لمعايشة ضراوة التنافس من داخل فكر الأقلية، الذي تنتجه الممارسة الإقصائية ففضلوا لأبنائهم اللعب في المضمون، من مهن متخصصة لأن المشاركة في الملاعب المسكونة بفكرة الإقصاء لا يناسبهم ولا يتلاءم مع المعادلة التي عاشوها لقرون من الزمن، ولأن السلطة استغلت المشهد العفوي والصادق لسجدات لاعبي المنتخب لتصفه بمنتخب الساجدين، وكأن ذلك يلحق بجميع انتصاراته، مع أنه يصبح محرجا لفكرة تنمية الفرد والمواطن في حالات كثيرة من الخسارة الكروية، وغيرها في مجالات أخرى.

نيسان ـ نشر في 2026-07-25 الساعة 13:33


رأي: سامح المحاريق كاتب

الكلمات الأكثر بحثاً